كتب محمد مصباح:

إذا أردت أن تعرف كيف يشحن الانقلاب جنوده لقتل الشباب خارج إطار القانون وتتصاعد عمليات التصفية الجسدية التي كان آخرها اليوم لشخصين من رافضي الانقلاب العسكري بالخصوص بمنطقة المرج؛ فإن عليك الرجوع لما حدث خلال مجزرتي رابعة والنهضة وطريقة شحن الجنود.

ويستغرب كثير من المصريين كيف لجنود وضباط مصريين مثلهم أن يشاركوا في عمل إجرامي مثل فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة وقتل وحرق وسحل آلاف المعتصمين، حتى من لم يشارك منهم فعليا في القتل كان مؤيدا أو يتمنى المشاركة.

ويروي أحد الجنود المشاركين في فض اعتصام رابعة ما حصل قبيل المجزرة قائلا:
"كنت مجندا في الجيش أثناء فض اعتصام رابعة العدوية، وكانت خدمتي في وحدة عسكرية بالقرب من موقع الاعتصام، لم تشارك تلك الوحدة في الفض، لكن كنت شاهدا على عملية الشحن التي تتم للجنود والضباط ضد المعتصمين خاصة، وضد أي معارض لانقلاب عبدالفتاح السيسي بصفة عامة، والذي كان وزيرًا للدفاع حينها.

ورصد المجند بعض مشاهداته في نقاط قائلا:

1- سوف يقتلونك
كانت هذه القاعدة العامة التي نجح الجيش في نشرها في أوساط الجنود، أن هؤلاء المعتصمين يريدون قتلك وقتل كل منتسب للمؤسسة العسكرية والشرطية، وكان الاستشهاد بما يحدث لزملائهم في سيناء من قتل، وعلى الرغم من أن تلك العمليات كانت جماعة أنصار بيت المقدس، هي من تعلن مسئوليتها عنها، إلا أن الجيش كان ينسبها للإخوان، كما كان ينشر ويبث في الجنود مقاطع مجتزأة من حديث د.محمد البلتاجي على منصة رابعة يفيد بأن "ما يحدث في سيناء سيتوقف في اللحظة التي سيتراجع فيها الجيش عن الانقلاب وعودة مرسي إلى مهامه".

2- منع الإجازات
كل من دخل الجيش يعلم معنى الإجازة عند الجندي، وما يفعله حتى لا يحرم منها، تضطره أحيانا كثيرة للتنازل عن كرامته وإنسانيته والخضوع التام لأي أمر عسكري، إلا أن الجيش منع في تلك الفترة بعد بدء الاعتصام الإجازات عن معظم الجنود، وأصدر لهم خطابا، مفاده، طالما الاعتصام لمْ يُفض، ستبقون في وحداتكم أو في الشارع.

3- شيوخ القتل
كان استغلال الدين عاملا أساسيا في التأصيل الشرعي لقتل المعتصمين حتى يصل الجندي والضابط لقناعة أنهم يخدمون دينهم ووطنهم وهم يقتلون وأن ما يفعلونه حلال، وكان الجيش يعتمد على مفتي الانقلاب علي جمعة وآخرين.

ويضيف المجند السابق: "حضرت أحد لقاءات علي جمعة مع المجندين والضباط، وقال لنا صراحة "عندما نقتل واحدًا من المعتصمين فإننا ننقذ مائة من الشعب كان هذا الشخص سيقتلهم، وقال لنا "إن الإخوان خوارج هذا العصر، وعندما نقتلهم فإن الله وملائكته والرسول يؤيدوننا".

كما كان قادة الوحدات يستغلون المساجد داخل المنشآت العسكرية بعد صلاة التراويح في شهر رمضان لإلقاء كلمات تشحن الجنود ضد المعتصمين.

