كتب سيد توكل:

منذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013 لم تتوقف الدعوات المتكررة لمواطني مصر للتبرع للمشروعات العامة عبر حسابات بنكية وصناديق خاصة، وآخر هذه الدعوات ما جاء في مداخلة السفيه عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري بأحد البرامج التلفزيونية الفضائية ذائعة الصيت في الأول من مايو الجاري يطالب فيها موظفي الحكومة المقدر عددهم بنحو سبعة ملايين موظف بتبرع شهري قيمته جنيه واحد، من أجل تطوير القرى الأكثر فقرا!

تلقفت حكومة شريف إسماعيل كلمة السر التي نطق بها السيسي وهى "اتبرع بجنيه واحد" وحضّرت خازوقا جديدا للموظفين، وأخفته عمدًا داخل قانون العلاوة الدورية الخاصة بالعاملين في الدولة غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية، الذي وافق عليه برلمان الدم إلا أن وزير المالية في حكومة الانقلاب جعل قانون العلاوة محشيا بالمسامير أو "الخوازيق" التي أفسدت فرحة الموظفين بالعلاوة.

واعترض الموظفون على "الضوابط" الخازوقية التي وضعها وزير المالية في حكومة الانقلاب، وطالب اتحاد العمال بتوحيد تلك الضوابط والتي على إثرها يتم صرف العلاوة الخاصة للعاملين، حيث إن هناك بعض الشركات مثل شركة مياه الشرب والصرف الصحي ضمت العلاوة إلى الراتب الأساسي إلا أن شركات أخرى لم تضم تلك العلاوة إلى الراتب الأساسي مثل شركة مصر للتأمين.

وكشف النائب محمد صلاح عبدالبديع، عضو برلمان الدم، عن رغبة حكومة الانقلاب في التلاعب بحوافز الموظفين بالدولة، بالتزامن مع تلاعبها بالعلاوة.

هروب السيسي
وقال عبدالبديع، في تصريحات لفضائية "الحياة 2": إن العلاوة المضافة ستكون للعاملين المدنيين غير الخاضعين لقانون الخدمة المدنية، وستكون ضمن الأجر الأساسي فقط، ولكنها ستلغى الحوافز والبدلات، مشيرا إلى أن الحكومة هددت بسحب مشروع قانون منح العلاوة؛ بسبب الإصرار على عدم الموافقة على المادة الخامسة من القانون، واصفا تلك المادة بـ"المشبوهة"؛ لإضرارها بالموظفين.

وأضاف عبدالبديع أن الحكومة كانت ترغب في تحويل العلاوة إلى علاوة اجتماعية لا تضاف للأجر الأساسي، مشيرا إلى أن العلاوة -وفقا لرأي الحكومة- ستؤدي إلى خفض رواتب الموظفين؛ لأنها ستدخل في شريحة ضريبية أعلى، مؤكدا أن العلاوة ستتسبب في إلغاء الحوافز التي يحصل عليها الموظف سنويا على راتبه الأساسي.

وعلى ما يبدو فإن قائد الانقلاب العسكري وحكومته انتهجوا طريق طلب التبرعات من المواطنين للهروب من المساءلة أمام الشعب عن كيفية التصرف في الإيرادات العامة، وسوء التصرف في تخصيص الإنفاق العام، فإلى الآن لم يقدم صندوق "تحيا مصر" الذي أنشأه السيسي بيانات عن إيراداته ومصروفاته، وكيف يتم تخصيص الإنفاق وعلى أي معايير يتم اختيار المشروعات وتوجيه الإنفاق عليها.

ويتناسى قائد الانقلاب وحكومته تلك المزايا التي منحت لبعض العاملين بالدولة دون غيرهم، وهم فئة قليلة، مثل العاملين بالجيش والشرطة والقضاء وبعض المؤسسات الإعلامية، وكذلك الإنفاق على مؤتمرات التسويق السياسي عديمة الجدوى في الداخل مثل مؤتمر الشباب الأخير، أو نفقات تحسين الصورة العامة للسيسي وحكومته في أميركا والغرب.

ضرائب الموظفين
المطلع على هيكل ضرائب الدخل في مصر يجد أن الجباية التي يجنيها العسكر المحصلة على رواتب الموظفين في تزايد مستمر بسبب أنها تقتطع من المنبع ويصعب التهرب منها، خاصة للعاملين في الحكومة والقطاع العام، وقد يحدث بعض التلاعب في القطاع الخاص، ولكن تظل الضرائب على رواتب الموظفين دليلا على عدم عدالة النظام الضريبي في مصر.

