ماذا يعنى تحويل عصابة الانقلاب أرض مصر إلى ملكية تناوبٍ إماراتية أو سعودية؟

- ‎فيتقارير

 

لماذا تبيع سلطة الانقلاب العسكرى مدينة رأس الحكمة للإمارات مقابل 35 مليار دولار، يحدث ذلك رغم  زعم المنقلب السفيه السيسى  حرصه على الأمن القومى ،أليس مجرد إبرام الصفقة يعني بيع مصر لجزءٍ من سيادتها وتحويل أرضها إلى ملكية تناوبٍ إماراتية.

للوهلة الأولى، قد يبدو من غير المنطقي بناء مستعمرة على ساحل مصر الشمالي الغربي القاحل، حيث يبعُد الموقع 140 كيلومتراً عن المراكز السكانية الكبرى ولا يحوي الكثير من الموارد الطبيعية، لكن الدول لا تحتاج الموارد المادية لتحقيق الرخاء دائماً. ولدينا سنغافورة، وموريشيوس، و”إسرائيل” كأمثلةٍ حية على مناطق فقيرة بالموارد تحولت إلى اقتصادات مرتفعة الدخل.

 

وعندما وصل  السفيه السيسي إلى كرسى الرئاسة عام  في انتخابات هزلية عام 2014، كانت مثار سخرية العالم أجمع  بعد انقلابه على الدكتور محمد مرسى  أول رئيس منتخب في تاريخ البلاد .

 ورغم أن حركة تمرد  التى ممولتها دويلة الإمارات المتحدة لتكون  الواجهة المدنية للانقلاب ،قد أكدت أن السبب الرئيسى للتمرد هو ، وصول انخفاض الجنيه المصرى،  لكن حكومة الانقلاب نفسها أغرقت نفسها في أزمة ديون بعدها ، حيث أرتفع ديون مصر الخارجية من48  مليار دولار قبل وصول المنقلب ، جلها كانت من زمن مبارك والمجلس العسكرى الذى أستمر أكثر من عام ونصف ، حيث ان الرئيس المصرى ، لم يمكث في الحكم سوى سنة واحدة لم يحمل البلاد خلالها أى ديون خارجية ، ولكن السفيه خلال 10 سنوات رفع الدين الخارجى لأكثر من 155 مليار دولار ، بسبب  إهدار لعشرات المليارات على القصور الرئاسية والعاصمة الإدارية فضلا عن فاتورة ترضية كبار ضباط الجيش والشرطة والقضاء،.\

وعلى مستوى الاقتصاد فقد سلم السيسى كل مقدرات مصر للجيش فأصبحت البلد العريق مجرد عزبة ، للعسكر ، نهبوا خيرها وقعدوا على تلها ، حتى وصلت لهذا الخراب المقيم التى أوصلت السيسى وعصابته لبيع مؤسسات وأراضى مصر ، قطعة قطعة للعرب بداية من تيران وصنافير وحتى رأس الحكمة ، وفى الطريق رأس جميلة ورأس محمد ..

 

إذ ابتكر السيسي “فكرة مذهلة” بضخ عشرات المليارات من الدولارات على مشروعات البنية التحتية، التي تجاوزت ميزانياتها المخصصة باستمرار، ولا عجب أن مصر حفرت لنفسها قبراً أعمق بتلك السياسة، تضاعف الدين الخارجي المصري بأربعة أضعاف منذ وصول السيسي إلى سدة الحكم ليبلغ 164 مليار دولار.

 

وتُشكل خدمة الديون حالياً غالبية النفقات السنوية للحكومة، إذ من المقرر أن تسدد مصر ديوناً خارجية بقيمة 32.8 مليار دولار في 2024 فقط، وهذا مبلغ ضخم من الأموال التي ستذهب هباءً. ويبدو أن المقرضين قد فاض بهم الكيل الآن، ونتيجة حاجتها الماسة للنقود، وقَّعت مصر صفقةً مع الإمارات لتطوير منطقةٍ مميزة على ساحلها المتوسطي تُعرف باسم “رأس الحكمة”.

 

– سيضخ الإماراتيون 35 مليار دولار من الاستثمارات على الاقتصاد المصري المدين خلال الشهرين المقبلين

– من الناحية الفنية، سيجري تحويل 11 مليار دولار من الديون الإماراتية إلى منح

– القيمة الفعلية للاستثمار الإماراتي تبلغ نحو 24 مليار دولار فقط

– من المتوقع أن تجذب منطقة رأس الحكمة على المدى البعيد استثمارات تقدر بـ150 مليار دولار وفقاً لتصريحات المسؤولين المصريين

وفي الوقت ذاته، وعد المسؤولون الإماراتيون ببناء مدينة من الجيل التالي على مساحةٍ تتجاوز الـ170 كيلومتراً مربعاً أي ما يُعادل خُمس مساحة أبوظبي. ورأس الحكمة، هي قرية تابعة لمدينة مرسى مطروح. تقع رأس على الساحل الشمالي، وتمتد شواطئها من منطقة الضبعة في عند الكيلو 170 بطريق الساحل الشمالي الغربي وحتى الكيلو 220 بمدينة مطروح التي تبعد عنها 85 كم.

