فشل “ضياء رشوان” كنقيب للصحفيين يفترض أن يدافع عن حرية الصحافة، في أول اختبار له في أزمة BBC وتغلبت عليه مواصفات الموظف الحكومي (رئيس هيئة الاستعلامات) الذي يتلقى أوامره من سلطة الانقلاب ويصدر بيانات تدين الإعلام الأجنبي لأنه يغرد خارج السرب الحكومي ولا يلتزم بالمانشيتات الموحدة، وبيانات لشئون المعنوية العسكرية للصحفيين.

ورفض عشرات الصحفيين انتخاب ضياء رشوان في انتخابات نقابة الصحفيين الأخيرة بسبب سعيه للجمع بين منصب النقيب المفترض أنه “مستقل” ومنصب رئيس هيئة الاستعلامات التي يتلقى بموجبه أوامره من سلطة الانقلاب المعادية للحريات، واختار 1585 صحفيا منافسه رفعت رشاد، فيما أبطل 235 آخرون أصواتهم لهذا السبب.

وأثبت نقيب الصحفيين بهجومه على هيئة الإذاعة البريطانية أنه لا يصلح لمنصب النقيب بعدما تخلى عن مهمته في الدفاع عن الصحفيين ولبس رداءه الحكومي كرئيس للهيئة العامة للاستعلامات وهاجم الـ”بي بي سي” بضراوة ليثبت أنه موظف حكومي ومتحدث باسم النظام.

وأصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا يدين موقع «بي بي سي» التابع لهيئة الإذاعة البريطانية لنشره ما وصفته بـ«التحريضي المُسيء»، وذلك في إطار تغطيته للحملة ضد عبد الفتاح السيسي باسم (اطمن انت مش لوحدك) وطالبت الهيئة الحكومية كافة المسئولين المصريين بمقاطعة الهيئة الإعلامية البريطانية إذا لم تعتذر عما ورد بالتغطية المنشورة!!.

سبق للاستعلامات الدخول مع بي بي سي في أزمات أخري في نوفمبر 2017 ثم فبراير 2018، بعد نشر القناة تقريرًا عن الأوضاع السياسية السيئة في ختام المُدة الرئاسية الأولى للسيسي وفيلمًا وثائقيًا تضمن سرد لحالات الاختفاء القسري في مصر، تحت عنوان “سحق المعارضة في مصر”.

إعلام الصوت الواحد

والطريف أن إعلام الصوت الواحد الذي يلتزم بموجبه رؤساء تحرير الصحف الحكومية والخاصة بنشر المانشيت المرسل لهم من الشئون المعنوية العسكرية والمخابرات، واخره المانشيت الفضيحة (السيسي ينتصر لأصحاب المعاشات) الذي نشرته قرابة 10 صحف حكومية وخاصة، شارك في دعم ضياء رشوان وهيئة استعلاماته في الهجوم على الإذاعة البريطانية لأنها تناولت الهاشتاج الذي يقلق الانقلاب ودعوات التظاهر ضد الانقلاب.

إذ تسعي سلطة الانقلاب لفرض “اعلام الصوت الواحد” على الاعلام الأجنبي كما فرضته على الصحافة والاعلام المصري، لهذا شارك المجلس الأعلى للإعلام الحكومي في الحملة ضد قناة BBC ووصفها بأنها “تخالف المهنية وسنحقق في توجيهها إهانة لمصر”، وأوصي باتخاذ الإجراءات القانونية ضدها والتي تشمل توجيه إنذار وتوقيع غرامة 250 ألف جنيه لاتهامها بسب المصريين!

كما شارك محامي الانقلاب سمير صبري في الجوقة القمعية بدعوى مستعجلة للمطالبة بغلق مكتب قناة “bbc” في مصر، ومحامي الانقلاب طارق محمود ببلاغ للنائب العام يتهم فيه القناة بإهانة الشعب المصري والإساءة اليه وسب وقذفه من خلال البرامج التي تقوم ببثها!!.

