كتب – هيثم العابد

لم يكن الحريق الذي شب صباح اليوم فى قطار منوف، سوى حلقة جديدة من مسلسل الانهيار الحاد الذى ضرب مفاصل تلك المنظومة المتهلك لقطاع السكك الحديدية الذى يجسد بجلاء مأساة إهدار المال العام الممنهج وابتلاع ميزانية الدولة فى جيوب الجنرالات والمرضى عنهم من النظام الحاكم، فيما يترقب المواطن البسيط مصيره المحتوم مع كل تذكرة قطار يقطعها يوميا، ليحمد ربه على النجاة فى كل مرة ويتنظر المجهول فى اليوم التالي.

رحلات القطارات المصرية هى تذكرة ذهاب بلا عودة، وسفر محتوم إلى الأخرة قد يتأخر مصادفة فى رحلة عابرة ولكنه يأتي دون مفاجآت وهو ما يؤكده التاريخ فى العياط وكفر الدوار وأخواتهم، ويثبته الواقع يوميا من أعالي الدلتا إلى أقاصي الصعيد، ولن يتغير الحال مستقبلا، طالما واصل القابعون على رأس السلطة اتهام "الكراتين" وإلقاء التبعية على رأس "الزحام" وإلصاق الجريرة بـ"القضاء والقدر".

حريق اليوم الذى التهم قطار منوف، كشف عن طلاسمه سريعا، بعدما أكد مصدر مسئول بسكك حديد مصر، أن النيران التى أتت على القطار حدثت نتيجة "الكراتين" التى يحملها الركاب في أثناء صعودهم القطار للجلوس عليها بسبب الزحام.

وزاد المصدر –من الشعر بيت- فى تصريحات لـ صحيفة "اليوم السابع" الموالية للنظام، مؤكدا أن أحد الركاب قام بإشعال سيجارة وإلقائها على أحد الكراتين الملقاه بجوار دورة مياه القطار الأمر الذى تسبب فى إشعال الحريق، مضيفا أنه مع سير القطار فى اتجاه معاكس للهواء أدى إلى اشتعال العربة بالكامل دون وقوع أى إصابات.

وما بين اتهام "السيجارة" وملاحقة "الكراتين"، يمكن الزعم بأن الأمور تسير داخل أروقة الهيئة المتهالكة على أفضل ما يكون، لولا التقارير الصادرة من هيئة السلامة وإدارة المخاطر ومن لجنة الطوارئ والتى تكشف عن إهدار قرابة 121 مليون جنيه على مدار 3 سنوات لم تتوقف تبعاتها عن حد الخسائر المادية وإنما تجاوزتها إلى خروج قطارات بأكملها خارج المنظومة بعد أن أنهكها الصدأ وأتت عليها "البرومة".

المأساة التى تواطئت خلالها الهيئة مع محطة غسيل أبو غاطس –حسب جريدة خالد صلاح- تعود إلى التعاقد المبرم بين الطرفين بتاريخ 15/3/2010 للقيام بأعمال النظافة الداخلية والخارجية للقاطرات وعربات الركاب إلى جانب أعمال التأمين بتكلفة بلغت 121.347 مليون جنيه.

التقرير أوضح أن أعمال النظافة -حسب تقارير هيئة السلامة وإدارة المخاطر، الصادرة فى عامى 2012- تسببت فى تلف القطارات وتآكلها وظهور الصدأ على العربات بعد دخول المياه إلى داخل العربات بسبب عمليات الغسيل العشوائية، حيث أوضح تقرير لجنة الطوارئ بقطاع السلامة وإدارة المخاطر الموجه إلى رئيسى الإدارة المركزية لقطاع المسافات الطويلة والقصيرة أنه تبين ظهور البارومة والصدأ على العربات المميزة والمطورة الموجودة بالمغاسل الآلية بسبب دخول المياه من خلال الأبواب المفتوحة والنوافذ، في أثناء عملية الغسيل، وهو ما يتسبب فى تآكل هياكل القطارات.