 

– من الممكن أن يبدأ بناء المدينة مطلع عام 2025

– ستأتي المدينة مزودة بأحياء سكنية ومراكز سياحية ومدارس وجامعات ومنطقة صناعية

– ستحتوي على حي مالي وآخر تجاري وميناء بحري ومطار

ويبدو كل هذا جيداً على الورق، لكنه ليس مقنعاً لكل المصريين؛ إذ سلّمت مصر جزيرتين في البحر الأحمر إلى السعودية عام 2016، ولا مفر لدى المصريين من المقارنة بين الحالتين، إذ يرى الكثيرون أن الإمارات تتعدى على الأراضي والسيادة المصرية في شبه جزيرة صغيرة على ساحل المتوسط.

 

بينما يرد المسؤولون في عزبة الانقلاب العسكرى  بأنهم تلقوا وعداً بالحصول على 35% من أرباح المشروع الإماراتي، فضلاً عن أن استثمار رأس الحكمة الإماراتي قد يساعد في استقرار سعر صرف الجنيه، وخلق فرص عمل، وجذب النقد الأجنبي، كما يمكن لمصر استغلال مشروع رأس الحكمة الضخم كأداة تفاوض خلال محادثات صندوق النقد الدولي، ما قد يساعدها في الحصول على خط ائتمان إضافي جديد.

 

وتعتمد الخطوة الأخيرة للسفيه السيسي على وجود الإماراتيين على الأرض في مصر، ليساعدوا البلاد في الخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية، ولهذا تُقدِّم الحكومة الصفقة الإماراتية على اعتبارها شريان حياة للاقتصاد المصري، ولا تمتلك مصر الكثير من فرص النمو النقدي بمفردها؛ إذ إن عاصمتها مكتظة بالسكان وتفتقر للكفاءة وتعيش مرحلة اضمحلال. وهذا يعني أن اقتطاع أجزاء من القاهرة لمشروعات بنية تحتية جديدة سيكون أغلى تكلفة من بناء مدن جديدة في أماكن أخرى.

مخاوف من المشروع الجديد

وعلى غرار مشروع العاصمة الإدارية الجديدة المشابه، يتطلع مشروع رأس الحكمة إلى التطوُّر ليُصبح واحداً من المراكز المالية والتجارية الرائدة في شرق المتوسط، ما قد يفتح نافذةً جديدة لتدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية على مصر، لكن ما تزال هناك الكثير من التحفظات.

 

لم يتضح ما إذا كان الميناء المنتظر في رأس الحكمة سيصلح للملاحة كموانئ المياه العميقة الذي يستقبل سفن البضائع الضخمة.

 

ولا شك أن الميناء البحري التجاري سيكون مفيداً للبحرية الإماراتية ومُكمِّلاً لمنشآتها في إريتريا، لكنه لن يكون عميقاً بما يكفي لاستقبال السفن التجارية أو حتى سفن البحرية الأكبر حجماً.

 

– تحويل الساحل الحالي إلى ميناء مياهٍ عميقة سيمثل عمليةً باهظةً ومُعقدة

– رأس الحكمة لا تتمتع ببنيةٍ تحتية كبيرة تربطها ببقية مصر وهذا يجعلها في عزلةٍ شديدة عن المراكز السكانية القريبة

أما على الجانب المشرق سنجد أن المدينة قريبة من احتياطيات النفط البحري المصرية المُكتشفة حديثاً، ما قد يساعد في استدامة التنمية الحضرية، وإذا كان هدف الإمارات يتمثل في تحويل المنطقة إلى مركز مالي، على غرار دبي، فلا بد من تطوير ميناء مياهٍ عميقة.

 

ومن الناحية الاقتصادية، تبحث أبوظبي عن طرق إضافية لتقليل اعتمادها على عائدات الهيدروكربونات منذ فترة، وعلى غرار العديد من المشروعات الجيوسياسية الإماراتية الأخرى، يُعد مشروع رأس الحكمة إحدى سبل توليد دخل منعزلٍ نسبياً عن سوق الهيدروكربونات العالمية.

 

لكن صفقةً بقيمة 35 مليار دولار تظل صفقةً ضخمة حتى بالمقاييس الإماراتية.

