كتب- أسامة حمدان:

 

رغم أن رائحة الدم أزكمت الأنوف وصور المحرقة والمذبحة لا زالت حاضرة في أذهان المصريين، استطاعت بعض المنظمات الكذب على التاريخ وإنكار مجزرة رابعة العدوية، فكانت التصريحات ما بين الإدانة والشجب والاعتراف بوقوع جرائم ضد الإنسانية وبين إدانة القتيل نفسه وتهنئة القاتل.

 

وهكذا تباينت مواقف مجموعة من المنظمات الدولية بشأن جريمة مذبحة رابعة العدوية التي لا زالت السنوات الثلاث الماضية غضة بدماء شهدائها لتجدد ذكراها في عقول البشرية.

 

وتتواتر روايات كثيرة بشأن تفاصيل ما جرى في اليوم الدامي وعدد القتلى والجرحى والمعتقلين وهوياتهم ومرجعياتهم، لكن الإجماع يكاد يكون حاصلاً بأن المشهد العام كان "جحيمًا"؛ حيث "تحركت الجرافات من كل الاتجاهات، وأمطرت السماء رصاصًا وغازات، وسقط القتلى بالمئات واعتقل الآلاف" وفق شهادات كثيرة.

 

وبذلت سلطات الانقلاب في مصر ما في وسعها لطمس معالم المكان الذي لا يزال شاهدًا في نظر هيئات حقوقية كثيرة على مجزرة حقيقية شكلت بداية مسلسل طويل من القتل والتنكيل لا تزال فصوله متوالية بأساليب مختلفة، في حين كانت المنظمة الوحيدة التي رأت ما حدث طبيعيا ولا يعتبر جريمة هي لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الانقلاب نفسه، ذرًّا للرماد في العيون!!

 

وتصف بعض الهيئات ما جرى هناك بأنه "على الأرجح جرائم ضد الإنسانية، وأخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث".

 

أكبر عملية قتل

 

منظمة هيومن رايتس ووتش، التي تتخذ من نيويورك مقرًّا لها، اتهمت قوات الأمن المصرية بتنفيذ واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في العالم خلال يوم واحد في التاريخ الحديث، وذلك بتدخلها العنيف لفض اعتصامي رابعة والنهضة الرافضين لإطاحة المؤسسة العسكرية بالرئيس المنتخب.

 

وقالت المنظمة في تقرير مطول حول الأحداث إنه "في 14 أغسطس، هاجمت قوات الأمن مخيم احتجاج رابعة من كل مداخله الرئيسية، وذلك باستخدام ناقلات الجنود المدرعة والجرافات، والقوات البرية، والقناصة، وأصدرت قوات الأمن القليل من التحذير الفعال وفتحت النار على الحشود الكبيرة، ولم تترك مجالاً للمتظاهرين للخروج الآمن لنحو 12 ساعة".

 

وشدَّدت في التقرير على أن السلطات لم تحاسب ولو فردًا واحدًا من أفراد الشرطة أو الجيش ذوي الرتب المنخفضة على 

أي من وقائع القتل، ناهيك عن أي مسؤول من الذين أمروا بها، كما تواصل قمع المعارضة بوحشية. 

 

ووصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ما حدث بأنه "على الأرجح جرائم ضد الإنسانية، وأخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث".

 

وقال المدير التنفيذي للمنظمة كينيث روث في تقرير بعنوان "حسب الخطة.. مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر" إن "هذه ليست مجرد حالة استخدام مفرط للقوة أو سوء تدريب، بل كان قمعًا عنيفًا جرى إعداده على أعلى مستوى من الحكومة المصرية".

 

ونقل التقرير شهادات ناجين فقال أحدهم "كانت السماء تمطر رصاصًا، ورائحة الغاز المدمع منتشرة، ثم على الفور رأيت الناس يضربون ويسقطون من حولي، نحن لم نسمع أي تحذيرات، كانت الأمور كالجحيم".

 

صدمة كبيرة

 

أما "الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان" فقد أعربت عن صدمتها البالغة من تقارير الخسائر البشرية الكبيرة التي أسفرت عنها تحركات قوات الأمن لفض "اعتصام أنصار مرسي" في موقعين بالقاهرة (رابعة والنهضة).

 

وأضافت أن "أعداد القتلى التي تنامت إلى علمنا، والتي تصل إلى المئات من بين الحشود، تميل لإظهار وجود استخدام مفرط للقوة من قبل قوات الأمن".

 

من جانبه، قال مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية (أمنستي) إنه "واستنادًا إلى الشهادات الأولية وغيرها

من الأدلة التي قمنا بجمعها" فإنها لا تدع مجالاً كبيرًا للشك في أن "تصرفات قوات الأمن لم تولِ أي اعتبار للحياة البشرية على نحو صارخ، ولا بديل لإجراء تحقيقات وافية تتسم بالحيدة والاستقلالية على وجه السرعة".

 

وأضاف فيليب لوثر أن الحكومة المؤقتة لطخت بالفعل سجلها في مجال حقوق الإنسان، بدءًا بخرق تعهداتها بعدم استعمال السلاح لتفريق المعتصمين وعدم تأمين خروج آمن للجرحى منهم.

 

تستر على الأعداد

 

وقد أدان المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان "محاولات السلطات التستر على الأعداد الحقيقية لضحايا" مجزرة فض الاعتصامين، مشيرًا إلى أن قوات الأمن استخدمت الطائرات والمدرعات والقناصة والرصاص الحي والغاز ضد أفراد عزل.

 

كما استنكرت منظمة "مراسلون بلا حدود"- التي تتخذ من باريس مقرًا لها- العنف الذي تعرض له إعلاميون بمصر، وأسفر عن مقتل وإصابة عدد من الصحفيين ، في المقابل هاجم النظام المصري جميع تلك المنظمات واتهمها بالعمالة لجماعة الإخوان المسلمين.

 

لجنة الانقلاب تشيد

 

إدانة المقتول والضحية كان طبيعيًّا من لجنة شكلها الانقلاب نفسه وهي لجنة 30 يونيو، التي ادعت أن معتصمي رايعة العدوية حملوا السلاح وقاموا بالهجوم على قوات الأمن لكسر الشرطة واستغلال المدنيين العزل كدروع بشرية!!.

 

كما زعمت اللجنة الانقلابية أن المعتصمين قاموا باستغلال الأطفال في ﺍلصراعاﺕ السياسية واستعمال الأمن القوة بشكل مفرط، لكن هذا التقرير الذي لا ينطلي كذبه على طفل يفضح نفسه إذا ما علم قارئه أرقام الشهداء والمصابين التي وقعت بالآلاف بين المعتصمين.

 

آلاف الضحايا

 

واختلفت التقديرات بشأن عدد القتلى والمصابين؛ حيث جاء تقرير وزارة الصحة المصرية بـ670 قتيلاً ونحو 4400 مصاب.

 

ووثق كتاب "مجزرة رابعة بين الرواية والتوثيق" 802 قتيل، أما موقع "ويكي ثورة" المستقل فأعلن أنه وثق أسماء 932 قتيلاً، وأن هناك 133 قتيلاً آخر تم حصرهم بلا وثائق رسمية، إضافة إلى 29 قتيلاً مجهول الهوية، وثمانين جثة مجهولة البيانات في مستشفيات وزارة الصحة، و81 حالة وفاة جرى الحديث عنها دون توفر بيانات كافية عنها، لكن المرصد المصري للحقوق والحريات وثق 1162 قتيلاً، وأورد على موقعه قائمة كاملة بأسمائهم وأعمارهم وعناوينهم.

 

Facebook Comments