حرمان القضاة الجدد من وظائفهم بأمر الكلية الحربية…مهزلة وذبح لاستقلال القضاء لصالح العساكر

- ‎فيتقارير

 

في تعد صارخ على استقلال القضاء المصري،  وعسكرته وإخضاعه لبيادة العسكر، حرمت إدارة الكلية الحربية عددا كبيرا من القضاة الجدد، الذين صدر لهم بالفعل قرارا جمهوريا بالتعيين في السلك القضائي، بحجة عدم اجتيازهم التدريبات العسكرية والرياضية التي تفرضها الأكاديمية العسكرية، على كل من يعين في الجهاز الإداري للدولة من أطباء ومعلمين وقضاة وموظفين بهيئة النقل وغيرها.

وهو أمر كارثي، يطعن في استقلال القضاء المصري، الذي يعد علامة مهمة في الساحة القضائية العربية والإقليمية، إذ يجعل الأمر بيد الشاويشية وصف الضباط والضباط الحاصلين على أنصاف تعليم أو 50% بالثانوية العامة، ليتحكموا في أعلى المناصب بالدولة المصرية.

وقبل أيام، كشف قضاة عن رسوب عشرات المعينين في وظيفتي معاون نيابة عامة، دفعة 2021، ومندوب مساعد بمجلس الدولة، دفعة 2020، في اجتياز اختبارات الكلية الحربية المؤهِلة لحضور دورة تدريبية بها تسبق تسلمهم العمل لأسباب تتعلق بزيادة وزنهم وعدم لياقتهم بدنيا.

وقال قضاة بمحكمة النقض ومجلس الدولة ، في تصريحات صحفية: إن “الحربية منحت الراسبين من المعينين الجدد بالجهتين فرصة ثانية لإعادة الاختبار، قبل رفع توصية إلى رئيس الجمهورية لإلغاء قرار تعيينهم التي صدرت بالفعل، على أن تكون اختبارات الكلية الحربية سابقة على إصدار الرئيس قراراته الخاصة بالتعيين في الجهات والهيئات القضائية بداية من الدفعات المقبلة”.

عدد كبير من القضاه اعتبروا الأمر كارثة قضائية وتشويه غير قابل للإصلاح، في المكون القضائي المصري يُنهي الحديث عن استقلال القضاة.

 

وكانت الأكاديمية العسكرية التابعة للكلية الحربية قد احتفلت، في 13 يونيو الماضي، بتخرج الدورة الأولى للدفعات الجديدة من المعينين بالهيئات القضائية بعد إتمام دورتهم التدريبية  بالأكاديمية، ويعد هذا أول إعلان رسمي لانضمام القضاة إلى باقي الوظائف المدنية التي يخضع المرشحين لها لدورات في الكلية الحربية تختبر أهليتهم للتعيين على غرار ما تم مع المعلمين والمعلمات، وأئمة الأوقاف والدبلوماسيين وغيرهم ممن عينوا في الحكومة، منذ أبريل 2023.

 

يشار إلى أن أمر اخضاع القضاة للدورة العسكرية، لاقى اعتراضات عديدة من الهيئات القضائية، منذ منتصف العام الماضي، ولكن حسم الأمر، بداية العام الجاري، لصالح الكلية الحربية، بحسب تصريحات اعلامية لأحد نواب رئيس محكمة النقض، لصحف مصرية، رافضا الكشف عن هويته.

 

وكان أمين عام مجلس الوزراء قد أرسل كتابا دوريا إلى الوزراء، نهاية أبريل 2023، يتضمن توجيها رئاسيا بإصدار تعليمات لمؤسسات الدولة تُلزم الراغبين/ات في التعيين بالحكومة بالحصول على دورة تأهيل داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر كشرط أساسي للتعيين، واعتبار شهادة الحصول على التدريب ضمن مسوغات التعيين.

