كتب- بكار النوبي
مخطئ من يظن أن مذابح العسكر انحصرت في الإسلاميين وحدهم، فالراصد لمجازر العسكر وجرائمهم يدرك على الفور أن جرائمهم طالت جميع فئات المجتمع المصري، وإن كان ذلك لا يمنع أن الإسلاميين هم أصحاب الحظ الأوفر من مذابحهم؛ وذلك لأسباب متعددة، أهمها الانتشار الواسع للإسلاميين وقدرتهم الكبيرة على الحشد وصبرهم الطويل، كما أنهم من تمكنوا من الانتصار على العسكر وذيولهم في كل الاستحقاقات الانتخابية النزيهة التي جرت بعد ثورة يناير 2011م، وفازوا برئاسة الجمهورية وأكثرية البرلمان.

مذابح العسكر طالت جنود الأمن المركزي وثوار يناير ونشطاء القوى العلمانية والأقباط و"حازمون"، وإن كان الإخوان المسلمون هم من تعرضوا للنصيب الأكبر من المجازر والمذابح والاضطهاد؛ لانتشارهم الواسع وباعتبارهم أكبر تنظيم مدني قادر على مواجهة العسكر والتغلب عليهم وعلى ذيولهم في أي استحقاقات سياسية نزيهة، كما حدث بعد ثورة يناير.

في هذا التقرير ترصد "الحرية والعدالة" عدة مجازر نفذها العسكر طالت الجميع ولم تترك مصريا إلا وآذته، ومسه منها الضر والألم.

انتفاضة الأمن المركزي

هي أحداث وقعت في 25 فبراير 1986م، حيث تظاهر عشرات الآلاف من مجندي الأمن المركزي في معسكر الجيزة بطريق الإسكندرية الصحراوي؛ احتجاجًا على سوء أوضاعهم وتسرب شائعات عن وجود قرار سري بمد سنوات الخدمة من ثلاث إلى خمس سنوات.

استمرت حالة الانفلات الأمني لمدة أسبوع، أعلن فيها عن حظر التجوال، وانتشرت قوات الجيش في شوارع القاهرة، وقتل واعتقل العديد من جنود قوات الأمن المركزي، وبعد انتهاء هذه الأحداث واستتباب الأمن تم رفع حظر التجوال، وأعلن عن إقالة اللواء أحمد رشدي، وزير الداخلية آنذاك، وعزل العديد من القيادات الأمنية، واتخذت العديد من القرارات لتحسين أحوال الجنود والحد من أعدادهم ونقل معسكراتهم خارج الكتلة السكنية، كما اتخذت قرارات بتحديد نوعية الجنود الذين يلتحقون بالأمن المركزي مستقبلًا.

بدأت الأحداث في منطقة الأهرامات، مساء يوم الثلاثاء 25 فبراير 1986، وتطورت على نحو واسع. انطلقت الأحداث من معسكرين من معسكرات الأمن المركزي، يقع أولهما على الطريق بين القاهرة والفيوم، ويقع الثاني على الطريق بين القاهرة والإسكندرية. ففي السادسة من مساء ذلك اليوم بدأ ثمانية آلاف جندي مظاهرات احتجاجية بعد أن ترددت بينهم أنباء تفيد بأنه تقرر مد فترة التجنيد الإجباري لأفراد الأمن المركزي من ثلاث سنوات إلى أربع سنوات، وأن تخفيضًا صغيرا سوف يلحق برواتب الجنود، وتطورت الأحداث بعد ذلك شاملة ستة معسكرات مختلفة.

كان الوضع خارج القاهرة أقل حدة بكثير، حيث انحصرت انتفاضة الجنود في القليوبية والإسماعيلية وسوهاج داخل المعسكرات، واستطاعت قوات الجيش أن تحاصرهم وتنزع أسلحتهم بسهولة.

كان الاستثناء الوحيد في أسيوط حيث كانت الأحداث أشد عنفا. ويقال إن محافظ أسيوط آنذاك زكي بدر (الذي أصبح وزيرا للداخلية بعد ذلك) قد فتح الهويس (القناطر) في أسيوط؛ للحيلولة دون وصول جنود الأمن المركزي من معسكرهم في البر الشرقي الذي أحرقوه وخرجوا منه، وذلك علي غرار حادثة كوبري عباس الشهيرة. ولم يتم الكشف حتى اليوم عن عدد القتلى من الجنود حتى اليوم، وإن ترددت أنباء عن مقتل المئات منهم بطائرات الجيش ومدفعياته.

أحداث ماسبيرو

أحداث ماسبيرو أو مذبحة ماسبيرو، كما أسمتها بعض الأوساط الصحفية، وتعرف أيضًا باسم أحداث الأحد الدامي أو الأحد الأسود.

وهي عبارة عن تظاهرة انطلقت من شبرا باتجاه مبنى الإذاعة والتلفزيون المعروف باسم «ماسبيرو»، يوم الأحد الموافق 9 من أكتوبر 2011، ضمن فعاليات يوم الغضب القبطي، ردا على شائعات ترددت حول قيام سكان من قرية المريناب بمحافظة أسوان بهدم منزل أراد الأقباط تحويله إلى كنيسة دون ترخيص من السلطات. وأشعل الموقف تصريحات لمحافظ أسوان اعتبرت مسيئة بحق الأقباط. وتحولت إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات من الشرطة العسكرية والأمن المركزي، وأفضت إلى مقتل بين 24 إلى 35 شخصًا أغلبهم من الأقباط.

محمد محمود ومجلس الوزراء

أكدت تقارير رسمية أن الجيش قام بجرائم حرب في هذه الأحداث، التي وقعت في الشوارع المحيطة بميدان التحرير، وخاصة في شارع محمد محمود، بدءا من يوم السبت 19 نوفمبر 2011 حتى الجمعة 25 نوفمبر 2011.

ويعدها البعض الموجة الثانية لثورة 25 يناير, جرت فيها حرب شوارع واعتداءات دموية من جانب الجيش والشرطة بحق المعتصمين من أسر الشهداء والمتظاهرين، عقب مليونية «المطلب الواحد» 18 نوفمبر 2011، للضغط على المجلس العسكري لنقل السلطة إلى المدنيين.

وبحسب شهود عيان، قامت الشرطة وقوات فض الشغب بتصفية الثوار جسديا (وليس مجرد تفريقهم)، ووصفها النديم (مركز تأهيل ضحايا العنف والتعذيب) بأنها كانت حرب إبادة جماعية للمتظاهري، باستخدام القوة المفرطة وتصويب الشرطة الأسلحة على الوجه مباشرة؛ بقصد إحداث عاهات مستديمة بالمتظاهرين، كما تم استهداف المستشفيات الميدانية.

أدت الأحداث إلى مقتل أكثر من 80 ناشطا، بالإضافة إلى مئات المصابين، وكانت الكثير من الإصابات في العيون والوجه والصدر؛ نتيجة استخدام الخرطوش، بالإضافة إلى حالات الاختناق نتيجة استخدام الغاز المسيل للدموع.

وقامت منظمة العفو الدولية بمطالبة وقف تصدير الأسلحة والقنابل المسيلة للدموع للداخلية المصرية حتى إعادة هيكلة الشرطة، بعدما استوردت مصر من أمريكا 45.9 طنا من قنابل الغاز والذخائر المطاطية منذ يناير.

أما أحداث مجلس الوزراء أو اشتباكات مجلس الوزراء هي اشتباكات حدثت بداية من يوم الجمعة 16 ديسمبر 2011، بين قوات عسكرية مصرية من جهة وبين المعتصمين أمام مبنى مجلس الوزراء المصرى من جهة أخرى.

