كتب- سيد توكل:

 

 لا أحد يتعلم من التاريخ حتى شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب، الذي لعب عن طيب خاطر دور الثور الأسود في الحكاية الشهيرة التي تُروى لأطفال الحضانة عن الخيانة وقبحها وقبح مرتكبها والثمن الذي سيدفعه في النهاية، وتذكر الطيب وقوفه سابقاً مع نظام المخلوع مبارك عضوا في لجنة سياسات الحزب الوطني المنحل، ثم مناهضته للثورة في بدايتها ومناهضته لحكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، ثم وقوفه خلف الجنرال عبد الفتاح السيسي في إعلان الانقلاب يوم 3 يوليو 2013، واليوم ربما وقف في شرفة مشيخة الأزهر التي أعلن العسكر سقوطها في مشهد درامي يشبه إعلان أتاتورك سقوط الخلافة العثمانية التي امتدت قرون، ويردد "الطيب" بحسرة المقولة الشهيرة :" أكلت يوم أكل العسكر الثورة"! 

 

قانون العسكر لذبح الأزهر يُقلّص صلاحيات شيخه، ويزيد من سلطات الجنرال السفيه على المؤسسة الدينية الإسلامية الأعرق في العالم، المفارقة أن القانون قدّمه النائب في برلمان الدم محمد أبو حامد، الشهير بأبو خرطوش والمُقرّب من دوائر الكنيسة إلى حد الظن بأنه ارتد وتنصر، وهو في نفس الوقت عضو في ائتلاف "دعم مصر" صاحب الأغلبية البرلمانية، والمرتبط مباشرة بالمخابرات الحربية التي يديرها عبد الفتاح السيسي، ويتزامن هذا كله مع زيارة بابا الفاتيكان للقاهرة وإمامته لقداس يبارك انقلاب العسكر.

 

هل ينفذ السيسي مخطط الكنيسة؟

 

مشروع قرار "ذبح الأزهر" وقع عليه ما لا يقل عن 135 نائباً، ويتعلّق بتعديل القانون رقم 103 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، وطالَ التعديل مجمل مواد القانون الذي جاء في ثمانية أبواب و125 مادة.

 

وأهمها تحديد مدة الإمام الأكبر بـ 12 سنة كحد أقصى، فصل الكليات العلمية ودخولها دون تمييز ديني، وقف إنشاء المعاهد والإبقاء على 3000 فقط، تلك أبرز بنود القانون، وفقاً لما أوردته صحيفة "اليوم السابع" المقربة من السلطة.

 

مشروع القانون أدخل كذلك تعديلات جوهرية على المواد المتعلقة بتعيين أعضاء هيئة كبار العلماء، يتضمن تعيين علمانيين بالهيئة وكوتة نسائية يعينها المجلس القومي للمرأة، كما استحدث مادة لمحاسبة شيخ الأزهر، تنصُّ على عقوبات متدرجة تبدأ باللوم وتنتهي بالطرد من المشيخة.

 

وبرأي مراقبين يبدو أن قرار "ذبح الأزهر" تمّ اتخاذه ما بين المجلس العسكري والكنيسة، بـ "قصقصة ريش" الأزهر، بعد تحميله تبعات الهجمات التي دبرها الانقلاب واستهدفت الكنائس في مصر، خلال الفترة الماضية، والتي بدأت بتفجير انتحاري داخل الكنيسة "البطرسية" بالقاهرة، في ديسمبر 2016، ثم تفجيرين بالكنيسة "المرقسية" بالإسكندرية، وكنيسة "مارجرجس" بطنطا، أسفرت عن مقتل العشرات وإصابة المئات.

 

من يحمي أزهر المسلمين؟

 

ومنذ تلك التفجيرات بات علماء الأزهر أمام واجب دفاعي عن مؤسستهم المتهمة على ألسنة كثير من الإعلاميين والكتّاب برعاية الإرهاب وتصاعد مطالبهم إزاءه بضرورة "تعديل مناهج الأزهر المنتجة للإرهابيين" حسب تعبيرهم.

 

وتأتي هذه الاتهامات رغم كل ما أبدته قيادات الأزهر من إخلاص مع الانقلاب طوال السنوات الأربع الماضية وسير في ركبها ومباركة لخطوات السفيه السيسي منذ انقلاب 2013.

 

وبعد شهور من تولّي الطيب مشيخة الأزهر 19 مارس 2010، اندلعتْ ثورة 25 يناير التي أطاحت بالمخلوع مبارك، فبادَر "الطيب" الذي كان عضواً في أمانة السياسات بالحزب الوطني المنحل، بإيعاز من العسكر بتغيير القانون الذي يُعطي رئيس الجمهورية حقّ تعيين شيخ الأزهر؛ لينزع هذا الحق عن الرئيس المنتخب محمد مرسي، ويُعطيه لهيئة كبار العلماء ويُغلّف بالتالي منصبه بحصانة.

 

"الطيب" الذي سعى للحصول على موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة وإصدار القرار بالجريدة الرسمية قبل يوم واحد من انعقاد مجلس الشعب الذي حصَدَ الإسلاميين (الإخوان والسلفيين) 70% من مقاعده، دخل لاحقاً بموجب هذه الحصانة في مناطحة الرئيس محمد مرسي، ولم يذهب لحفل تنصيبه الحكم بجامعة القاهرة، ولا لأغلب المناسبات الرسمية، مستنداً إلى توجيهات المجلس العسكري.