المخالفات لم تتوقف عند هذا الحد، حيث أشارت التقارير إلى وجود المياه على مقاعد الركاب وهو ما يعمل على إزعاجهم، وبذلك لا تؤدى الخدمة المطلوبة، وهو ما أكده محضر المعاينة الصادر عن الإدارة المركزية للفحص والتفتيش بتاريخ 14/10/2012 الذى جاء فيه بمعاينة العربة رقم 115670 بورش أبوغاطس المتروكة بمحطة قليوب وجد هبوط بأرضية العربة وانحناء الكمرة الطولية بسبب انتشار «البارومة» فى القوائم الرأسية نتيجة لتراكم مياه الغسيل فى العربات.

وأشار التقرير -الذى حمل توقيع محمد أحمد خطاب، نائب رئيس مجلس الإدارة لقطاع السلامة وإدارة المخاطر، بتاريخ 18/2/2013، والموجه إلى رئيس مجلس إدارة هيئة السكة الحديد- إلى أن الغسيل الآلى للقطارات يصيب الوحدات المتحركة بالبارومة، كما أكد أن عدد العمال بالشركة لا يكفى لحاجة العمل الفعلية؛ حيث رصد التقرير وجود 19 عاملا يتم تقسيمهم فى الوردية الصباحية على 190 إلى 195 عربية مميزة، وما يقرب من 26 عربة مكيفة، وهو ما يعنى أن كل عامل مسئول عن نظافة 7 عربات إلى جانب نظافة السكك والمجارى بالورشة، مما يؤدى إلى إهمال جسيم فى مستوى النظافة للعربات.

وبالعودة إلى نصوص التعاقد بين الشركة والهيئة؛ يتبين أن تلك الملاحظات تشكل مخالفات صريحة للبند الثامن الخاص بالتزامات الشركة ومسئوليتها الذى ألزم الشركة محل التعاقد، بتوفير المعدات والخامات والأجهزة التى سوف يستخدمها عمالها فى مكان الخدمة، وفقا لأحدث الأساليب العلمية المتوفرة لأداء الخدمة، وأن تداوم على تحديثها وصيانتها لتكون على مستوى عال من الأداء طول فترة تنفيذ العقد وتجديداته.

وبحسب البند الثانى من التعاقد فإن الشركة مسئولة عن تأمين مداخل ومخارج الورش والمخازن والمعدات والآلات، والقيام بأعمال تأمينية داخل وحول مناطق الورش والمخازن، وإبلاغ الشرطة بأى اشتباه فى أى نشاط بداخل أو حول المنطقة المؤمنة، واستخدام التقنية الفنية للتأمين؛ حيث تم التعاقد على توريد وتركيب منظومة مراقبة تليفزيونية لمناطق الفرز، وقد بلغت تكلفة «الكاميرات» فى ورش الفرز وأبوغاطس وحدها 166761.46 خلال عام 2012 فقط.

ورغم الكوارث المتلاحقة، تتكبد هيئة السكك الحديدية ملايين الجنيهات تقوم بدفعها للشركة المسئولة عن أعمال النظافة والتأمين وهو ما يكشفه التقرير الصادر من الجهاز المركزى للمحاسبات الخاص بمتابعة وتقويم أداء نشاط الهيئة، الذى كشف عن أن الهيئة تكبدت 67.374 مليون جنيه من عام 2011 إلى 2012 مقابل 53.973 مليون جنيه من عام 2010 إلى 2012 بزيادة بلغت 13.401 مليون جنيه.

ومع تنصل المسئولين من المسئولية والتأكيد على أن الغسيل الألي هو الطريقة الأمثل مع تجاهل كافة التقارير لأنها غير ذات أهمية، كما قال المهندس أشرف محمد -مسئول المغاسل الآلية بشركة السكك الحديدية للخدمات المتكاملة لأعمال النظافة والتأمين- حسب اليوم السابع، فإن "الكراتين" تبقى المتهم الأوحد فى منظومة السكة الحديد ولا عزاء للمواطنين.

Facebook Comments