بعد الهزيمة المدوية سنة 1956، كان عبدالحليم حافظ يطرب آذان المغفلين من الشعب (انتصرنا انتصرنا انتصرنا) على الرغم من أن الصهاينة في الوقت ذاته كانوا يحتلون سيناء وقوات العدوان الثلاثي دمرت بورسعيد ومدن القناة!

كانت الهزائم العملية تتوالى بينما تنهال على الجمهور الانتصارات الغنائية التي يصدق معها فعلا أن ما حدث كان (ضربة من معلم.. خلت الاستعمار يسلم) كما تقول كلمات الأغنية ثم ينصرف معها إلى فراشه منتشيا وهو قد شعر أن الاستعمار استسلم وأن الحياة وردية اللون وأنه ليس في الإمكان ألطف مما كان!

تقول الكاتبة الصحفية آيات العرابي: «هي أجواء لا فرق بينها وبين الأجواء التي وقف فيها عسكري الانقلاب ليحدث الناس عن إنجازات وهمية وعن تشغيل ملايين الشباب وإقامة 11 ألف مشروع بمعدل ثلاثة مشاريع يوميا»!!

لا فرق بين تلك الأجواء وبين ما يحاول الانقلاب صناعته الآن إلا في الجودة، فبينما كان عبد الحليم حافظ يستطيع إقناع الناس بالانتصارات والإنجازات، لم يبدُ عسكري الانقلاب قادرا حتى على الاقتناع بما يقوله.

إنجازات لا يراها الشعب

أما الدكتور يحيى القزاز، أستاذ اليجوليوجيا بجامعة حلوان، فيؤكد أن الإنجازات الحقيقية للقيادة السياسية في أي دولة، تقاس بدرجة انعكاسها على حياة المواطنين من خلال تحسن مستوى المعيشة دون تضخم.

وأضاف القزاز تعليقًا على كلمة السيسي في مؤتمر “حكاية وطن” الذي عرض فيها مزاعم حول ما حققه من إنجازات خلال فترة سطوه على الرئاسة في الــ4 سنوات الماضية، أن تلك الإنجازات ليس لها وجود على أرض الواقع، نتيجة ارتفاع نسبة الفقر التي تعاني منها الأسر المصرية، خلال فترة حكمه خاصة بعد تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار.

وتابع: “انجازات السيسي الحقيقية هي التفريط في حق مصر التاريخي في مياه النيل، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، إضافة إلى تعويم الجنية”.

وعن تجاهل السيسي الحديث عن الحريات خلال عرض انجازاته، أكد الدكتور يحيى القزاز، أن “السيسي” لا يعترف بالحريات، موضحًا أن دليل ذلك هو التوسع في بناء السجون، وإصدار القوانين المقيدة للحريات إضافة إلى زيادة وتنفيذ أحكام الإعدامات في القضايا السياسية بحسب قوله.

وأضاف أن فترة حكم السيسي شهدت مد حالة الطوارئ لأكثر من مرة، إضافة إلى ظهور حالات الاختفاء القسري للمعارضين، وتعذيب الشباب في السجون، ما يؤكد أن ما يُعرف بالحريات ليست في قاموس النظام الحالي في إدارة البلاد.

وقال الأستاذ الجامعي، إن ما فعله السيسي خلال فترة حكمه من سلبيات وتنازلات في حق الدولة المصرية لم تستطع القوى الاستعمارية الكبرى قبل ثورة 1952 فعله في البلاد.

«6» مغالطات عن الطفرة المزعومة

أما الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي فيؤكد -مستدلا بالأرقام والبيانات الرسمية لمؤسسات الدولة- أن السيسي قدم مغالطات حول ما أسماها بالطفرة الاقتصادية.

وفي مقاله اليوم بموقع “الجزيرة مباشر” بعنوان «مغالطات الطفرات الاقتصادية بخطاب الجنرال»، يقول الولي: «عرض الجنرال المصري في خطابه في افتتاح مؤتمر إعلان ترشيحه لفترة رئاسية قادمة، ستة إنجازات اقتصادية سماها الطفرات غير المسبوقة في مؤشرات التنمية الاقتصادية، وهو ما يحمل الكثير من المغالطات الواضحة لأي مبتدئ في الناحية الاقتصادية».

