أم الرشاش هي الحبل السُري بين مصر والعرب، وهمزة الوصل بين المشرق والمغرب العربي، ومن هنا تأتي أهميتها لدى مصر باعتبارها أرضًا مصرية تختصر المسافات بين الدول العربية، ولنفس السبب أيضًا تظهر أهميتها لدى إسرائيل والتمسك باغتصابها لفصل وإبعاد مصر عن الدول العربية، لكونها محطة أساسية واستراتيجية يمر عليها الحجاج في طريقهم إلى الحجاز.

ولم تُخفِ إسرائيل قلقها من وصول رئيس إسلامي لحكم مصر، بل كان قادتها يجهرون في مؤتمراتهم ومقابلاتهم ودراساتهم وكذلك كبار المحللين والخبراء لديهم، من أن هذا الوضع يهدد أمن إسرائيل ويجب تقويضه، وكان الخوف على المعاهدات التي وقعتها إسرائيل مع جنرالات العسكر والأراضي المصرية والامتيازات التي حصلت عليها منهم، وقد نشرت دراسات كثيرة عن الدور الإسرائيلي في صناعة الأزمات في مصر خلال الفترة التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير، لا سيما العام الذي حكم فيه الرئيس محمد مرسى مصر؛ لأن إسرائيل كانت تعلم جيدا أنه جاء ليحررها.

بعد نجاح ثورة 25 يناير، تحرك ملف أم الرشراش مجددا، حيث تقدم رئيس حزب الأمة، وعلي أيوب المحامي، بدعوى ضد كل من رئيس الوزراء السابق، ووزير الخارجية السابق، ورئيس مجلس الشعب السابق، والسفير الصهيوني في مصر بصفتهم، لامتناعهم عن عمد عن إصدار قرار بتحويل قضية استعادة أم الرشراش المعروفة إسرائيليا باسم “إيلات” للتحكيم الدولي، وأعلنت هيئة المفوضين بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة حينها استئناف الدعوى، إلا أن كل شيء توقف بعد الانقلاب.

تيران وأم الرشراش

وعلى غرار ما قام به قائد الانقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي، في التنازل وبيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وما يعود من وراء هذا التنازل من منافع على كيان العدو الصهيوني، أعلن وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط، في عام 2008، عن أن قرية “أم الرشراش” ليست أرضًا مصرية، وفقا لاتفاقيتي عامي 1906 و1922، مشيرا إلى أنها كانت ضمن الأراضي المعطاة للدولة الفلسطينية، وفقا لقرار الأمم المتحدة 181 في نوفمبر عام 1947.

وزعم أبو الغيط أن إسرائيل دخلت إلى هذه القرية بالعدوان على حقوق الفلسطينيين، وكل ما يثار من مطالب مصرية في هذا الشأن هدفها إثارة المشاكل بين مصر وإسرائيل، ولم يتطرق المخلوع مبارك إلى تحرير أم الرشراش؛ نظرا لطبيعة العلاقات والمصالح مع أمريكا التي كانت تحاول وأد أي محاولات لفتح هذا الملف الشائك عن طريق سفارتها في القاهرة.

ومع ذلك ذكرت أم الرشراش في عدة مناسبات وعلى استحياء من الرئيس الأسبق، عندما أعلن كما ورد بجريدة العربي في عام 1996، أن أم الرشراش مصرية، كما جاء على لسانه في برنامج “صباح الخير يا مصر” بمناسبة أعياد تحرير سيناء عام 1997 أن أم الرشراش مصرية.

وأعاد مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، نشر تصريحات اللواء أركان حرب “أحمد إبراهيم محمد إبراهيم”، قائد قوات حرس الحدود، التي قالها مع الإعلامية “رولا خرسا”، الداعمة للانقلاب العسكري، بشأن مدينة أم الرشراش المصرية المحتلة.

إيلات الكذبة الكبرى

وقال اللواء “إبراهيم”: إن الكيان الصهيوني غيّر اسم المدينة الواقعة على ساحل خليج العقبة من “أم الرشراش” إلى “إيلات” ، لكن تم تنازل عسكر كامب ديفيد عنها للكيان لأنها المنفذ الوحيد لهم على البحر الأحمر، وتفاخر قائد قوات حرس الحدود بالتنازل عن الميناء المصري على خليج العقبة، بالقول: “أم الرشراش دي إيلات.. أم الرشراش دي إيلات، بس هي المنفذ الوحيد ليهم على خليج العقبة، لو انتي أخدتى أم الرشراش هتقفلى عليهم، وهتعتبر حبيسة من ناحية البحر الأحمر”.

وتابع: “من أيام عبد الناصر وهما كانوا عاوزين أم الرشراش ودفعوا ناس وكده، ولو بصيتى على الخرائط هتلاقيها عندنا أم الرشراش وعندهم إيلات، وسموها الاسم ده عشان يمحوا الاسم الأصلي بتاعها”.

يذكر أنه لولا استيلاء الكيان الصهيوني على أم الرشراش واحتلالها في عام 1949، وتنازل جنرالات العسكر عنها لاحقًا، لما كان هناك فاصل جغرافي بين مصر والأردن والسعودية، ولا بين الدول العربية الإسلامية في إفريقيا ونظيرتها في القارة الآسيوية، ولظل البحر الأحمر نقطة قوة عربية آمنة مؤمنة داعمة للأمن القومي العربي بعيدًا عن الاختراق الصهيوني.

ويؤكد الكثير من السياسيين والخبراء العسكريين والاستراتيجيين أن أم الرشراش هي أرض مصرية، ومن هؤلاء اللواء صلاح سليم، أحد أبطال حرب أكتوبر ومدير أحد مراكز الأبحاث القومية الاستراتيجية في مصر، حيث قال في إحدى الندوات: “إن هناك أرضا مصرية ما زالت محتلة وهى منطقة أو قرية تسمى “أم الرشراش”، والتي أصبح اسمها فيما بعد وفى غفلة منا أو من الزمان “إيلات”، وذكر اللواء عددا من الأدلة التاريخية التي تؤكد أن إيلات مصرية، منها وجود استراحة للملك فاروق هناك وقلعة السلطان الغوري.

جدير بالذكر أن إسرائيل تسعى الآن لإقامة مطار السلام، الذي بموجبه يتم تقسيم أم الرشراش إلى إيلات الشرقية وإيلات الغربية، وبالتالي ضياع معالم المنطقة، وإنهاء أي أمل لمصر في استعادتها.

رابط دائم