ودشنت لجان الانقلاب الإلكترونية حملة شتائم تليق بهم ضد القناة بهاشتاج (#بي_بي_سي_ولاد_ستين..)، وهو ما فضحه نشطاء، معتبرين أن الحملة على الإذاعة البريطانية سببها أنهم يريدونها تحت سيطرة إعلام المخابرات وإعلام الشئون المعنوية.

وقد أحرجت مراسلة BBC في القاهرة، “السيسي” خلال منتدى شرم الشيخ نوفمبر 2018 خلال لقائه مع المراسلين الأجانب بسبب هذا الهجوم المستمر على الإذاعة من الإعلام الحكومي وسألته: كيف يروج في منتدى الشباب لثقافة الاختلاف والتنوع، في حين أنه لا يوجد سوي “صوت واحد” في الإعلام المصري يريدون فرضه على الجميع؟ وكيف يمارس الإعلام دوره في ظل القوانين القمعية الأخيرة التي تحوي الكثير من المنع والتقييد، فلم ينف قائد الانقلاب وجود هذا التوجه للصوت الوحد بل وانتقد عدم قدرة إعلاميي الانقلاب حتى على نقل هذا “الصوت الواحد”!.

ولكن السيسي هاجم الاعلام الأجنبي بدعوى أنه “يعالج القضايا بعيون غربية تناسب المجتمعات التي يبث منها وأن الظروف التي تمر بها مصر مختلفة ويجب عدم معالجة القضايا من جانب واحد هو الانتقاد أو جانب المعارضة”؛ ما يعني أنه لا يريد سوى الصوت الواحد ويسعى لفرضه على الاعلام الأجنبي مثل المصري.

بل وبرر قائد الانقلاب فرضه عشرات القوانين والتشريعات التي تقيد الإعلام، بأن الاعلام الأجنبي دعم ثورة 25 يناير (أي الثورة الشعبية) ما يؤكد أنه يخشى الاعلام الحر أو السماح بأي نسبة لحرية الاعلام؛ لأن انتقاد الإعلام لمبارك سابقًا تسبب في ثورة شعبية.

كيف يقمع الانقلاب الإعلام الأجنبي؟

وسعى السيسي عقب انقلابه العسكري لقمع الصحافة المصرية والسيطرة عليها وقتل الحريات أولاً، وحين وجد تسربًا لفضائح وجرائم الانقلاب عبر المراسلين الاجانب، بدأ في حملة قمع ومطاردة وتضييق عليهم دفعت الكثير منهم لترك مصر.

وأطلقت الهيئة العامة للاستعلامات (هيئة حكومية) مكتبا جديدا لمراقبة الصحافة الأجنبية يحمل عنوان «Fact Check Egypt»، أو «مكتب التحقق من المعلومات بمصر، هدفه مراقبة التقارير الصحفية، والتأكد من طبيعة المصادر وصحة المعلومات المنشورة، بحسب ما أعلن، بينما يري مراقبون أن الهدف هو “الرقابة” على الصحافة الأجنبية التي تنتقد النظام الحالي بصورة كبيرة.

وانتقد صحفيون أجانب هذا المكتب، ووصف أخرون بأنه مكتب للرقابة، وأن هدفه هو سجن الصحفيين الأجانب مثل المصريين كما حدث مع صحفيو الجزيرة الثلاثة.

ويشكو صحفيون أجانب من تشديد السلطات المصرية مؤخرًا قبضتها على عملهم بعدما قامت بالسيطرة الكاملة على وسائل الاعلام المحلية، بهدف منع نشر ما يتعارض مع ما تنشره الة الدعاية العسكرية، وقالوا إنهم يواجهون بسلسلة من المضايقات والقيود، وتهديدات بتلفيق تهم لهم.