الطيب ملطخ بالخزي والعار

 

حرص "الطيب" على حضور إعلان الانقلاب في 3 يوليو 2013 الذي ذبح العسكر فيه الثورة وانقلبوا على الرئيس مرسي، وجاء في طائرة عسكرية من الأقصر، وقال: "فضّلتُ أن أنضمّ لغالبية الشعب، ولو تخلّفتُ كنت سأُسجّل في سجلّ الخزي والعار"!.

 

الآن وبعد سلسلة خلافات بين "الطيب" و"السيسي" بدأت ببيان شيخ الأزهر 14 أغسطس 2013 المُحذّر من استخدام العنف وإراقة الدماء، على خلفية مذبحتيْ رابعة والنهضة، ودعم السيسي لمحمد مختار جمعة وزير الأوقاف في موضوع الخطبة المكتوبة، ثم تجديد الخطاب الديني والطلاق الشفوي، بدأ السيسي في ذبح الثور "الطيب"، بل وقد يحاسبه بموجب قانون جديد قدّمه مؤيدوه في برلمان الدم.

 

من جانبه، يستنكر وكيل وزارة الأوقاف السابق الشيخ سلامة عبد القوي الهجوم على الأزهر، رغم ما يؤكده من اختلاف مع شيخ الأزهر أحمد الطيب في مساندته للانقلاب العسكري، وهنا لا بد من التفرقة بين موقف الطيب كشخص وبين الأزهر كمؤسسة، فلم تكن مواقف كثير من الأزهريين لمناهضة الانقلاب ونقد الطيب إلا من أجل الحفاظ على استقلال الأزهر، وفق قوله.

 

الذبح بدأ في 1952!

 

وقال "عبد القوي" في تصريحات صحفية إن "مخطط هدم الأزهر بدأ مع الحكم العسكري لمصر بانقلاب عام 1952، الذي قلص الأزهر وانتزع صلاحياته واغتصب أوقافه، وفقا لتصريحات الطيب نفسه لإحدى الفضائيات".

 

وأوضح أن "الأزهر تصدى لكل محتل، فمناهجه بها آيات وأحاديث واضحة تحض على الجهاد في سبيل الله، وهذا ما لا ترغب فيه أميركا ولا الكيان الصهيوني، بل يريدون إسلاما على هواهم".

 

واعتبر أنه "لا يمكن الفصل بين زيارة السيسي الأخيرة لأميركا ثم التفجيرات، وبعدها مباشرة الهجوم الشرس على الأزهر لا على شخص الطيب، رغم ما قدمه من مباركة لخطوات السلطة منذ الانقلاب".

 

وأكد أنه "قريبا سيتم تعديل في المناهج بحذف كل آيات وأحاديث الجهاد واليهود والنصارى وتقليص صلاحيات شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء، وبالتدريج سيتحول الأزهر إلى مجرد مزار تاريخي مثل قلعة محمد علي باشا، فالعسكريون لا يريدون أندادا لهم بل تابعين".

 

هل يحمي الفاتيكان الأزهر؟

 

من جانبه، قال صبري عبادة؛ وكيل وزارة الأوقاف المؤيد للانقلاب العسكري، إن "الأزهر الشريف، بمكانته العالمية، أثبت أنه قادر على صناعة السلام في العالم لما يتمتع به من تأثير وحضور"، معتبرا أن وجود بابا الفاتيكان في مصر وزيارته للأزهر ومشاركته في مؤتمر السلام "هو أكبر دليل على ما أهمية يقوم به الأزهر من نشر لتعاليم الدين الإسلامي الوسطية ونبذ التطرف والعنف، وهذا ما يفهمه الفاتيكان وأي دول العالم".

 

ورأى عبادة، في تصريحات صحفية، أن "هناك فئة من العلمانيين، من الكارهين للإسلام والكارهين للشريعة الإسلامية"، مضيفا: "مرة يطالبون بتنقيح التراث، مثل صحيح البخاري، بدعاوى شاذة، ومرة يطالبون الأزهر بتكفير داعش، لكنهم في الحقيقة لا يريدون سوى هدم التراث الإسلامي وهدم الأزهر عبر تحميله مسؤولية الإرهاب وجره إلى مشكلات ليس له علاقة بها"، متحاشياً الإشارة إلى أن هذه الفئة يحركها العسكر كما حرك من قبل الشيخ أحمد الطيب!.

 

الزلزال الكبير هو المادة (41) في قانون ذبح الأزهر، والتي نصّت على أنه "يتم فصل الكليات العلمية والأدبية عن جامعة الأزهر، وتتشكّل منها جامعة جديدة هي جامعة الإمام "محمد عبده" للدراسات العلمية تخضع لإشراف المجلس الأعلى للجامعات، ويُسمح فيها بدخول الطلبة والطالبات بدون تمييز ديني".

 

هذه المادة ستكون باباً لدخول المسيحيين بل واليهود من خارج مصر إلى جامعة الأزهر، ومن ثم إمكانية انضمامهم بسهولة إلى هيئة كبار العلماء، والمجلس الأعلى للأزهر، وفقاً لقواعد الترشيح والتعيين الجديدة، الواردة في المادة (18)!.

 

وستكون كليات الأزهر العلمية سمك لبن تمر هندي ومختلطة بين البنين والبنات، ولن يكون لها علاقة بالأزهر من الأساس، والذي سيكون فقط عبارة عن بضعة كليات شرعية وظيفتها أن تردد خلف أوامر الجنرال السفيه "حلال ..حلال ..حلال"، فهل سيَصمُت الأزهر وشيخه؟.. لـ"نجلس على الحيطة ونسمع الزيطة" كما يقول المثل المصري الشهير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments