كتب- سيد توكل:

 

"من أصدر وعد بلفور المشئوم وشرد ملايين الفلسطينيين، لن يعذبه ضميره إذا ما أيد انقلابًا أشد شؤمًا في مصر"، هكذا حال الحكومات البريطانية التي تغلب المصالح على ما عداها.. وأن كان ما عداها دم يراق أو نفس تزهق أو كرامة تنتهك!.

 

تأخرت كثيرًا براءة لجنة الشئون الخارجية في البرلمان البريطاني لجماعة الإخوان المسلمين في مصر من تهمة الإرهاب، تأخرت للدرجة التي بات متعذرًا معها عودة الشهداء من قبورهم ومسح عذابات الألم عن آلاف المعتقلين.

 

اختيار الوقت الذي خرجت فيه اللجنة تبرئ الإخوان، تزامن مع مخاوف متزايدة من حلفاء الانقلاب على سير الأمور في مصر، حتى إن إسرائيل أقرب الحلفاء جغرافيًا وعاطفياً إلى جنرالات الانقلاب، خرجت عن صمتها وعبرت عن مخاوفها فيما لو أسقطت الأوضاع المعيشية الجنرال السيسي، الذي نعتته بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي بـ"كنز إسرائيل الاستراتيجي"!

 

ما وراء اللجنة؟

 

في بريطانيا يعرف الجميع المجزرة الصينية على ساحة "تيانانمين" عام 1989 ، التي راح ضحيتها مئات الطلبة الصينيين، وتتجاهل لندن أن ميلشيات السيسي قتلت 817 مصريًا في ميدان رابعة العدوية في القاهرة في أغسطس 2014، والفارق فقط هو أن إحدى الجريمتين ارتكبت من قبل عدو رسمي "الصين"، أما الأخرى من قبل صديق رسمي "الانقلاب". 

 

استيقظت اللجنة البريطانية من غفوتها بعد مرور 4 سنوات على انقلاب عبد الفتاح السيسي، وانتقدت الطريقة التي سارت بها التحقيقات التي أجرتها وزارة الخارجية في هذا الشأن ووصفتها بعدم الشفافية ، وإن كانت اللجنة قد انتقدت الإخوان أيضا ووصفتهم بعدم الشفافية! 

وظهر الموقف البريطاني تجاه ثورة 25 يناير بشكل واضح في زيارة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي للندن بناءً على دعوة رئيس وزرائها ديفيد كاميرون، حيث بدا أن المملكة المتحدة وضعت المصالح الاقتصادية والسياسية في شرق المتوسط، فوق اعتبارات حقوق الشعوب.

 

استقبل كاميرون السيسي الذي قاد انقلابًا على أول رئيس منتخب في مصر، ليتحول من جنرال إلى رئيس جمهورية بالقمع، ويشهد عهده انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، رغم إشادته (أي كاميرون) قبل حوالي أربع سنوات بالديمقراطية، عندما كان المحتجون على نظام مبارك يتظاهرون في ثورة 25 يناير.

 

واستشهدت اللجنة التي استيقظت متأخراً بتجربة الإسلاميين في تونس والتزامها بالديمقراطية والسلمية، كما اعتبرت أن الإجراءات الأمنية القاسية التي جرت في مصر من شأنها أن تدفع بعض الأشخاص إلى التطرف، إلا أن الجماعة نفسها لم تتورط في العنف ـ بحسب التقرير ـ معتبرة أنها لو انحازت للعنف لكان الوضع أكثر سوءا في مصر. 

وزيادة في مساحيق التجميل للوجه البريطاني الكالح، أضافت اللجنة في تقريرها الصادر ليلة الاثنين السادس من نوفمبر عن التحقيق الذي أجرته حول تعامل الحكومة البريطانية مع ملف الإخوان، إن "على وزارة الخارجية البريطانية إدانة النفوذ الذي يمارسه العسكريون (في مصر) في السياسة على اعتبار أن ذلك مناقض للقيم البريطانية".

 

مجرد قلق!

مثل نظام الرئيس المنتخب محمد مرسي عقبة خطيرة أمام صفقات بريطانية مع مصر، كانت حكومة كاميرون تريد من خلالها امتيازات كتلك التي كان معمول بها أيام الانتداب البريطاني مطلع القرن الماضي، وكان كونسورتيوم تقوده شركة بي.بي دخل في مساومات بشأن شروط مشروع غرب النيل لسنوات. 

وكانت الشركة تسعى إلى ملكية كاملة للموارد المصرية ونسبة 100% من الأرباح، اعترضت حكومة "مرسي" بشكل واضح على شروط الشركة البريطانية، التي كانت تستنزف موارد المصريين دون عائد يذكر. 

بحلول منتصف عام 2013، قبل أسابيع قليلة من الانقلاب، كانت حكومة الرئيس "مرسي" تخوض محادثات مع الشركة البريطانية بشروط أفضل بكثير. 

تغير كل ذلك بعد انقلاب "السيسي"، الاتفاق الجديد في ظل النظام العسكري الآن يقدم إلى بي بي شروطًا سخية جدًا، والأهم من ذلك، أنه انتقل بمصر بعيدًا عن نموذج تقاسم الإنتاج المستخدم عادة بين الشركات والدول والذي يقسم الأرباح بنسبة 80:20 إلى خطة ضريبية تخصخص قطاع الغاز المصري، وتنقل السيطرة والإشراف على المصادر الطبيعية إلى شركات القطاع الخاص.

 

تم التوقيع على هذه الصفقات في حين كانت الحكومة البريطانية تدرك فيه تماما أن القمع في مصر يزداد في كل عام تواصل فيه حكومة الانقلاب إحكام قبضتها على السلطة. 

 

كاميرون يفضل القمع!

 

شهد عام 2013 تدهور حالة حقوق الإنسان في مصر وفقا لما أكدته وزارة الخارجية في إبريل 2014، ولوحظ أن حالة حقوق الإنسان في مصر ظلت فقيرة وشهدت المزيد من التدهور في بعض المجالات خاصة حرية التعبير والاجتماع.

 

وفي الآونة الأخيرة، لاحظ تقرير حقوق الإنسان الصادر عن وزارة الخارجية أن "عام 2015 شهدت زيادة التقارير حول حالات التعذيب الوحشية للشرطة وحالات الاختفاء القسري"، وأن "القيود المفروضة على حرية التعبير زادت بدورها".

 

وعلى الرغم من هذه المعرفة، ففي أغسطس عام 2015، قدم "مايكل فالون" تبريرا مذهلا للقمع من خلال ما كتبه في أحد الصحف المصرية أن "المصريين رفضوا كلاً من التطرف والاستبداد". 

 

وفي الوقت نفسه، يبدو أن السفير البريطاني "جون كاسون"، أقنع نفسه أن المصريين الآن يبنون دولة أكثر ديمقراطية وازدهارا، حيث نقلت وسائل الإعلام المصرية في يونيو 2015 عن "كاسون" موافقته على "القمع والانتهاكات والتعذيب والاعتقالات .. بل والتصفية خارج القانون" في مصر. 

 

الحكومة البريطانية لا تدعم الأنظمة القمعية فقط لأنها أنظمة قمعية، ولكن بالتحديد لأنها أنظمة قمعية، وموالية للغرب، وتوفر مناخا استثماريًا جاذبًا.

 

 

Facebook Comments