وكان آخر هؤلاء الصحيفة البريطانية، “بيل ترو” مراسلة صحيفة “التايمز” من القاهرة، التي قالت إنه تم اعتقالها واحتجازها 7 ساعات في مركز أمني مارس 2018، وتهديدها بمحاكمة عسكرية ما لم تغادر مصر بدون حتى ان يسمح لها بأخذ ملابسها.

وأوضحت أن ذلك حدث بسبب قيامها بإعداد تقرير عن الشباب المصري الذي يهاجر ويغرق في البحر، وإبلاغ “مخبر” كان يجلس على مقهى كانت تحاور فيه قريب أحد الشباب الغرقى، السلطات، كذبا، أنها تكتب عن الانتخابات والقمع وأوضاع السجون وتشوه صورة مصر.

وسبق أن شنت هيئة الاستعلامات الحكومية حملة قمع وتهديد شرسة ضد “بي بي سي” بسبب تقرير عرضته القناة البريطانية حول التعذيب في مصر والاختفاء القسري، وتناول ما تعرضت له فتاة تدعى «زبيدة» من تعذيب داخل مصر.

وقد ضغطت السلطات الأمنية على “زبيدة”، واضطرتها للظهور مع عمرو اديب لتنفي اختفائها قسريًا، واستغلت ذلك في مطالبة القناة البريطانية بالاعتذار، بيد أن ام “زبيدة” ظهرت تؤكد أن ابنتها في يد اجهزة الامن ومختفية، ما ادي الي اعتقال الام ايضا وتلفيق تهم قضائية لها.

ايضا وقع اشتباك آخر بين الهيئة الحكومية و«بي بي سي» ووكالة أنباء «رويترز» الإخبارية في أكتوبر 2017، بسبب نشر الأخريين حصيلة القتلى من ضحايا حادث طريق الواحات منسوبة لمصادر غير رسمية، ولم تصدر بيانات رسمية تقدر عدد الضحايا هذا الحادث إلا في اليوم التالي لوقوعه.

واتهمت سلطة الانقلاب كلا من رويترز وهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) بالتغطية ”غير الدقيقة“ للاشتباكات التي دارت في الصحراء الغربية بين قوات الأمن ومسلحين قتل فيها عدد من ضباط ومجندي الشرطة عام 2018.

وقالت وزارة الداخلية حينئذ إن 16 ضابطا ومجندا قتلوا وأصيب 13 آخرون بالصحراء الغربية بعدما تعرضوا لإطلاق نار كثيف من مجموعة مسلحة، لكن ثلاثة مصادر أمنية أبلغت رويترز أن ما يصل إلى 52 من الشرطة قتلوا في اشتباكات أطلق فيها المسلحون صواريخ على قافلة للشرطة.

وزعمت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر في بيان إن رويترز ارتكبت ”أخطاء مهنية فادحة“ بالاستناد إلى ”مصادر أمنية لم تحددها… بينما لم تنتظر أي منهما أو تلجأ الى السلطات الأمنية الرسمية لكي تحصل منها على المعلومات الحقيقية”!!.

وانتقدت هيئة الاستعلامات أيضا استخدام كلمة ”مقاتلين“ في النسخة الإنجليزية من القصة التي نشرتها رويترز بدل مصطلح “الإرهابيين”.

وبسبب القيود والمضايقات للصحفيين الأجانب، غادر بعض المراسلين الأجانب مصر خاص عقب قانون الإرهاب تسجن الصحفي الذي ينشر بيانات ومعلومات تخالف المعلومات التي يعلنها الجيش والحكومة.

وضمن سلسلة التضييق على المراسلين الأجانب، أمرت السلطات المصرية بإجراء تحقيق جنائي ضد صحيفة “نيويورك تايمز” ردًّا على نشرها تسريب لمسؤول استخباراتي وهو يعطي تعليماته لمحطات التلفزيون المصرية ماذا تقول؟

ووقعت أكثر من أزمة بين المراسلين الاجانب في مصر، والجهات الرسمية، دفعت بعضهم لسرد المشاكل التي يعانونها من أجل التغطية الاعلامية للأحداث في صحفهم بدل نشر أخبار مصر، ومغادرة أخرين لمكاتبهم بالقاهرة.