4- مقتل ضابط
قبل فض الاعتصام كانت هناك مسيرة لأنصار الرئيس محمد مرسي في شارع البحر الأعظم، وأثناء سير ضابط جيش يرتدي زيًا مدنيًا بسيارته قرب المسيرة تعمد دهس المتظاهرين، فقتل وأصاب منهم العشرات وأثناء هروبه تمكنوا من القبض عليه فاكتشفوا بعد تفتيشه أنه ضابط جيش فقتلوه -حسب رواية الجيش لجنوده، هذه الواقعة كانت هدية للجيش استغلها في الترويج بين الجنود والضباط أن الإخوان والمعتصمين يقتلون أي منتسب للجيش بناء على هويته، ونشروا في أوساطهم أن الضابط كان يسير بالقرب من مظاهرة للإخوان فقبضوا عليه وقتلوه ومثلوا بجثته، فقط لأنه ضابط جيش دون الإشارة إلى الجريمة التي ارتكبها، وحذرونا من الاقتراب من أي تجمع لهم، حتى لا يقتلونا، وتم تعميم منشور داخل نطاق المنطقة المركزية (القاهرة الكبرى) حذروا الجنود والضباط من ارتداء الزي العسكري في أي مأمورية أو أثناء نزول إجازاتهم.

5- ادعاءات إرهابية
على الرغم من أن ادعاء مجلس وزراء الانقلاب أن الإخوان جماعة إرهابية، كان في 25 ديسمبر 2013، بعد تفجير مديرية أمن الدقهلية، والتي أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عنه، إلا أن الجيش كان يعتبر جماعة الإخوان "إرهابية" رسميا في المراسلات من وزارة الدفاع إلى الوحدات، منذ بداية أغسطس 2013، وكانت هذه المراسلات تدعو القادة إلى توعية الجنود، أن هذه الجماعة إرهابية، وبخطورة العمليات التي تقوم بها في سيناء، وأن ميدان رابعة به أسلحة ومتفجرات وانتحاريون ينوون تفجير كل منشأة عسكرية قريبة من مقر الاعتصام.

6- فلسطينيون مسلحون!
كانت الفاكسات التي تأتي من الأمانة العامة إلى وزارة الدفاع وموقعة من رئيس الأركان آنذاك الفريق، صدقي صبحي، تدعو قادة الوحدات لتحذير الجنود والضباط وتوعيتهم، وأنه يوجد، هناك، فلسطينيون، وعناصر أجنبية خطيرة، مسلحون، وانتحاريون، يحتمون بالإخوان، وأن هناك أسلحة وذخائر تم تهريبيها عبر الأنفاق من غزة، ووصلت للاعتصام وأن تلك الأسلحة سوف يقتلون بها عناصر الجيش والشرطة.
كما جاء "فاكس" من هيئة عمليات القوات المسلحة تحذر كل الوحدات العسكرية من أن هناك 20 ألف جهادي هربوا من غزة ودخلوا مصر لتنفيذ هجمات ضد الدولة.

7- شائعات موجهة
كانت المخابرات الحربية ترسل أفراد من عناصرها وتحديدا (المجموعة 75 مخابرات)، استخرجت لهم بطاقات رقم قومي بمهن مدنية، كموظفين في شركة كهرباء، أو صحفيين، وبعضهم أطلق لحيته، حتى لا يشك فيه المعتصمون، وكان هؤلاء يعودون إلى الوحدات العسكرية يروون للجنود والضباط، أنهم رأوا أسلحة ومتفجرات مع المعتصمين، وأنهم يقتلون أي ضابط أو عسكري يقبضون عليه بالقرب من الاعتصام، وأن قادة الإخوان استأجروا شققا بالقرب ميدان رابعة يمارسون فيها "نكاح الجهاد".

تلك الشائعة التي تناقلتها وسائل إعلام عالمية ، قبل عام، تكشف وسائل الخداع التي يتم شحن بها عقول الجنود ومن يقومون بالقتل ومواجهة الشعب بالشارع.. يضاف إلى ذلك روايات بأن الجنود والضباط المشاركين بعملية الفض كان مثبتا في أذانهم سماعات متصلة بغرفة العمليات، تبث لهم أخبارا كاذبة بأن فلانا صديقك قتل، الإخوان قتلوا ابن عمك الضابط أو العسكري في الوحدة.. كذا.. وذلك لإثارة الجنود والضباط المشاركين في الفض لتسويغ وتسهيل القتل.

وهكذا تحكمت الأكاذيب في مصر منذ انقلاب العسكر في 2013.. والضحية دماء الأبرياء في الشوارع والطرقات بدعاوى الإرهاب الكاذبة. 

Facebook Comments