كتب – كريم محمد:

قال تقرير لموقع معهد "كارنيجي" نشره موقع "صدي" التابع له الخميس 16 مارس أن "التكتيكات ثقيلة الوطأة التي تلجأ إليها سلطات السيسي في سيناء وأدّت إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين قد تتسبّب بتأجيج مشاعر العداء ضد حكومته".

 

التقرير أوضح أن الاعتماد المتزايد للجيش على الأسلحة الثقيلة وسلاح الجو والإجراءات المشدّدة ثقيلة الوطأة التي يلجأ إليها في سعيه للقضاء على تنظيم ولاية سيناء "يتسبب بارتفاع في أعداد الضحايا المدنيين وبتأجيج مشاعر العداء للحكومة".

 

إعدام 1234 في سيناء 

 

وبلغت عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في سيناء 1234 من أصل 1384 عملية في مختلف أنحاء مصر، بحسب مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، لتشكّل بذلك 89 في المئة من مجموع الحالات الموثَّقة.

 

ووقعت الغالبية الكبرى لهذه العمليات (1177) في محافظة شمال سيناء التي تضم بلدتَي العريش والشيخ زويد، فضلاً عن جبل الحلال الذي يشكّل بؤرة التمرد. 

 

وتسبّبت الهجمات الجوية بمقتل 451 شخصاً من بين الحالات المبلّغ عنها، في حين بلغت حصيلة عمليات الاغتيال 443 قتيلاً، والوفيات خلال العمليات الحكومية 368 حالة، ولقي 56 شخصاً مصرعهم في نيران المدفعية.

 

وتستحوذ المدفعية وسلاح الجو على حصة 36.6 في المئة من عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في مصر.

 

بالمقابل، بلغ مجموع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في العام 2015، 328 حالة في مختلف أنحاء البلاد، مع مصرع 43 شخصاً في الهجمات بواسطة سلاح الجو والمدفعية، أو ما نسبته 13.1 في المئة من مجموع الضحايا.

 

القمع يزيد الهجمات

 

وأدت حملة القمع التي تشتد وطأتها إلى زيادة عدد الهجمات التي تبنّاها تنظيم ولاية سيناء، بحسب كارنيجي، لتصل إلى 48 هجوماً شهرياً في الأشهر الستة الأولى من العام 2016، بالمقارنة مع 28 هجوماً شهرياً في الأشهر الستة السابقة. 

 

غير أن الزيادة في الهجمات الإرهابية ليست التفسير الوحيد والأبرز للارتفاع في حصيلة القتلى المدنيين الذين تقرّ بهم الدولة، بل إن العامل الأساسي هو تكتيكات الأرض المحروقة التي يعتمدها الجيش المصري. 

 

فعلى سبيل المثال، وبحسب تقارير محلية صدرت في سبتمبر 2015 تعرّضت قرى بأسرها رُبِط اسمها بالمقاتلين، للتدمير الكامل بواسطة القصف المكثّف، منها قرى التومة والمهدية والمقاطعة والجورة، وسواها. 

كذلك تتحدّث تقارير محلية عن إطلاق النار مباشرةً على منازل يسكنها مدنيون؛ وعندما يشتكي السكان إلى السلطات، يتّهمهم الجيش بأنهم يمتلكون روابط مع المقاتلين. 

 

علاوةً على ذلك، تشير تقارير محلية أخرى إلى شنّ سلاح الجو المصري هجمات على قرى في سيناء، ما أسفر عن تدمير عدد من المنازل وسقوط ضحايا مدنيين.

 

شكوك في قتلي ولاية سيناء

 

ومنذ انطلاقة "عملية حق الشهيد" الواسعة النطاق لمكافحة الإرهاب في أيلول/سبتمبر 2015، أشار الجيش المصري إلى مصرع 2529 مقاتلاً والقبض على 2481 آخرين اعتباراً من ديسمبر 2016. 

 

بيد أن أجهزة الاستخبارات الخارجية، ومنها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) والجيش الصهيوني أشارت في تقديرات نُشِرت في منتصف العام 2016، إلى أن عديد تنظيم ولاية سيناء يتراوح من بضع مئات المقاتلين إلى ألف مقاتل، أي أقل بكثير من أعداد القتلى المذكورة في التقارير، ما يشكك في مصداقيتها.

 

ويُعزى هذا التباين في الأرقام إلى شوائب في المعلومات الاستخباراتية، أو إلى تضخيم أعداد القتلى في صفوف المقاتلين بحيث تُضاف حصيلة الضحايا المدنيين إلى أعداد القتلى من المسلّحين.

 

ولدى الحكومة المصرية سوابق في مهاجمة المدنيين عن طريق الخطأ اعتقاداً منها بأنهم مقاتلون، حيث تؤكّد مصادر محلية في سيناء وقوع مثل هذه الحوادث، منها ادّعاء حدوث هجوم على قسم للشرطة في الشيخ زويد واستخدامه ذريعةً لتبرير سقوط قتلى مدنيين في سبتمبر 2013.