وهذا يعني أن أبوظبي تمنح القاهرة صفقة إنقاذٍ من الإفلاس فعلياً، ومع ذلك، قد تأتي الصفقة الإماراتية مع بعض الشروط، فمن المحتمل كما أشار بعض المصريين إلى أن رأس الحكمة تتمتع بدرجةٍ معينة من الاستقلال السياسي عن بقية مصر، ولا خلاف على أن الاقتصاد المصري معروف بصعوبة إصلاحه، إذ يسيطر الجيش على جزءٍ كبير منه ولا يترك مساحةً كبيرة لغيره، ولهذا فإن بناء مدينة جديدة في مصر سيحتاج إلى ما هو أكثر من بنايات فاخرة، بل يحتاج إلى قوانين وأفكار جديدة، وسكانٍ وحكامٍ جُدد.

 

ولن يمضي وقت طويل قبل إعلان رأس الحكمة منطقة اقتصادية خاصة وفصلها بالكامل عن بقية مصر، ويتعلق الأمر كله بالاستراتيجية الكبرى والأعمال بالنسبة للإماراتيين، ففي عام 2018، نشرت الإمارات قواتها في جزيرة سقطرى اليمنية، ثم ضمتها إليها بحكم الأمر الواقع، وقد أغضب هذا اليمن، لكنه لم يستطع فعل شيء حيال الأمر.

 

بينما تستطيع أبوظبي مراقبة معبرٍ حيوي للتجارة البحرية بفضل وجود منشآتها العسكرية عند ملتقى البحر الأحمر والمحيط الهندي.

 

تكتلات سياسية وعسكرية كبرى في شرق المتوسط

وسيحقق تطوير رأس الحكمة الغرض نفسه، لكن مع قناة السويس هذه المرة، وعند إتمام المشروع، ستتمتع الإمارات بنفوذ على كلا طرفي البحر الأحمر؛ ما سيمنحها ثقلاً سياسياً كبيراً في المنظور الكبير للمنطقة، وعلى كل حال ظهرت في الآونة الأخيرة أربعة تكتلات سياسية وعسكرية كبرى في شرق المتوسط والمحيط العربي، وهي مناطق كانت تحت الحكم العثماني.

 

– تتزعم مصر والإمارات التكتل الأول الذي يضم البحرين، والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، وقوات تحالف جنوب اليمن، والدعم السريع السوداني.

– تتمتع تركيا بعلاقات وطيدة مع أذربيجان، وقبرص الشمالية، وقطر، والمعارضة السورية، والحكومة الليبية المعترف بها دولياً.

– تُعد السعودية قوةً مستقلة ولديها علاقات مع الحكومة اليمنية الرسمية، والمسلحين الإثنيين في إيران والعراق، وكذلك علاقة وطيدة مع البحرين على غرار الإمارات.

– التكتل الرابع هو التكتل الإيراني ويضم وكلاء إيران في سوريا، وحزب الله، والحوثي في اليمن، وحماس، والميليشيات العراقية، والحكومة العراقية إلى حد ما.

وتسعى أبوظبي إلى تعزيز ارتباطها بالقاهرة عن طريق بناء رأس الحكمة على الساحل المصري حيث تعادل مساحة مصر 10 أضعاف مساحة الإمارات وتُعد القوة العسكرية الأكبر في المعادلة.

 

رأس الحكمة.. الأبعاد الجيوسياسية

ورغم ذلك، تتصرف الإمارات وكأنها الشريك الأكبر في العلاقة من بعض الجوانب حيث تتمتع بناتج محلي إجمالي أكبر رغم أن سكانها يُعادلون نحو عُشر سكان مصر، ويؤدي انعدام التوازن الاقتصادي هذا إلى منح الإمارات نفوذاً قوياً على أكثر من 110 ملايين مصر، علاوةً على أن مشروع رأس الحكمة يتمتع ببعد جيوسياسي.

 

  1. إذ إن بناء مدينة جديدة على ساحل المتوسط يجعل الإمارات في منافسة مباشرة مع مدينة نيوم السعودية قرب البحر الأحمر.

وقد فترت العلاقات بين أبوظبي والرياض خلال السنوات الأخيرة إذ يبدو أن الثنائي لا يستطيعان توفيق سياساتها معاً فيما يتعلق بسوريا واليمن، وكذلك فيما يتعلق بإمدادات النفط كعضوين كاملين في أوبك وليست حالة الجمود السعودية الإماراتية مفاجِئةً تماماً من المنظور الاستراتيجي الكبير، حيث عاش العالم العربي حالة الانقسام الخاصة به لعقود أثناء الحرب الباردة.