 

واعترض نادي قضاة مصر وقتها على القرار، وذلك في خطاب أرسله رئيس النادي، المستشار محمد عبد المحسن، إلى مجلس القضاء الأعلى، في مايو 2023،  قال فيه: إنه “أمر غير متصور بالنسبة للمرشحين للعمل بالقضاء، لاستقلال مجلس القضاء الأعلى الموقر دون غيره وفقا للقانون بوضع الضوابط اللازمة لشغل تلك الوظيفة باعتباره الأجدر على اختيار من يتحمل تلك الأمانة بما يتعين معه ألّا يشاركه أو ينازعه أحد في هذا الاختصاص الماس باستقلال القضاء” وأشار رئيس نادي قضاة مصر إلى أن معاونين النيابة الجدد ينتظمون قبل بدء عملهم بمركز تدريب النيابة العامة، مُطالبا مجلس القضاء الأعلى باتخاذ ما يراه مناسبا في هذا الأمر.

وفي النهاية، توافقت الجهات والهيئات القضائية، أوائل العام الجاري، على عرض من تختارهم للتعيين بها على الكلية الحربية لاختبار مدى لياقتهم صحيا ورياضيا ونفسيا للتعيين كخطوة سابقة لعرض قوائم المعينين بالجهات والهيئات القضائية المختلفة على رئيس الجمهورية للتصديق عليها، وذلك بعدما أصرت وزارة العدل والجهات الأمنية والسيادية المسؤولة عن تعيينات القضاة على تلك الخطوة بوصفها توجيهًا رئاسيًا لابد أن يسري على الجميع.

 

مهزلة تخالف القوانين والمواثيق الدولية

وفي الوقت الذي يتوعد فيه النظام والسلطة التنفيذية بعدم إصدار رئيس الجمهورية قرار تعيين القضاة الجدد ومعاوني النيابة إلا بعد توصية وزارة الدفاع، تثور ثائرة القضاة والقانونيين والحقوقيين، لما يعدون من تدمير للعدالة والقانون بمصر.

 

 

رئيس مؤسسة دعم العدالة، ناصر أمين، اعتبر القرار تدميرا لمفهوم السلطة القضائية ودورها في البلاد، مشددا، في تصريحات إعلامية، على أن تطبيق معايير اختيار وتعيين المقاتلين من ضباط القوات المسلحة على القضاة هو تشويه غير قابل للإصلاح في المنظومة القضائية، والتي لا يجب أن تخضع لأي معايير سوى الكفاءة القانونية، مشددًا على أن إعادة اختبار المعينين في الجهات والهيئات القضائية أمام الكلية الحربية هو قرار باطل بطلانا مطلقا، وكذلك جميع الآثار المترتبة عليه، طبقا له.

 

وأوضح أمين أنه من غير المتصور دستورا أو قانونا أن يتم استبعاد قاضي من عمله، بسبب عدم قدرته على أداء قفزة الثقة أو زيادة وزنه أو غيرها من القدرات البدنية التي تميز المقاتلين أو الرياضيين عن غيرهم، مع تجاهل معيار الكفاءة القانونية اللازم لعمله.

 

وشدد رئيس مؤسسة دعم العدالة على أن تدريب المعينين الجدد من القضاة في الأكاديمية العسكرية لمدة ستة أشهر هو أمر تحيطه الشبهات ويتضمن الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات من ناحية، والمساس باستقلال السلطة القضائية من ناحية أخرى، لافتا إلى أن مبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء ذهبت إلى حد عدم جواز تدخل حتى وزارة العدل في شؤون القضاء والقضاة، بدءا من تعيينهم وتأهيلهم وتدريبهم وأعمالهم ونقلهم وانتدابهم، وأكدت على ضرورة أن ينظم القضاة أنفسهم فيما يخصهم، إما عن طريق جمعياتهم العمومية الخاصة بكل محكمة أو عن طريق المجلس الأعلى للهيئات القضائية.

ويعد التعدي على استقلال القضاء  والتحكم في التعيين به، فرصة مواتية للتدخلات العسكرية  والرشاوى والفساد والمحسوبيات المنتشرة بقوة في أوساط العساكر، وبذلك يصبح مصير العدالة في يد أنصاف متعلمين، يدمرون العدل والقانون في مصر، كما دمروا الاقتصاد والسياسة وغيرها.