وقال ريكارد جونزاليس (36 عاما) وهو مراسل «الباييس» في مصر منذ 2011 وكذلك صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية، إنه غادر مصر بسبب “خطر الاعتقال الوشيك”.

وفي أغسطس 2016 قالت مراسلة إذاعة “إن بي آر” الأمريكية أنها غادرت مصر خوفًا، وكتبت المراسلة “ليلى فاضل” التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والأمريكية، في 26 أغسطس الماضي عبر حسابها على تويتر تقول: “أغادر القاهرة بعد أن مكثت هنا حوالي 6 سنوات، قطعت تذكرة ذهاب بلا عودة، سأفتقدكم”.

وأجرت الإذاعة الأمريكية مقابلة إذاعية مع “فاضل” قالت فيها إن من أسباب مغادرتها مصر مناخ الخوف الذي تشعر به، وتغير الأمور بشكل كبير عما كانت عليه عقب الربيع العربي، حيث زادت مساحة حرية التعبير آنذاك.

وأضافت: “لم تعد هنالك خطوط حمراء وهناك حكومة ودولة تبدو مصابة بقدر هائل من جنون العظمة، ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تفعله”.

ولخصت الصحفية “كريستين شيك”، ما أسمتها “مخاطر العمل كصحفي في مصر” في تقرير نشرته بدورها بموقع مجلة فورين بوليسي بعنوان “العمل مراسلا في مصر هو أخطر مهمة في مهنة الصحافة”.

وروي “روجر ماكشين” رئيس مكتب مجلة الإيكونومست في القاهرة، في مقال بعنوان: “مشكلة العلاقات العامة في مصر” نشره بمجلة 1843 التابعة للصحيفة، تفاصيل عن “سوء معاملة السلطات المصرية للصحفيين الأجانب”.

وقال “ماكشين” إن “الحكومة المصرية تريد من الصحفيين الأجانب نشر صورة إيجابية عن البلد، وحين نكتب ما نراه يصفوننا بالوقاحة؟”.

وأشار مدير مكتب “الايكونوميست” إلى أنه “يتم منعنا من تغطية الأحداث ويتم وصفنا بالانحياز، وبعد ذلك يتم دعوتنا لحضور كبرى الاحتفالات والمؤتمرات والتي يتم منعنا خلالها من إعداد التقارير ثم يتم اتهامنا بالانحياز!”.

وقال مراسل الصحيفة: إن “كل الدول الاستبدادية تسعى إلى السيطرة على وسائل الإعلام، ولكن في مصر، التجربة تميل نحو اللامعقول”، مشددا على أن “الأمور في مصر تميل إلى السخف”.

وفي أغسطس الماضي 2016، نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، تحقيقًا تحت عنوان “تخريب مصر”، وردت الخارجية المصرية، على ما نشرته المجلة الاقتصادية الشهيرة، في بيان، على حساب وزارة الخارجية على فيس بوك، تحت عنوان “تخريب الإيكونوميست” اتهمت فيه المجلة بالعمل على “تقويض مصر”.

وأزعج مقال الصحيفة البريطانية الانقلابيين بعد اتهامها السيسي بعدم الكفاءة في إدارة مصر، وتمنت أن يعلن (السيسي) عدم ترشحه في تمثيلية انتخابات 2018 الأخيرة، واصفه إياها بأنها “خطوة إيجابية” لو تمت، وهو ما لم يحدث.

وبسبب القمع الأمني لمدير مكتب مجلة “الإيكونوميست” بالقاهرة، كتب يقول: “إن مجرد نشر تقرير به آراء خبير اقتصادي ينتقد سياسة مصر الاقتصادية جعل الحكومة تتعامل معنا كأننا نتعاون مع “الإخوان المسلمين” ضدها!!.