"عايز تروح مكان فاضي وهادي تهدي اعصابك فيه..لجان انتخابات مجلس الشيوخ المصري هي الحل"، هكذا تندر المصريون سخرية من مسرحية انتخابات مجلس الشيوخ، ورغم تأكيده أن مصر فقيرة إلا ان السفاح عبد الفتاح السيسي خصص 2 مليار جنيه لإجراء المسرحية.

وخلال الأيام الماضية، رصدت "الحرية والعدالة" حراكا بين أعضاء حزب "مستقبل وطن"، و"حماة وطن"، وغيرها من الأحزاب الحديثة والمؤيدة للعسكر، واستعدادات لخوض مسرحية انتخابات مجلس الشيوخ والانتخابات المحلية، بل وصراعات بين الأعضاء على نيل الحق في الترشح عن تلك الأحزاب.

وسخر مغردون مصريون من فرض غرامة على من يقاطع مسرحية الانتخابات مقدارها 500 جنيه، وهو ذات المبلغ الذي دفعه حبيب العادلي، وزير داخلية المخلوع حسني مبارك، في قضية الاستيلاء على أموال الداخلية، فيما عرف بقضية "فساد المليار"، والتي طالب محاميه فريد الديب بإعفائه منها بعد ثبوت سرقته لـ 2 مليار جنيه من أموال الداخلية.

في السرّ

وانطلقت أمس الأحد 9 اغسطس دون علم المصريين مسرحية انتخابات مجلس الشيوخ، وسط أجواء مشحونة بالسخرية ممن يراه غرفة ثانية لـ"عسكرة الدولة"، بعد أداء سيئ اتصف به برلمان الدم خلال السنوات الخمس الماضية.

من جهته يقول الناشط أحمد القاعود: "هل تعلم أيها المصري أن هناك انتخابات لمجلس اسمه الشيوخ بدأ التصويت فيها اليوم للمصريين في الخارج ولا أحد يعلم عنها شيئا؟! هل تعلم أن تنظيم مثل هذه الانتخابات في أوقات أزمة مالية طاحنة هو إهدار للمال العام؟!".

وجاءت عودة الغرفة الثانية ضمن حزمة تعديلات دستورية العام الماضي، شهدت انتقادات محلية ودولية واسعة، تسمح للسفيه السيسي الذي استولى على الحكم عام 2014 بالبقاء حتى عام 2030، بالإضافة إلى ذلك توسيع صلاحياته ونفوذ الجيش في الحياة السياسية.

وتتكاثر لافتات مسرحيات الانتخابات على طول الكباري والشوارع الرئيسية في العاصمة وعواصم المحافظات، إلا أنه لا يوجد اكتراث من قبل المصريين إزاء تلك اللافتات التي لا يعرفون أصحابها ولا تعنيهم في شيء، بعد أن شغلتهم رحلة البحث عن لقمة العيش وسط حالة الركود التي تعم الأسواق، التي زادت حدتها إثر تداعيات فيروس كورونا.

وأثيرت تساؤلات حول سر الهرولة نحو إجراء الانتخابات في ظل كلفتها المادية والصحية في ظل تفشي وباء فيروس كورونا، وبالتزامن مع قضايا إقليمية شائكة على غرار سد النهضة الإثيوبي، علاوة على تسارع وتيرة الحرب بعد موافقة برلمانية على قيام الجيش بمهام قتالية خارج الحدود، وذلك في سياق الدعوة لتدخل عسكري في ليبيا.

ومن المقرر أن يُشكل مجلس الشيوخ من 300 عضو، ينتخب ثلثا أعضائه بنظامي القائمة والفردي، في حين يعيّن جنرال الخراب الثلث الباقي، على أن تكون مدة عضويته 5 سنوات.

ولم تعد لدى المصريين ثقة بالعملية السياسية برمتها، في ظل غياب الحريات في مرحلة ما بعد انقلاب يوليو 2013، واستمرار حبس العديد من الرموز، سواء من التيار الإسلامي أو غيره من التيارات الليبرالية واليسارية.

وبعد أن عاشوا طوال السنوات الأخيرة غياب الدور البرلماني الرقابي على كوارث عصابة العسكر، التي قلصت دعم المحروقات والكهرباء وزادت من تكلفة الخدمات الحكومية، بل وتحول برلمان الدم إلى أداة لتنفيذ ما تريده عصابة السيسي.

فإذا كان هذا هو حال برلمان الدم المختص دستوريا بالتشريع ورقابة حكومة الانقلاب، فهل يمكن التعويل على مجلس الشيوخ القادم المنزوع الصلاحيات أصلا بحكم قانونه؟

ائتلاف دعم العصابة

وفي تعليقه قال رئيس الحزب البديل الحضاري عضو المجلس الثوري أحمد عبد الجواد: "يجب التذكير بأنه منذ ست سنوات قام الانقلاب العسكري بحل مجلس الشورى بدعوى فقدان أهميته وغياب دوره وإرهاقه لخزينة الدولة، وهو الأمر الذي تضمنه دستور 2014. وبعد هذه السنوات ها هو الانقلاب يعيد مجلس الشورى وهو الغرفة البرلمانية الثانية، بعد التعديلات التي أدخلها ائتلاف دعم مصر صاحب الأغلبية في البرلمان والموالي للسفيه السيسي، ضمن حزمة تعديلات سمحت للسيسي البقاء في السلطة حتى عام 2034، وبالتالي فنحن أمام منظومة انقلابية لا تحترم شيئا حتى الدستور الموضوع بمعرفتهم وتحت أعينهم".

