كشف الدكتور محمد محسوب، وزير الشئون القانونية والبرلمانية الأسبق في حكومة الدكتور هشام قنديل، عن رؤيته لطبيعة العلاقة بين الدين والدولة، مؤكدا أن من أكثر العبارات سذاجة في النقاشات الفكرية هي عبارة "الفصل بين الدين والدولة".

وقال محسوب في مقال له اليوم على حسابه الخاص بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك: «إن من أكثر العبارات سذاجة في نقاشاتنا الفكرية عبارة "الفصل بين الدين والدولة"، وهو أشبه ما يكون بالدعاوى للفصل بين الدولة ومكونات هوية شعبها وعناصر ثقافته لتصبح دولة تعبر عن فراغ لا عن مجموع بشري له صفات وهوية وطريقة حياة».

وأضاف " محسوب "  في مقال له نشر بمدونته بعنوان " فقه السياسة وعلاقة الدولة بالدين " : إنه لا يوجد أساس واقعي للدعوة لفصل "مؤسسة دينية" عن الدولة؛ لأنه لا توجد مؤسسة دينية إسلامية توازي أو تنافس الدولة؛ وكلّ مؤسسة موجودة في أي من الدول الإسلامية كالأزهر في مصر ليست سوى جهة دعوية وعلمية مستقلة – إن توفرت لها عناصر الاستقلال – أو "إدارة حكومية" تحاول الدولة من خلالها أن تسيطر على ما يمكن تسميته "مرفق الدين" لتحويل الدين إلى واحد من الخدمات التي تعتبرها الدولة من وظائفها، كخدمة الدفاع والتعليم والصحة وغير ذلك.

وتابع : يخلط كثيرون بين علاقة الدين بالدولة وهي علاقة لا انفصام فيها، سواء بالدول التي تقوم فيها حكومات لها مرجعية دينية أو تلك التي تنشأ بها حكومات لا تقر المرجعية الدينية نظريا وتتعامل معها واقعا؛ فالدين يبقى العنصر الأول الذي يشكل هوية الدولة وواجهتها الثقافية ونظمها القانونية ابتداء من الدستور الذي تسيطر عليه معاني الهوية الثقافية وعلى رأسها الدينية حتى قوانين الأسرة التي تعكس بصدق الروح الدينية في قواعدها وأحكامها.

وأوضح أن "تجربة قيام مؤسسة دينية مكتملة العناصر بإدارة الشئون الدنيوية لم تحدث ولو على سبيل الاستثناء عدا تلك الاجتهادات المنعزلة التي تشكلها الحالة الإيرانية استنادا لدور المرجعية، وبعض مكونات الفكر السلفي الذي لا يحمل رؤية سياسية في محاولة لكثلكة الفكر الإسلامي العصيّ على ذلك".

وأضاف "يُصبح الأمر أكثر سذاجة عندما تصدر مثل هذه الشعارات على ألسنة بعض السياسيين أو المفكرين في العالم الإسلامي، خصوصا السني، حيث لا يمثل الدين مؤسسة من مؤسسات الدولة الأساسية كما هو حال الكنيسة في النظام السياسي الغربي أو المرجعيات في البناء السياسي الشيعي؛ فيكون الحديث عن الفصل بين "الدين" والدولة ترجمة خاطئة للموقف الغربي بشأن الفصل بين "الكنيسة" والدولة".

وأشار إلي أن الفكر الغربي والذي تمثله الكنيسة – وليس الدين – مكون أساسي في النظام المؤسسي للدولة، بل وفي بعض الأحيان نظاما موازيا لنظام الدولة ومتنازعا معها في إدارة شئون الشعب؛ وهو نتاج طبيعي لقيام الكنيسة بدور السلطة الزمنية عدة قرون على حساب تغييب الدولة ملكية أو إقطاعية.

وأوضح أن التيارات السياسية التي تستند لمرجعيات إسلامية لا تختلف عن الأحزاب المحافظة في أوربا بتاريخها الطويل، بما تقوم به من محاولة تأسيس رؤيتها السياسية على مقاصد دينية وعناصر ثقافية يعتقدون أنها تشكل جوهر هوية الشعب، دون أي زعمٍ بأن هذه الأحزاب تمثل الدين أو تشكل مؤسسة دينية تحتكر النشاط الديني أو سعيٍ لتحل بنفسها محل مؤسسات الدولة؛ سوى ما تروجه ماكينات إعلامية تحاول أن تُظهر خطورة تبني الحرية وسلوك طريق الديموقراطية، فتهوّل من بعض المفردات لتُشعر المجتمع بخطر المطالبة بالتغيير.

ويرى أن المرض الحقيقي الذي يتشابه فيه العالم الإسلامي مع ما عاشه الغرب في مطلع العصر الحديث، هو الدكتاتورية ومحاولة حكومات منفصلة عن الشعب السيطرة على كل عناصر السلطة وكل مصادر الثروة والتحدث وحدها باسم الدين.

واختتم : وهذا المرض لم تعرف له البشرية إلا علاجا واحدا هو تكريس الحرية في النظام السياسي للدولة والشفافية لتمكين الشعب من مراقبة أدائها والسماح بحرية التفكير والتعبير دون احتكار أي جهة لأسس التفكير وعناصر تشكيل العقل والضمير وعلى رأسها الدين. وهو أمر لن تقبله أي سلطة دكتاتورية والتي تفضل – للحفاظ على سيطرتها – الترويج لوجود خطر ما يهدد الدولة، بينما هي نفسها الخطر الأول الذي يهدد الشعب ووجود دولته وحريته في التعبير عن مكونات ثقافته وعناصر هويته.

Facebook Comments