كشفت العمليات العسكرية الإسرائيلية في سيناء، التي كشفت عنها صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا، أن مخطط التهجير الذي يتبناه قائد الانقلاب ضد أهالي سيناء، هو مقدمة لبيع أراضي الفيروز للكيان الصهيوني، وأكدت أن سيناء بالكامل أصبحت تحت المجهر الصهيوني، سواء كان لتوطين الفلسطينيين بها، أو لعودة الاحتلال مرة أخرى، بعد أن ترك أهالي سيناء أراضيهم تحت فاشية القصف المشترك ما بين جيش السيسي وجيش الكيان.

وأصبح خبر الهجمات الصهيونية على سيناء خبرا معتادا في الإعلام، خاصة بعد التقرير الأخير لصحيفة “نيويورك تايمز” وإن كانت وسائل إعلام تابعة للانقلاب ما زالت تدرب العقل المصري على قبول هذه الأخبار، بعرضها بصيغة تجمع النفي والإثبات والتأكيد والشك معا.

وكشف التقرير أن هجمات الجيش الإسرائيلي تجاوزت مجرد الرد على هجمات صاروخية من سيناء، إلى أهداف تبدو أبعد مدى من هذا؛ وهي وضع سيناء تحت تصرف تل أبيب، لحرص نظام الانقلاب على متطلبات أمن إسرائيل، واستعدادها للتنازل عن سيناء -أو جزء منها- حلا للمعضلة الفلسطينية الإسرائيلية؟! تماما كما تنازل نظام الانقلاب من قبل عن جزيرتي تيران وصافير.

في الوقت الذي تعاني بنية الدولة في إسرائيل في الأصل من مشكلتين متناقضتين: الأولى ضعف العمق الإستراتيجي، والثانية عدم تحمل كلفة التوسع خلف الحدود وإن توفرت لديها القدرة العسكرية، وتحاول الدولة العبرية المحتلة علاج هاتين المشكلتين بوسائل مختلفة.

وتقوم دولة الاحتلال الإسرائيلي ومعظم فلسطين التاريخية (أرض 48 والضفة الغربية التي توصف دوليا بأنها محتلة) التي تبلغ مساحتها حوالي 27 ألف كيلومتر مربع فقط، ولا يشغل قطاع غزة شبه المستقل سوى 360 كيلومتر مربع من هذه المساحة؛ أي حوالي 1.33% فحسب، ويبلغ أقصى عرض للدولة حوالي 180 كم، وأقصى طولها 450 كم.

وبهذا تبدو الدولة العبرية المحتلة فقيرة جغرافياً إلى حد خطير. ومع أنها لا تبدو وحيدة عالميا ولا إقليميا في هذا المضمار، إلا أن طبيعة إسرائيل أو تاريخها يزيد صعوبة هذا الاختناق الجغرافي؛ إذ قامت على العدوان والاحتلال والتهجير، ومن هنا وضعت نفسها في جو من العداوة والثارات التي لا تذيبها الأيام.

وتعود سيناء إلى صدارة المشهد المصري الإسرائيلي الفلسطيني في أجواء مثالية بالنسبة لتل أبيب، حيث يسيطر على مقاليد الدولة المصرية من يدرك أهمية سيناء الكبرى لإسرائيل، ولا يدري -من الناحية العملية- أهميتها وخطورتها البالغة على مصر، إلا أن المفكر الراحل جمال حمدان، يقول إن سيناء ليست مجرد فراغ، أو حتى عازل، إنها عمق جغرافي لمصر وإنذار مبكر يمكن أن نشتري فيه الزمان بالمكان.

تهجير الأهالي

ولعل تهجير أهالي سيناء وتحويلها إلى أرض حرب لا تميز جماعات العنف والخارجين على القانون من المواطن المسالم، وانتهاء بعرض السيسي إقامة دولة فلسطينية في غزة وجزء من سيناء، يؤكد المعلومات التي تتنبأ بتنازل نظام السيسي عن سيناء للكيان الصهوني.

