كتب- أحمدي البنهاوي:

 

بعد 3 أعوام من جريمة فض ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، قدر الله أن يكون من بين البنايات المطلة على الميدانيين بعض شهود العيان يروون قصص الصمود، في المشهد الأخير من الفض الدموي غير المسبوق لأكبر اعتصامين سلميين شهدته البلاد، فجانب من هؤلاء الشهود الأحياء لجؤوا إلى عمارة "المنايفة" القريبة من إشارة رابعة العدوية، ومئات أخرى في ميدان "النهضة" هربت إلى كلية الهندسة جامعة القاهرة، خلف منصة الميدان، للاحتماء بها من الرصاص المصبوب فوق رؤوسهم.

 

عمارة المنايفة

 

وفي فيلم تسجيلي، استعرضت فضائية الجزيرة، شهادات الأحياء من المعتصمين في "العمارة"، عن محاولتهم تعطيل دخول القوات للميدان بما في أيديهم من حجارة، وزجاجات حارقة، وأفكار لمواجهة الفض الدموي الانقلاب. وتحدث الشهود عن 12 ساعة من الحصار أمام الرصاص الغزير (رصاص المدفع الجرينوف)، والخرطوش وقنابل الغاز التي انطلقت من الأسفل ومن العمارات المقابلة.

 

وقالوا إن الرصاص الحي اخترق خراسانات وحوائط العمارة (البرج)، وإن الداخلية خشيت الاقتحام، لذلك كان الرد على الحجارة، من قوات الأمن والجيش "هستيريًّا".

 

وأشار المعتصمون إلى أنهم حاولوا إشغال القوات المحاصرة والمترقبة لما في المبنى، بفك "السقالات" التي تحيط بالعمارة من ثلاث جهات ودفعها لتنهار وتغلق المنطقة المحيطة.

 

وبعد ساعات من بدء الفض، اقتحمت القوات "العمارة" المنسوبة للمعتصمين بها من محافظة المنوفية، وبدأت تفتشه دورًا وراء آخر، وكان قرار التصفية مبدئيا لديها، والاعتقال خيارا تاليا، بالمقابل كان تصنع الإصابة أو التظاهر بالموت للمصابين فعليًّا، أو القفز من أعلى العمارة قرار أفضل؛ حيث إن بعض المعتصمين سقط من ارتفاعات عالية وهو يحاول الهرب، فإن نجا اعتقل وإن فارق الحياة ترك على الأرض.

 

ومن روايات الناجين، أن عناصر "الأمن"، كانوا يستولون على الهواتف الجوالة من جثث الشهداء الملقاة في أركان العمارة، وأن عربات الإسعاف كان لديها رقم معين تلتزم به في النقل للمستشفيات، وكيف تسابق مصابو رابعة إلى تفضيل إخوانهم على أنفسهم؛ ليكونوا بين العدد المسموح به في سيارة الإسعاف.

 

وضجت شهادات الناجين من عمارة المنايفة، بروايات تتحدث عن كم السباب والشتائم، لمن عرقلوا دموية المشاركين في الفض من مليشيات الإنقلاب وكانوا حجر عثرة أمام طموحاتهم في سرعة الفض، فضلا عن الألم النفسي الذي تعمد البعض صنعه، كما تحدث المدرس هاني سعد بألم عن: نقله في عربة أصر سائقها على تشغيل أغنية "تسلم الأيادي"، غير مبال بالدماء والأشلاء.

 

تحت الحصار في النهضة

 

لم يكن هناك أي ممر آمن للخروج من ميدان النهضة؛ فمليشيات عبد الفتاح السيسي ومحمد إبراهيم ومدحت المنشاوي، دخلت من منافذ الميدان الثلاثة؛ من منطقة "بين السرايات" ومن المنطقة أمام تمثال النهضة، وتمركزت تلك المليشيات أعلى الكوبري المطل على ميدان الجيزة ومسجد الاستقامة (موقف الهرم وفيصل)، وكان الضرب مستمرًا من منطقة التمثال ومن أعلى الكوبري.

 

وجد مئات المعتصمين أنفسهم محاصرون عند النهضة، فدخلوا كلية الهندسة، مع علمهم أنهم بذلك محاصرون لا محالة، وكان الخيار الثاني القتل كما فعلت الميليشيات مع من حاول الخروج أو التسليم للبلطجية المسلحين بالمولوتوف والسيوف والسنج.

 

وكان من رحمة الله أن سمح اتحاد طلبة الكلية وعميدها بالبقاء بالكلية، ورفضوا تسليم المعتصمين بالكلية منذ صباح 14 أغسطس 2013، مرورًا بالحصار في 9 صباحًا وهدوء شهوة القتل التي سكنت أفئدة سفاحي النهضة، بعدما ارتوت أرض الميدان ومنافذه بدماء نحو 500 شهيد.

 

ومن بين ثنايا الشهادات حول المجزرة، ومحاصرة هندسة القاهرة، كانت شهادة ندى جمال المخرجة السينمائية، حيث قالت: "حاصرتنا قوات جيش والداخلية بإطلاق الرصاص الحي من كل الاتجاهات..ولأن المنصة موقعها قريب من الباب الثاني لـ"هندسة" قام آلاف المتظاهرين بالاحتماء بها من وابل الرصاص والقناصة والبلطجية وتوجهنا لأحد المباني بالكلية بالدور الأول".

وتابعت :"توالت ملاحقات الداخلية بمحاصرة كلية الهندسة بقنابل الغاز الكثيف وإلقائه على المتظاهرين بالاستعانة بالطائرات، لم يتحمل الأطفال والنساء رائحة الغاز الخانق والمحرم استخدامه دوليًا، الأمر الذي دفعنا لمغادرة المبني خوفًا من الموت مخنوقين برائحة الغاز السام، وحينما توجهنا للمبني الآخر، كان بحيرة من الدماء، عدد رهيب من الجرجي والشهداء، طرقات المبنى مليئة بالدماء والأشلاء، آلاف المصابين يستنجدون بمن يسعفهم، عدد قليل من الأطباء يعملون على إسعافهم وسط وابل من القنابل والرصاص وبكاء الأهالي والأصدقاء".

 

وأضافت: "في الظهيرة بدأ الهجوم يتزايد باستهداف الشبابيك لكشف المتظاهرين بالداخل ومنع الأطباء من إسعاف المصابين..ثم جاءت أنباء أن مدير أمن الجيزة وعد المعتصمين بالخروج الآمن، ولكن بمجرد خروج بعض الشباب كان يتم سحلهم من البلطجية واعتقالهم على الفور، فقررنا أن نظل داخل كلية هندسة حتى لا يتم الغدر بنا كما حدث مع الآخرين"، وأوضحت أنه مع الرابعة عصرا، خرج مجموعة من الشباب لمعرفة الأوضاع بالخارج ولكن نالتهم طلقات قناصة في الصدر والرأس وحاولنا إسعافهم ولكن ارتقى منهم الكثير شهداء".

 

وأشارت إلى أنه مع غروب الشمس تحول المستشفى لمشرحة ليلية، يفترش المصابون والشهداء طرقات مباني كلية الهندسة، وبعد مرور ساعة من الصمود أمام مدرعات الجيش وجثامين الشباب العاري أمام رصاصها بدأت تدخل الدبابات لمحيط الحرم الجامعي.

 

وواصلت ندى شهادتها "في تمام السادسة مساء، قام الشباب بمحاولة إنقاذ المصابين بحملهم والخروج بهم خوفًا من إحراقهم بالبنزين مثلما فعلوا بعدد من الشباب بمحيط ميدان النهضة".

Facebook Comments