 

وشهدت المنطقة جبهةً تضم مصر مع حلفائها الاشتراكيين العلمانيين في العراق، وسوريا، وشمال اليمن، وليبيا لفترةٍ وجيزة وذلك في مواجهة السعوديين، والأردنيين، والعمانيين، وبقية الممالك الخليجية الأصغر، ومن حسن حظ الإمارات نسبياً أنه لم يكن لها وجود أثناء ذلك الخلاف الإقليمي، إذ ساءت الأوضاع بشدة، لكنها انتهت بانحدار النفوذ المصري.

 

 

وحظيت الإمارات بأفضلية ناتجة عن وصولها متأخرة إلى الساحة حيث لم تكن لديها أي التزامات مسبقة تجاه السعوديين أو المصريين. ومن الناحية المقابلة، كانت سرعة تطور الموقف الاستراتيجي لأبوظبي والقاهرة تُشير إلى أن هدفهما المشترك هو تطويق السعودية.

 

  1. يرتبط البُعد الجيوسياسي الثاني لرأس الحكمة بتركيا، التي تُعد القوة الاقتصادية والعسكرية الرائدة في شرق المتوسط وغرب آسيا.

إذ تمتلك تركيا عموماً ثاني أكبر جيوش حلف الناتو وتتحكم في مضيق البوسفور الذي يمنحها نفوذاً على البحر الأسود وعلى النشاط التجاري في نهر الدانوب، كما تتمتع تركيا بعلاقات استراتيجية مع أوروبا ومع الدول الناطقة بالتركية شرقاً.

ومع ذلك، تتطلع الإمارات ومصر إلى قلب موازين المعادلة؛ حيث تُطوِّق تركيا الإمارات في الخليج بتحالفها مع قطر.

لكن رأس الحكمة ستقلب الموازين وتُطوِّق تركيا في شرق المتوسط.

 

ورغم ذلك، ستكون المهمة شاقة؛ إذ إن إسطنبول وقلب تركيا النابض من حولها هي منطقة لا بديل لها. وإذا نجح مشروع رأس الحكمة وتحوّل إلى أصل جيوسياسي فسيمنح المشروع مقعداً أفضل للقاهرة وأبوظبي على الطاولة التركية -أي منطقة شرق المتوسط- في أفضل الأحوال.

 

  1. أما البُعد الجيوسياسي الثالث لرأس الحكمة فيتعلق بإيران حيث تقع رأس الحكمة على مسافةٍ قريبة من أصول وكلاء إيران في غزة وسوريا ولبنان.

وهذا يضع هؤلاء الوكلاء أمام فوهة البندقية. وتريد الإمارات ومصر موازنة نفوذ وكلاء إيران؛ لأنهم قلبوا موازين النفوذ في العالم العربي نحو الأسوأ، حيث يُسيطر الحوثيون على غالبية سكان اليمن ويعرقلون حركة المرور البحرية عبر البحر الأحمر والخليج العربي اليوم، بينما تمتلك مصر والإمارات الكثير من المصالح المعرضة للخطر هناك.

 

وفي الوقت ذاته، تنظر القاهرة وأبوظبي إلى حماس وحزب الله باعتبارهما حركات إسلاموية قادرة على الإطاحة بالحكومات المجاورة، ومن المفهوم أن القيادتين المصرية والإماراتية تتطلعان إلى تأمين نفسيهما من هذه التهديدات.  والسبيل الوحيد لفعل ذلك هو تحقيق تكافؤ الفرص مع إيران. ويُمكن القول إن نيوم السعودية والعاصمة الإدارية المصرية ومشروع رأس الحكمة كلها مولودة من رحم الفكرة نفسها في الواقع.

 

لقد أدت مشروعات السيسي الضخمة الباهظة الممولة بالقروض إلى إثقال الحكومة بديون متزايدة، ولم تعد قروض صندوق النقد الدولي كافيةً بعد الآن، بينما تتطلع الإمارات لإنقاذ مصر والارتقاء بنفسها لتُصبح الشريك الأكبر في التحالف.

 

ومن الممكن أن تعود رأس الحكمة، المدينة الضخمة الإماراتية الجديدة، بالنفع على الاقتصاد الكلي لمصر. إذ سيتوافد السياح مع الخدمات الراقية على المنطقة لكن الاقتصاد المصري يخضع لتحكُّم شديد يمنع وصول أي مكاسب إلى المواطن العادي. وعند النظر من هذه الزاوية، سنجد أن الإماراتيين يبنون نسختهم الخاصة من مدينة فرساي فعلياً، بحيث تكون مصممةً لنخبة منعزلة بدرجةٍ متزايدة ومن المستبعد أن يستفيد المصريون العاديون من هذا المشروع أو يقدروا أهميته.