بعد محاولة فض اعتصام ميدان التحرير بالقوة يوم 19 نوفمبر 2011، والتي أدت إلى وفاة أكثر من أربعين متظاهرا، وتسببت في اندلاع مظاهرات عارمة في ميدان التحرير وميادين أخرى في مصر على مدى أسبوع، استمر اعتصام بعض المتظاهرين أولاً في ميدان التحرير، ثم انتقل إلى أمام مقر مجلس الوزراء المصري؛ احتجاجًا على تعيين الدكتور كمال الجنزوري رئيسًا لمجلس الوزراء.

بدأت الأحداث مع فجر يوم 16 ديسمبر 2011، عندما تم اختطاف أحد المعتصمين من قبل القوات العسكرية المتمركزة داخل مجلس الوزراء لتأمينه والاعتداء عليه بالضرب المبرح ثم إطلاق سراحه، ما أدى إلى تأجيج الغضب وبدء المناوشات والاشتباكات بين قوات الأمن والمعتصمين. وأسفرت الأحداث عن مقتل 17 أشهرهم الشيخ عماد عفت وإصابة 1917 آخرين من النشطاء.

مذبحة رابعة والنهضة

بعد انقلاب 30 يونيو 2013 على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، ارتكب العسكر أكبر مذبحة في تاريخ مصر والمنطقة العربية في ميدان رابعة العدوية بوسط القاهرة، وميدان النهضة بالجيزة، حيث استخدمت ميليشيات الجيش والشرطة العنف بصورة وحشية وغير مسبوقة. حيث قتلت الآلاف وحرقت جثث بعضهم ودهست مئات الجثامين بالمجنزرات والدبابات.

واختلفت التقديرات بشأن عدد القتلى والمصابين، حيث جاء تقرير وزارة الصحة المصرية بـ670 قتيلا ونحو 4400 مصاب.

ووثق كتاب "مجزرة رابعة بين الرواية والتوثيق" 802 قتيل، أما موقع "ويكي ثورة" المستقل فأعلن عن أنه وثق أسماء 932 قتيلا، وأن هناك 133 قتيلا آخر تم حصرهم بلا وثائق رسمية، إضافة إلى 29 قتيلا مجهول الهوية، وثمانين جثة مجهولة البيانات في مستشفيات وزارة الصحة، و81 حالة وفاة جرى الحديث عنها دون توفر بيانات كافية عنها، لكن المرصد المصري للحقوق والحريات وثق 1162 قتيلا، وأورد على موقعه قائمة كاملة بأسمائهم وأعمارهم وعناوينهم.

من جهتها، وصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ما حدث بأنه "على الأرجح جرائم ضد الإنسانية، وأخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث".

وقال المدير التنفيذي للمنظمة كينيث روث، في تقرير بعنوان "حسب الخطة.. مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر": إن "هذه ليست مجرد حالة استخدام مفرط للقوة أو سوء تدريب، بل كان قمعا عنيفا جرى إعداده على أعلى مستوى من الحكومة المصرية".

ونقل التقرير شهادات ناجين، فقال أحدهم: "كانت السماء تمطر رصاصا، ورائحة الغاز المدمع منتشرة، ثم على الفور رأيت الناس يضربون ويسقطون من حولي، نحن لم نسمع أي تحذيرات، كانت الأمور كالجحيم".

وبالتزامن مع مذبحة رابعة، شهدت ميادين مصر مذابح في نفس التوقيت، أسفرت عن مقتل المئات، ما يرفع عدد الضحايا إلى أكثر من ألفي شهيد وعشرات الآلاف من المصابين والجرحى. كما تم اعتقال أكثر من 80 ألفا من أنصار الشرعية وثورة يناير، وفرار الآلاف إلى الخارج بعد أن تحولت مصر بعد الانقلاب إلى سجن كبير سجانه جنرال طائش.

 

Facebook Comments