المصريون من “أد الدنيا” إلى “عاوزيينها زي ما استلمتها”

- ‎فيأخبار

كتب- أحمد الحصري:

 

باتت الأوضاع في مصر خلال الشهرين الأخيرين أكثر قسوة على معظم المصريين ، خاصة هؤلاء الذين لا يقدمون برامج الـ"توك شوز" ولا يتسابقون على شراء شقة في أحد "الكومباوندات" التي تحاصرهم إعلاناتها عبر الشاشات وعلى الكباري ، وغير قاطني مارينا أو حي السفراء في التجمع الخامس.

 

وينتشر المتأثرين بارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة في شوارع المحروسة وحواريها وأزقتها ، وهم الذين كانت أمورهم تسير "بالكاد" نتيجة الدفعة التي كانت تمنحها لهم "الجمعيات" التي لا يتوقفون عن الاشتراك فيها ، لعبور حواجز  "رمضان" ، و"المدارس" ، والعيدين" ، وملابس "الشتاء والصيف" .

 

تعود هؤلاء على "التدبير" ، والوصول إلى نهاية الشهر بنجاح منذ سنوات طويلة استمعوا خلالها إلى عددلا نهائي من نداءات شد الحزام والصبر حتى تمر الأزمة ، إلا أن الأزمة لم تمر ، كما أنهم لم يتمكنوا من فك الحزام منذ الستينات وحتى الآن ، حيث توهمهم الحكومات المتعاقبة بأن فك الحزام شر محض ويحتوي على سم قاتل لا يستطيع أحد مقاومته أو النجاة من تأثيره المدمر . 

 

كانت الأمور تسير ، "وأهي ماشية ، وربك بيدبرها مع الكل" ، إلا أن هذا "الكل" انتظر تغيرا في الأوضاع ، خاصة هؤلاء الذين صدقوا قائد الانقلاب حين صب لهم "الطحينة" على البحر حتى امتلأ ، وباتت قلوبهم معلقة بقراراته النافذة التي سوف تحيل مصر إلى جنة في غضون سنوات ، وبأن "مصر تستيقظ" ، و"تحيا مصر رغم أنف الحاقدين" ، وأن المؤامرة الكونية التي قادتها مخابرات العالم لوقف مسيرة التقدم المصري باءت بالفشل بفضل يقظة أبنائها وشعورهم بالمسؤولية الوطنية . 

 

ولم يكذب هذا القطاع من المصريين خبرا ؛ فهيأوا جيوبهم الخاوية للامتلاء ، ووعدوا أبناءهم بأن "العز عرف دارهم" ، وأن الخير لن ينقطع "من هنا ورايح" ، وغذى تلك النظرة احتفال مهيب بافتتاح "قناة السويس الجديدة " والمؤتمر الاقتصادي ، فتوعدوا بعدهما المعارضين لهذه الرؤية بعدم شمولهم ضمن هذا التقدم وتلك التنمية ، لأن "اللي مكانش له خير في مصر عمر مصر ما هيكون لها خير فيه" ، كما أنهم صدموهم بعدم الاستفادة من جهاز علاج كافة الأمراض الذي صنعته الهيئة الهندسية ،وبأنهم لن ينعموا بالخير الوفير الذي سيهل على المصريين "صبا صبا" . 

 

وبعد ثلاث سنوات من انقلاب المؤسسة العسكرية على الحكم المدني ، الذي لم يكمل عامه الأول والوحيد في السلطة ، اكتشف المصريون أن ما داعب خيالهم خلال السنوات الثلاث لم يكن إلا أحلاما لذيذة ، ومحض خيال صنعه قادة الانقلاب ، وصدقه عدد لا بأس به من المصريين ، بصرف النظر عن الشهادات الجامعية ، أو الممارسة السياسية ، أو النشاط الثوري الذي يتمتع به الكثير من هؤلاء "المصدقين" . 

 

واليوم .. أدرك جانب كبير من هذا "القطاع" أن ما "وعدهم السيسي كان غرورا " ، وأنه لا تقدم ولا تنمية ولا مليارات ولا "حنو" على الشعب الذي عانى كثيرا ؛ بل مزيد من القرارات القاسية التي لم يتمكن أحد المسؤولين على اتخاذها من قبل ؛ بسبب شدتها ، وإغمادها السكين في جسد واهن كان يمني نفسه بالعلاج ففوجيء برصاصة الرحمة تأتيه من حيث لا يحتسب . 

 

وليس بعيدا عن ذلك الخبر الذي طيرته المواقع الإلكترونية أمس ، الاثنين، بانتحار  مواطن ألقى نفسه من عقار بجوار قسم شرطة السيدة زينب ، لينضم إلى طابور طويل من المتخلصين من حياتهم خوفا من الفقر وهربا من صرخات الجوع التي يطلقها أبناءهم أو عجزهم عن تلبية المطالب البسيطة لزوجاتهم ، بسبب ثبات الرواتب وقفز الأسعار ، وسط مباركة من حكومة الانقلاب التي تفرغت للجباية دون أن تسعى إلى وضع جنيه واحد في جيوب المواطنين الخاوية . 

 

كما يطارد شبح الموت آخرين ؛ بسبب الندرة المتوقعة للعديد من الأدوية الضرورية لمرضى السكر والكلى والقلب ، والحوامل ، وغيرهم، بعد وقف شركات الأدوية استيراد أنواع لا بدائل لها ، مما يرشح أعداد الموتى للزيادة بشكل لم يسبق له مثيل ، لينضموا إلى قائمة الراحلين ضحية السيول والذين قاربت أعدادهم في أول سيل من 30 ضحية في رأس غارب والصعيد ، أو الذين يموتون يوميا على الإسفلت ، وآخرهم اليوم "الثلاثاء"بوفاة سائق ومشرفتين وإصابة 18 على طريق السويس ، رغم الوعد "منذ عامين" بأنه سيتم إنشاء أقوى شبكة طرق في مصر خلال عام ، 

 

وفي جولة سريعة على صفحات "التواصل الاجتماعي" نقرأ عن أقوى حملة لـ"الانتحار الجماعي" وعن أكبر نسبة هجرة من مصر ، وعن الدعوة التي أطلقها كثيرون بأنهم لا يريدون بأن تكون مصر "أد الدنيا" ؛ بل أن يعيد قائد الانقلاب مصر كما استلمها دون زيادة أو نقصان .