في سياق هذه الحرب التجارية بين كبار القوى الاقتصادية في العالم، يُطرح سؤال مهم: ما تأثير هذه الحرب على المستهلك العربي؟
فقد بدأت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وعدد من الدول الكبرى، والتي تهدف من خلالها واشنطن إلى تقليص العجز التجاري وتعزيز المنتج الأميركي وفق خطط الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن يُعتقد أن الولايات المتحدة قد تواجه خسائر في النهاية نتيجة هذه السياسة.
وتعتمد اقتصادات الدول العربية بشكل رئيسي على استيراد المعدات والآلات من الخارج، سواء كانت مخصصة للقطاع الطبي أو العسكري أو الصناعي أو الزراعي. كما تعتمد على استيراد احتياجاتها الغذائية بنسب متفاوتة حسب كل دولة وظروفها.
لذلك، سيتأثر الاقتصاد العربي بشكل مباشر أو غير مباشر من هذه الحرب التجارية ومن التعريفات الجمركية المفروضة. ويمكن القول إن الحرب التجارية والرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والدول الكبرى سيكون لها تأثيرات سلبية متعددة الأبعاد على الاقتصادات العربية وعلى المستهلك العربي، بما في ذلك العديد من التداعيات التي قد تطال القطاعات المختلفة.
1- ارتفاع في أسعار السلع والمنتجات
على هذا المستوى سيتأثر المستهلك العربي في نواح مختلفة بشكل مباشر وغير مباشر، ومن المهم توضيحها:
عند فرض تعريفات جمركية بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك على سلع مختلفة، سيترتب على ذلك زيادة في الأسعار في كلا الاقتصادين. على سبيل المثال، تعتمد شركات السيارات الأميركية على التصنيع في المكسيك نظرًا لانخفاض تكاليف العمالة والمواد الخام. وعند فرض التعريفات، ستؤدي تلك الزيادة في التكاليف إلى رفع الأسعار على المستوردين بما في ذلك المستوردون العرب، الذين سيضطرون في النهاية إلى نقل هذه التكاليف إلى المستهلك العربي، مما يزيد العبء المالي عليه.
تعتمد العديد من الدول العربية اعتمادا كبيرا على الواردات من الصين. وإذا فرضت بكين تعريفات جمركية على السلع أو المواد الخام الأميركية، فستؤدي الزيادة في تكاليف السلع الصينية التي تحتوي على مكونات أميركية إلى ارتفاع أسعارها. وبذلك، سترتفع الأسعار من المنتج الرئيسي إلى المستورد، وبالتالي إلى المستهلك العربي.
بسبب الاضطرابات التي ستسببها الحرب التجارية في سلاسل الإمداد العالمية، قد يضطر المنتجون إلى تغيير مصادر المواد الخام نتيجة زيادة تكاليفها متأثرة بالرسوم الجمركية. وهذا قد يؤدي إلى تعطيل الإنتاج ونقص في السلع. ومع استمرار الطلب عليها، سيرتفع سعر المنتج النهائي، مما يزيد من الأعباء المالية على المستوردين العرب، وبالتالي يؤدي إلى زيادة الأسعار على المستهلك في المنطقة.
2– زيادة تكاليف المعيشة وارتفاع التضخم
عندما ترتفع تكاليف المواد الخام والسلع المستوردة نتيجة للتعريفات الجمركية أو تقلبات الأسعار العالمية، فسيتعين على الشركات زيادة أسعار خدماتها ومنتجاتها للحفاظ على هوامش الربح.
وهذا الارتفاع في الأسعار سيؤدي إلى جعل الخدمات والسلع أكثر تكلفة بالنسبة للمستهلك العربي. وبالتالي، سيعاني المستهلك من زيادة تكاليف المعيشة، مما يساهم في ارتفاع معدلات التضخم في الدول العربية. وهذا الأمر يُعرف بمصطلح “استيراد التضخم” من الخارج، حيث تؤثر التغيرات الاقتصادية العالمية في الأسعار على الاقتصادات المحلية وتزيد من معاناة المواطنين في البلدان العربية.
3- رفع أسعار الفائدة
زيادة التعريفات الجمركية داخل الولايات المتحدة ستؤدي إلى رفع الأسعار، مما سيؤثر بشكل مباشر على مستويات التضخم في الاقتصاد الأميركي.
