على صانع القرار في مصر أن يتأمل كثيراً الأرقام الصادرة قبل أيام عن البنك المركزي المصري وتتعلق بنتائج الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2018-2019 والتي تغطي الفترة من يوليو/تموز 2018 وحتى مارس/آذار 2019، ذلك لأنها تحتوي على أرقام مقلقة خاصة المتعلقة بتراجع الاستثمارات الأجنبية وتحويلات العاملين في الخارج والصادرات السلعية غير البترولية، وهي القطاعات التي تشكل إلى جانب السياحة وقناة السويس الموارد الخمسة الرئيسية لإيرادات النقد الأجنبي.

الاستثمارات الأجنبية
في ما يتعلق بالمؤشر الأول والأبرز، فهو يتعلق بتراجع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة تصل إلى 22.8%، ليصبح 4.6 مليارات دولار مقابل 6.02 مليارات في الفترة المقابلة من العام السابق.

كما هبط الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد غير النفطي في الأشهر الثلاثة الأولى من 2019 إلى أدنى مستوى في خمس سنوات على الأقل، حيث بلغ نحو 400 مليون دولار في الربع الأول من العام الجاري، مقابل 950 مليون دولار في الربع الأخير من العام 2018، و720 مليون دولار في الربع الأول من العام 2018.

وهذه الأرقام المتعلقة بالتراجع الملحوظ في قيمة الاستثمارات الأجنبية يجب أن تكون مقلقة لصانع القرار السياسي قبل الاقتصادي، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أمرين: الأول أن الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة، سواء النفط أو الغاز، باتت تقود الاستثمارات المباشرة في مصر بشكل أساسي، وهذه الاستثمارات لا توفر فرص عمل ولا تحد من بطالة وعائدها الرئيسي يعود للمستثمر الأجنبي.

أما الاعتبار الثاني فهو أن الاستثمارات الخاصة المباشرة تقود القطاع الإنتاجي في البلاد، خاصة الصناعي، وهي المولد الرئيسي لفرص التوظيف في ظل توقف الحكومة عن توفير فرص عمل بالجهاز الإداري للدولة، بل وإعداد خطة لتقليص عدد موظفي الدولة حسب اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وهنا يجب على الحكومة أن تبحث عن سر تراجع حجم الاستثمارات المباشرة رغم الحديث عن استقرار سياسي وأمني ملحوظ، وإدخال تعديلات على قانون الاستثمار تمنح مزايا إضافية للمستثمرين الأجانب، إضافة إلى استقرار سوق الصرف الأجنبي وتراجع الدولار مقابل الجنيه وتوافر الائتمان المصرفي وعدم وجود مشكل في تحويل الأرباح الرأسمالية إلى الخارج.

كما أن على الحكومة أن تدرك أن الزيادات المستمرة في الأسعار، سواء السلع أو الطاقة، رفعت من كلفة الإنتاج داخل الدولة، وقلصت من الانفاق الاستهلاكي والقدرة الشرائية للمواطن، وهنا قد يجد المستثمر الأجنبي أن الحوافز الممنوحة له تتراجع أمام الكلفة العالية للإنتاج والركود في الأسواق.

تحويلات المغتربين
المؤشر الثاني المقلق يتعلق بتراجع تحويلات المصريين في الخارج إلى 18.2 مليار دولار من 19.4 مليار دولار وبانخفاض 6.1%، وهذا التراجع يرتبط بأمرين؛ الأول استمرار تراجع الدولار مقابل الجنيه، وهو ما أدى إلى عزوف بعض المغتربين عن تحويل مدخراتهم للداخل والتأني لحين عودة العملة الأميركية للارتفاع مرة أخرى.

والأمر الثاني يتعلق بعودة آلاف المصريين من منطقة الخليج خاصة من السعودية بسبب إجراءات التقشف التي تطبقها هذه الدول، وزيادة الأسعار والرسوم بها، وتطبيق سياسات توطين الوظائف وإحلال العمالة الوطنية بالوافدة مثل السعودة.

وهذا التراجع في اعداد المصريين بدول الخليج قد يتواصل خلال الفترة المقبلة في ظل توقعات بتراجع سعر النفط، المصدر الرئيسي لموازنات هذه الدول، ولذا على الحكومة أن تبحث عن أسواق جديدة لكوادرها البشرية خاصة مع زيادة عدد السكان وعدم توافر فرص عمل في الداخل، والحل قد يكون في الجارة ليبيا بشرط إحلال الأمن وعودة الاستقرار السياسي إليها.
كما أن عليها إعادة فتح ملف المصانع المغلقة وهو الملف المهمل منذ سنوات.

الصادرات السلعية

أما المؤشر الثالث فيتعلق بتراجع حصيلة الصادرات السلعية غير البترولية بمعدل 3.1% لتسجل 12.4 مليار دولار، مقابل 12.8 مليار دولار، صحيح أن البنك المركزي أعلن عن ارتفاع حصيلة الصادرات السلعية بمعدل 11.2%، خلال الفترة من يوليو إلى مارس 2018/2019، لتسجل 20.9 مليار دولار مقابل 18.8 مليار دولار، خلال الفترة المقابلة من العام المالي الماضي.

لكن تظل الصادرات السلعية غير البترولية هي رقم مهم في حصيلة الصادرات الكلية، ولذا يجب أن تحظى بأهمية كبرى خاصة مع زيادة الواردات، حيث سجلت المدفوعات عن الواردات السلعية ارتفاعًا بنسبة 8.2% لتصل إلى 50.7 مليار دولار، خلال الفترة من يوليو إلى مارس 2018/2019، مقابل 46.6 مليار دولار خلال الفترة المقابلة، وهو ما يستنزف المزيد من موارد البلاد من النقد الأجنبي.

أضف للمؤشرات السابقة مؤشرا أخر يتعلق بعجز ميزان المعاملات الجارية الذي زاد إلى 7.6 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2018-2019 مقارنة مع 5.47 مليار دولار قبل عام.

والملفت أن هذا التراجع في المؤشرات السابقة يحدث في الوقت الذي أكدت فيه الحكومة أن من أسباب قرار تعويم الجنيه المصري في شهر نوفمبر 2016 هو العمل على تنشيط إيرادات البلاد خاصة من قطاعات التصدير والاستثمارات الخارجية وتحويلات المغتربين.

قفزة السياحة
في مقابل هذه المؤشرات المقلقة فإن هناك مؤشرات إيجابية تحققت في التسعة شهور الأولى من العام 2018-2019 منها قفزة إيرادات السياحة، أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة، التي زادت بنسبة 29.5% لتصل إلى 9.4 مليار دولار مقابل 7.25 مليار دولار، أيضا مواصلة الاحتياطيات الأجنبية ارتفاعها لتصل إلى 44.351 مليار دولار في نهاية يونيو/ حزيران رغم سداد البنك المركزي ديوناً خارجية بقيمة 2.1 مليار دولار مقابل 1.9 مليار دولار في الفترة المقابلة.

Facebook Comments