فحسب بيانات البيان المالي لموازنة 2017/2016 الصادر عن وزارة المالية في حكومة الانقلاب يتبين أن الضرائب على الدخول من التوظف يتوقع لها أن تصل إلى 28.7 مليار جنيه (1.58 مليار دولار) في 2016/2015 مقارنة بـ19.3 مليار جنيه (1.06 مليار دولار) في 2014/2013، أي أنها على مدار نحو ثلاث سنوات زادت بحوالي 9.4 مليارات جنيه (0.52 مليار دولار).

ويقدر مشروع موازنة عام 2017/2016 أن تصل الضرائب على الدخول من التوظف إلى 32.7 مليار جنيه (1.81 مليار دولار).

وفي الوقت الذي تصل فيه الضرائب على الدخول من التوظف إلى 28.7 مليار جنيه في عام 2016/2015 نجد أن الضرائب المحصلة من أرباح شركات المساهمة (القطاع الخاص+قطاع الأعمال العام) تصل إلى 38.1 مليار جنيه فقط.

خطاب التسول
على الرغم من أن السفيه السيسي خص موظفي حكومة الانقلاب من خلال ذكر عددهم بنحو سبعة ملايين فإن هذه الفئة عانت على مدار السنوات الأربع الماضية من أوضاع مادية صعبة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم التي زادت على 30% في عام واحد، كما أن دخول العاملين بالحكومة لا تشهد زيادات تتناسب بأي حال مع معدلات التضخم، وهو ما يعني انخفاض القوة الشرائية لدخولهم، وإدراج شرائح كبيرة من موظفي الدولة تحت خط الفقر، خاصة أولئك الذين يعولون أسرا يزيد عدد أفرادها على أربعة أفراد.

إن توجيه خطاب التسول إلى هؤلاء الموظفين بالتبرع هو خطاب للجهة الخطأ، فهم في عداد الفقراء وإن كان المبلغ المطلوب التبرع به قليلا، إلا أنه يمثل احتياجا لهؤلاء الموظفين.

وعلى ما يبدو فإن خطاب السفيه السيسي أتى في إطار توظيف سياسي حتى لا يسبقه الموظفون بالمطالبة بتحسين أحوالهم المادية والمعيشية مع حلول العام المالي القادم، واعتماد موازنة عام 2018/2017، فتم تصدير هذا الخطاب للموظفين وكأن لديهم ما يقدمونه، ومن ثم لا داعي للمطالبة بتحسين أحوالهم المادية، أو بزيادة في الأجور تكافئ معدلات التضخم.

يا وساختك يا سيسي!
ونشر الحقوقي هيثم أبوخليل تدوينة على موقع التواصل فيس بوك، علق فيها على طلب قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي من كل موظف جنيه حيث قال فيها: "السيسي عايز يأخد جنيه كل شهر من الموظفين اللي طافحين الدم بدل ما يساعدهم علي الغلاء الفاحش اللي تسبب فيه علشان ماسر!

طيب فين ضباط الجيش والشرطة والقضاة والإعلاميين؟
طيب هما ٧ ملايين جنيه اللي حيحلوا مشاكل مصر؟
طيب لسة المحكمة السويسرية حاكمة بتعويض للصهاينة مقداره حوالي ٣٥٥ مليار جنيه مصري علشان وساختكم وإهمالكم.. يعني ٣٥٠٠٠ مليون!!

ولسة فلوس الرافال والميسترال اللي تجاوز ثمنها ١٨٠٠ مليار جنيه مصري مابرديتش والطيارات وحاملة الهليكوبتر ليس لها أهمية في بلد شعبها بيكح تراب! يعني ١٨٠٠٠٠ مليون

ولا ثمن تفريعة قناة السويس اللي اتكلفت علي أقل تقدير حوالي ٦٠ مليار جنيه ومدخلتش دولار زيادة..! يعني ٦٠٠٠٠ مليون

شفت يا سيسي.. ثلاث حاجات فقط إنت كنت السبب فيهم علشان تشتري بهم شرعية زائفة لك وتراضي الكبار.. عارف تكلفتهم كام؟ ٢٧٥ مليار جنيه.. يعني ٢٧٥٠٠٠ مليون جنيه.. وجاي تدور علي جنيه من موظف علشان تجمع ٧ مليون!!! يا وقاحتك.. بل يا وساختك يا سيسي!".

ومنذ انقلاب يوليو 1952 وحتى انقلاب السفيه السيسي والعاملون بالحكومة والقطاع العام لا يعتمدون على دخولهم الوظيفية، ولكنهم يلجئون للعمل فترة ثانية، أو يديرون مشروعاتهم الخاصة بعد انتهاء العمل الحكومي، ومن يعجز عن الحصول على عمل إضافي أو إدارة مشروع خاص لا يكون أمامه سوى الفساد والتكسب من وظيفته الحكومية عبر الرشوة، ولذلك لا يزال ترتيب مصر على مؤشر الشفافية الدولية متأخرا بحدود 32 درجة من مئة درجة هي إجمالي درجات مؤشر الشفافية.

Facebook Comments