وهذا الارتفاع قد يدفع الفدرالي الأميركي إلى اتخاذ قرارات اقتصادية مؤثرة مثل تباطؤ عمليات خفض الفائدة التي كان قد بدأها سابقًا. وإذا استمرت مستويات التضخم في الارتفاع، قد يضطر الفدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى للحد من التضخم، مما سيكون له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي.
وبالنسبة للبنوك المركزية العربية التي تعتمد عملتها بشكل جزئي على الدولار، فإن رفع الفائدة من قبل الفدرالي الأميركي سيضعها أمام خيار صعب.
وإذا تقرر رفع الفائدة في الولايات المتحدة، قد تضطر بعض البنوك المركزية العربية إلى اتخاذ خطوات مماثلة لرفع أسعار الفائدة في دولها بهدف الحفاظ على استقرار العملة المحلية وجذب الاستثمارات.
ورفع الفائدة مرة أخرى سيكون له تأثير سلبي على النمو الاقتصادي، حيث سيزيد من تكلفة الاقتراض، مما قد يثبط من نشاط الاستثمار والاستهلاك داخل الاقتصادات العربية.
وهذا الوضع سيضع تحديات أمام السياسات الاقتصادية في المنطقة ويزيد من صعوبة تحقيق النمو المستدام.
الحرب التجارية ستدفع إلى ارتفاع الأسعار مما سيؤدي لجعل الخدمات والسلع أكثر تكلفة بالنسبة للمستهلك العربي
4- تباطؤ اقتصادي وضعف في الاستهلاك
ستتأثر الاقتصادات التي تعتمد على تصدير سلعها ومنتجاتها بارتفاع الأسعار كما أسلفنا في الفقرات السابقة، مما سوف يؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك، وبالتبعية إلى تباطؤ نمو دخل الشركات العالمية، الأمر الذي سينعكس سلبا على هذه الاقتصادات وينتج عنه تباطؤ اقتصادي عالمي.
5- انخفاض أسعار الطاقة
كما تم ذكره سابقًا، فإن تأثير التعريفات الجمركية والحرب التجارية سيؤديان إلى تباطؤ اقتصادي في العديد من الشركات والدول المتأثرة، مما سينعكس بدوره على القطاع الصناعي ويؤدي إلى انخفاض الطلب على الطاقة.
والدول التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة، التي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات في موازناتها، ستكون الأكثر تأثرًا بهذا التباطؤ.
وسيؤثر الطلب على الطاقة بشكل كبير على إيرادات هذه الدول، مما يضع ضغطا على ميزانياتها ويسبب تأثيرًا سلبيا على خططها الاقتصادية ومستويات الإنفاق الحكومي.
وفي حال استمرار هذا التراجع، قد تضطر هذه الدول إلى اتخاذ تدابير تقشفية مثل تقليص الإنفاق الحكومي على المشاريع التنموية والخدمات العامة. علاوة على ذلك، قد تلجأ إلى زيادة الضرائب لتعويض النقص في الإيرادات، مما يفرض عبئًا إضافيا على المواطنين والشركات.
على جانب آخر، من العوامل التي ستزيد الضغط على أسعار الطاقة هو الضغط المستمر من الرئيس الأميركي على منظمة أوبك لخفض أسعار النفط بهدف الحد من مستويات التضخم وتهدئة الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، خاصة مع تأثير ارتفاع الأسعار على المواطن الأميركي.
وفي اجتماعها الأخير، رفضت أوبك هذا الضغط، في حين يتوقع أن يواصل الرئيس الأميركي ممارسة هذا الضغط. وهذا الوضع سيؤثر سلبًا على اقتصادات الدول المنتجة للطاقة، حيث سيؤدي إلى تراجع إيراداتها في حال انخفاض أسعار النفط بسبب هذه الضغوط، مما سيزيد من تحدياتها الاقتصادية ويعمق الأعباء المالية لهذه الدول.
6- التأثير السلبي على القطاع الصناعي العالمي والعربي
تشكل كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا نحو 51% من مستويات التصنيع العالمية، مما يعكس الدور الكبير الذي تلعبه هذه الدول في الاقتصاد العالمي.