وأضاف: "يهدف السيسي من هذه الخطوة إلى إرضاء الشخصيات التي دعمت وما زالت تدعمه من العائلات الكبيرة، وكذلك تسكين لواءات الجيش المحالين للتقاعد، بغرض إحكام قبضة العسكر خاصة في مجال الإعلام، وحقوق الإنسان، وتقنين القوانين الداعمة للاستبداد، وبالمطلق فإن مجلس النواب ومجلس الشيوخ في عهد السيسي ليس لهما مهمة إلا تقنين الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها بحق مصر، وبالتأكيد لاتوجد ثمة ضمانات تضمن عدم المجاملة وشراء الذمم والمواقف، فالمنظومة الانقلابية العسكرية انتقلت من مرحلة حماية الفساد إلى إدارته ورعايتة بل وتقنينه".

تمكين السيسي

وأبدى البرلماني السابق عبدالحميد أحمد استغرابه من هذا التحول؛ وذلك من إدانة لهذه الغرفة واعتبارها عبئا تشريعيا وماليا، إلى النقيض تماما واعتباره شيئا مهما وإضافة للحياة البرلمانية، واصفا ذلك "بالتخبط الدستوري والنيابي، ويعد انقلابا على الدساتير التي جاءت بعد ثورة يناير بما فيها دستور ٢٠١٤ أي دستور السيسي، ولم يكن هذا هو الانقلاب الوحيد، فما تم بشأن مجلس الشيوخ جاء في إطار حزمة من التعديلات، كان ضمنها هذا المجلس وتمديد فترة رئاسة السيسي وغيرها من المواد الأخرى".

وأضاف: "من المؤكد أن هذا المجلس لن يضيف جديدا وإلا كان حدث هذا مع الغرفة الأم والرئيسية وهي مجلس النواب الذي لم يقدم جديدا، بل هو مجرد أداة وآلية لتفعيل وتقنين كل ما يراه السيسي ونظامه، ولم يقدم  شيئا للشعب الذي جاء من أجله، بل شرع قوانين تثقل كاهله بدلا من محاسبة الحكومة على أدائها، وبالمثل سيكون المجلس الجديد، بل ربما أكثر سوءا لأنه سيكون بابا خلفيا للفساد، من حيث منح الفاسدين والداعمين  للسلطة  الحصانة البرلمانية لحمايتهم، خاصة أن ثلث هذا المجلس سيكون بالتعيين".

أخطر تمرير

وفي تعليقه، أكد عضو لجنة العلاقات الخارجية ببرلمان 2012، دكتور محمد عماد صابر، أنه "لا توجد حالة تشريعية تدعو لتشكيل مجلس جديد، فمجلس النواب المنتقى أعضاؤه بواسطة الأمن يقوم بواجبه بتمرير ما يريده السيسي"، مشيرا إلى أن "أخطر تمرير كان بيع سيادة مصر بـ(تيران وصنافير)، وتعديل الدستور لتمكين السيسي أطول فترة، ما يؤكد أنه برلمان الموافقة".

ويعتقد البرلماني السابق، أن "الرغبة الواضحة لاستعادة مجلس الشيوخ؛ هي تسكين لعدد أكبر من الموالين للنظام بمقاعد برلمانية، وإضفاء ديكور على العملية السياسية السوداوية بمصر"، منتقدا نسبة تعيين النواب بالشورى بمقدار الثلث والمخولة للسفيه السيسي.

وأكد أن "هذه النسبة كبيرة جدا، ولكن بنظرة واقعية نجد أن الكل يتم تعيينه ولكن بشكل مختلف"، موضحا أن "الرغبة الحقيقية لهذا المجلس هي شراء ولاءات عدد كبير من النخبة، وممن غرقوا مع النظام بالدم والفساد، بمنصب يحمل لهم وجاهة اجتماعية، ويحصن الفاسدين من المساءلة الجنائية، وإضفاء حراك ديكوري للحالة السياسية الميتة بمصر، وإشغال الشعب والإعلام بجدل حول الانتخابات".

وقال صابر: "هنا محور الموضوع، وماذا يريد السيسي، تمريره من جديد باستغلال هذه الحالة الجديدة؟"، موضحا أن "كل ما سبق من حكم السيسي، يؤكد أنه بصدد شيء جديد سيفعله"، مضيفا أن "القضية الحاضرة الآن التي يسيل لها لعاب السيسي، ليقبض الثمن هي سيناء وفلسطين"، متسائلا: "هل تصبح مناصب مجلس الشورى ثمنا لبيع سيناء؟".

وختم قائلا: "للأسف؛ يبقى الشعب وحده يعاني الفقر والمرض وغلاء الأسعار، ويدفع الضريبة ويتحمل الأعباء والتكاليف، بالوقت الذي يتمتع فيه أعضاء البرلمان بمقدرات المصريين".

Facebook Comments