لتكشف بعدها صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن مسلسل التهجير لا يعتمد على غارات الطيران المصري فقط، ولكن الطائرات الحربية الإسرائيلية شنت غارات جوية على سيناء لضرب مواقع لتنظيم “داعش” بتنسيق وبعلم نظام السيسي بالقاهرة خلال العامين الماضيين.

وتابع التقرير: “على مدى أكثر من عامين قامت طائرات بدون طيار إسرائيلية، وطائرات هليكوبتر، ومقاتلات بغارات جوية سرية، بلغت أكثر من 100 غارة داخل مصر، وفي كثير من الأحيان أكثر من مرة في الأسبوع، وبموافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي”.

وأوضحت الصحيفة أن “التعاون الملحوظ بين إسرائيل ومصر يمر بمرحلة جديدة في تطور علاقتهما، وبعد عداء في ثلاث حروب، ثم خصوم في سلام غير مستقر، أصبحت مصر وإسرائيل الآن حلفاء سريين في حرب سرية ضد عدو مشترك”.

ويقول مسئولون أمريكيون إن الغارات الجوية الإسرائيلية لعبت دورا حاسما في تمكين القوات المصرية من الحصول على اليد العليا ضد المسلحين، لكن الدور الإسرائيلي يتسبب بعواقب غير متوقعة بالنسبة للمنطقة، بما في ذلك مفاوضات السلام في الشرق الأوسط.

وأكد سبعة مسئولين بريطانيين وأمريكيين سابقين الهجمات الإسرائيلية داخل مصر، وكلهم يتحدثون بشرط عدم الكشف عن هويته لأنها معلومات سرية.

ويقول مسئولون أمريكيون إن السيسي يسعى لإخفاء الضربات عن جميع الدوائر، ولكن هناك دائرة محدودة من الضباط العسكريين والاستخباراتيين يعلمون بها، وأعلنت الحكومة المصرية شمال سيناء منطقة عسكرية مغلقة، ومنع الصحفيين من جمع المعلومات.

هجمات سابقة

ورغم الرقابة العسكرية الإسرائيلية التي تمنع نشر الأخبار عن هذه الضربات، إلا أن شبكة “بلومبرج” الإخبارية الأمريكية نقلت عام 2016 عن مسئول إسرائيلي سابق لم يذكر اسمه، قوله: “إن هناك غارات إسرائيلية داخل مصر”.

وحسب الصحيفة، داخل الحكومة الأمريكية أمر الغارات الإسرائيلية في سيناء معروف على نطاق واسع، حتى أن الدبلوماسيين ومسئولي الاستخبارات ناقشوها في جلسات مغلقة مع أعضاء في الكونجرس، الذين أيدوا التعاون المصري الإسرائيلي الوثيق في سيناء.

تفويض مطلق

وفي ديسمبر 2016 أعلن مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، أن مصر منحت إسرائيل تفويضًا مطلقًا لنشر طائراتٍ بدون طيار فوق شبه جزيرة سيناء لاستهداف مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الموجودين فيها.

وأضاف شينكر، في مقابلة نشرها موقع المعهد تحت عنوان “الحفاظ على العلاقات خلف الأبواب الموصدة”، إن السلام بين مصر وإسرائيل وصف بـ”البارد” عقودا طويلة، ولكن هذه الديناميكة قد تغيّرت منذ الانقلاب.

فيما أشار نقل شينكر عن نائب رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، اللواء يائير جولان، إن التعاون الاستخباراتي بين مصر وإسرائيل في عام 2016 “غير مسبوق”.

وتحدث شينكر عن تقارير صحفية تؤكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعبد الفتاح السيسي على تواصل مستمر، حتى إن مقالات تشير إلى هذا الموضوع مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا.

رابط دائم