وحتى كتابة هذا المقال، لم تندلع حرب تجارية بين الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة من جهة أخرى. لكن مع استمرار الحرب التجارية أو توسعها، قد يكون لهذا التوسع ظلال سلبية على القطاع الصناعي واللوجيستي في الدول العربية.
رغم أن بعض الدول العربية تعمل ضمن المنظومة الصناعية العالمية وتسعى جاهدة للعثور على مكان لها في سلاسل الإمداد العالمية، فإن أي اضطراب في هذه السلاسل نتيجة للحروب التجارية قد يؤثر بشكل مباشر على قدرة هذه الدول على الوصول إلى المواد الخام والمعدات اللازمة لتطوير صناعاتها. وهذا سيؤدي إلى زيادة التكاليف وخلق تحديات في نقل السلع، مما يؤثر سلبًا على قدرة هذه البلدان على المنافسة في الأسواق العالمية.
علاوة على ذلك، فإن هذه الدول قد تواجه صعوبات في تأمين فرص استثمارية جديدة، حيث يمكن أن يؤدي تزايد الحمائية التجارية وارتفاع الرسوم الجمركية إلى تقليص حجم التجارة العالمية، وبالتالي الحد من الفرص الاقتصادية المتاحة للدول العربية.
7- التأثير على الأسر والشركات وسوق العمل والبورصات
مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والأدوية، ستضطر الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات إنفاقها، حيث ستوجه مواردها نحو احتياجاتها الأكثر أهمية وضرورية.
وهذا التغيير في أنماط الاستهلاك سيؤثر بشكل ملحوظ على جودة الحياة، حيث قد تجد الأسر نفسها مضطرة للحد من بعض النفقات غير الضرورية، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات الاستهلاك في العديد من القطاعات.
وبسبب ارتفاع الأسعار وانخفاض مستويات البيع لدى الشركات المستوردة، سيكون على هذه الشركات اتخاذ تدابير لتقليص التكاليف مثل خفض الأجور أو تقليص حجم العمالة بهدف الحفاظ على استدامتها في السوق في ظل تراجع الإيرادات. هذه الإجراءات ستؤدي إلى زيادة معدلات البطالة في القطاعات المتأثرة، مما سيشكل ضغطًا إضافيا على سوق العمل.
من الناحية الاقتصادية، ستضطر الحكومات إلى تخصيص موارد لدعم العاطلين عن العمل عبر برامج التأهيل والتدريب أو توفير إعانات بطالة. لكن مع زيادة معدلات البطالة، سيكون من الضروري اتخاذ إجراءات إضافية لتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، مثل تشجيع الاستثمار في القطاعات غير المتأثرة أو القطاعات الناشئة التي توفر فرص عمل جديدة.
على الرغم من الآثار السلبية القصيرة الأجل، فإن هذه التغيرات قد تؤدي إلى إعادة هيكلة بعض الشركات وتعزيز كفاءتها التشغيلية، مما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاجية على المدى البعيد. ومع ذلك، يتطلب هذا تضافر الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استقرار السوق، وتنمية قدرات القوة العاملة، وتعزيز السياسات الاقتصادية التي تدعم النمو المستدام في المستقبل.
ويمكن أن يكون تأثير الحرب التجارية بين الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين، عميقا على إيرادات الشركات العالمية وأرباحها. وعندما تتأثر هذه الشركات سلبًا بسبب التعريفات الجمركية، والسياسات التجارية الصارمة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع في أداء أسواق المال.
وقد يشعر المستثمرون في أسواق الأسهم الذين يمتلكون أسهمًا في تلك الشركات بالقلق ويفكرون في بيع هذه الأسهم خوفًا من استمرار التراجع. وهذا سيؤدي إلى انخفاض كبير في قيمة الأسهم، وبالتالي انخفاض عام في الأسواق المالية العالمية.
والأسواق المالية في الدول العربية ليست بمعزل عن هذه التأثيرات، فهي ترتبط بالحركة العامة للأسواق العالمية، لذلك فإن التقلبات في الأسواق العالمية قد تمتد لتؤثر على أسواق المال في البلدان العربية.