 

استهداف عشوائي للسكان

 

وتكشف عملية مكافحة التمرد في سيناء عن عشوائية مطّردة في استهداف السكان المحليين، بحسب التقرير. ففي 13 يناير الماضي، أُعدِم خمسة شبّان في سيناء على خلفية اتهامهم بالضلوع في هجوم على نقطة تفتيش للشرطة أسفر عن مقتل ثمانية شرطيين، فردّت القبائل البدوية المحلية حول مدينة العريش بشنّ حملة عصيان مدني محدودة النطاق بهدف تهدئة الرأي العام، معلنةً في 11 فبراير رفضها تسديد فواتير الماء والكهرباء.

 

وقالت عائلات الشبان الخمسة أن هؤلاء كانوا محتجزين لدى القوى الأمنية، وتحديداً جهاز أمن الدولة، عند وقوع الهجوم على نقطة التفتيش. 

 

وليست هذه المرة الأولى التي تُتَّهم فيها قوات الأمن المصرية بإعدام متّهمين يكونون قيد الحجز أثناء وقوع الجرائم المنسوبة إليهم، وقضية "عرب شركس" مثال بارز على ذلك، فقد أُعدِم ستة رجال بعد اتهامهم بالانتماء إلى تنظيم ولاية سيناء وتورّطهم في مقتل ستة جنود مارس 2014، على الرغم من وجود أدلة قوية بأنهم كانوا معتقلين وقت وقوع الهجوم.

 

وتشير حالات أخرى وثّقتها "منظمة سيناء لحقوق الإنسان"، وهي منظمة محلية غير حكومية، إلى إعدام مزيد من المدنيين خارج نطاق القانون، فقد أُعدِم أربعة مدنيين على الملأ بعد إلقاء القبض عليهم في 27 يناير 2017، ولا يزال الدافع مبهماً، وهناك أيضاً عدد من الحالات الموثَّقة عن مقتل مدنيين عند نقاط التفتيش الأمنية.

 

قتلوا بالأسلحة الثقيلة

 

وتزداد وتيرة الحوادث التي يُسجَّل فيها مقتل مدنيين في هجمات جوية وبواسطة الأسلحة الثقيلة فعلى سبيل المثال، في 20 يناير الماضي، أسفر هجوم بطائرة من دون طيار عن مصرع عشرة مدنيين كانوا يؤدّون صلاة الجمعة جنوب مدينة رفح.

 

وفي الشهر نفسه، سقطت قذيفة مدفعية في منطقة سكنية جنوب العريش، فكانت الحصيلة مقتل ثلاثة مدنيين بينهم طفلان.

 

القمع يزيد تمرد السكان

 

وتسبّب العنف الذي تُجيزه الدولة ضد المدنيين، بتأجيج غضب السكان من الجيش الذي أفضت ممارساته أيضاً إلى تدهور الظروف المعيشية عبر فرض حصار مستمر على السكان في شبه جزيرة سيناء.

 

ويؤدّي هذا القمع، مقروناً بسياسات التهميش الاقتصادي والاجتماعي التي تنتهجها الدولة، إلى استفحال التمرد. 

 

ونتيجةً لذلك، تحوَّل بعض التعاطف تجاه الجيش نحو المقاتلين الذين يُنظَر إليهم بصورة مطّردة بأنهم أداة للثأر.

 

وقد تجلّى ذلك من خلال استعراض المقاتلين لقوتهم، بما في ذلك عبر طرد العائلات القبطية على الملأ من منازلها في مدينة العريش؛ وقد عجزت الحكومة عن وقف عملية الطرد هذه، وإعادة اللاجئين إلى منازلهم، مما يشير إلى فقدان الحكومة المركزية السيطرة في سيناء، على الرغم من تباهيها بقتل آلاف المقاتلين وإعلانها مراراً وتكراراً عن تحقيق تقدّم في مكافحة التمرد.

 

وزار وزير الدفاع ووزير الخارجية شمال سيناء أمس في محاولة لرفع الروح المعنوية للقوات في اعقاب سلسلة عمليات وتفجيرات ادت لمقتل المزيد من قوات الجيش والشرطة مؤخرا اخرهم مفتش مباحث شمال سيناء.

كما فرض المقاتلون سيطرتهم على المدنيين علانية، عبر جباية الضرائب، وفرض ارتداء النقاب، وزيادة التعريفات على أنفاق التهريب في رفح، بحسب التقرير.

 

ويشدد التقرير في الختام على أن "مزيج القمع الشديد، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، والاعتماد المتزايد على استخدام سلاح الجو والأسلحة الثقيلة لم يؤدِّ إلى امتعاض السكان من السلطات وحسب، بل تبيّن عدم فعالية هذه السياسات في مقاومة الإرهاب إلى درجة كبيرة".

 

ويقول إنه بدلا من تعاون الحكومة المركزية مع القبائل المحلية تنظر بارتياب إليهم وأبدت تردّداً في تسليحهم في إطار حملة مكافحة الإرهاب.

 

ويقرر ان "الحكومة المصرية، قد أخفقت عبر تمسّكها بالأساليب العسكرية التقليدية، في سحق التمرد، بل ازداد هذا التمرد جرأة وزخماً ورفعَ من وتيرة هجماته" بسبب ممارساتها.

Facebook Comments