الإنجاز الأول: ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية بالبنك المركزي، الى 37 مليار دولار مقابل 16 مليار دولار عام 2014، أي بزيادة 21 مليار دولار حتى نهاية العام الماضي.

ويرد الولي على ذلك بأن القروض أضعاف أضعاف الاحتياطي النقدي، مشيرا إلى أن السيسي وفق الأرقام الرسمية حصل على “106” مليارات دولار عبارة عن ودائع(30) وقروض (79) ومشتريات أذون الخزانة (19).

الإنجاز الثاني: انخفاض العجز التجاري بالعامين السابقين بنحو 20 مليار دولار، منها 4مليارات زيادة بالصادرات و16 مليارا انخفاضا بالواردات، وهى أيضا أرقام غير دقيقة فحسب جهاز الإحصاء المصري، زادت الصادرات في 2017 بنحو 547 مليون دولار حسب تقديرات وزارة التجارة الخارجية، أي أن صافي قيمة زيادة الصادرات بالعامين الأخيرين بلغ 268 مليون دولار فقط، رغم ادعاءات المسئولين المصريين وقت قرار تعويم الجنيه بأنه سيحقق طفرة كبيرة بالصادرات المصرية.

والأرقام الرسمية لقيمة الواردات خلال الربع الثالث من العام الماضي كآخر بيانات متاحة، تشير الى زيادة قيمة الواردات بنحو 104 ملايين دولار بالمقارنة بالفترة نفسها من العام الأسبق.

الإنجاز الثالث: انخفاض البطالة من 13.4% إلى 11.9%، من خلال توفير المشروعات القومية 3 ملايين و500 ألف فرصة عمل، والمعروف أن طريقة احتساب البطالة بمصر لا تجد قبولا من كثير من الباحثين حيث صغر حجم العينة التي يتم القياس عليها، والمفاهيم التي يتم العمل بها والتي تعتبر من عمل ساعة واحدة بالأسبوع ليس عاطلا.

والغريب أن الجنرال نفسه كان قد صرح في منتصف اكتوبر 2016 بمؤتمر الشباب بشرم الشيخ، بأن المشروعات القومية قد وفرت 4 ملايين فرصة عمل للشباب، فهل انخفضت فرص العمل ما بين اكتوبر 2016 وحتى الآن بنصف مليون فرصة عمل؟

ويضيف الولي أن كلا الرقمين لا توجد مصداقية لهما، لستة أسباب أولها الشكوى المستمرة داخل البيوت المصرية من ارتفاع معدلات البطالة، والركود الموجود بالأسواق منذ فترة، وارتفاع معدل الفائدة بالبنوك مما يقلل اقتراض المشروعات.

كما تشمل كل أنواع النشاط الاقتصادي بالمجتمع من قطاع خاص وعام وهيئات اقتصادية وقطاع غير رسمي، فكيف يكون المجمل لجميع الأنشطة قد أتاح مليوني فرصة عمل، بينما الجزء وهو المشروعات القومية وحدها قد وفرت 3ملايين و500 ألف فرصة عمل؟

الإنجاز الرابع: انخفاض التضخم من 35% إلى 22%، ورغم عدم تصديق المصريين والخبراء لمؤشر التضخم الرسمي لوجود ملاحظات عليه، لكنه حتى مع الوصول الى نسبة 22% فإن ذلك يعبر عن وجود مشكلة اقتصادية حادة، فالاتحاد الأوروبي وضع حدا أقصى لمعدل التضخم في دولة بنسبة 2% سنويا فقط.

والسؤال الأهم.. هل أحس الناس بتراجع الأسعار أم أن الانخفاض في حقيقته هو مسألة حسابية فنية؟

الإنجاز الخامس: تراجع عجز الموازنة من 16.7% إلى 10.9%، ولقد بحثت عن نسبة الـ16.7% هذه خلال السنوات المالية العشر الأخيرة فلم أجدها.

وكانت أعلى نسبة للعجز الكلى بالموازنة بالعام الذي تولاه الرئيس محمد مرسى، حين بلغت حسب بيانات وزارة المالية 12.9%، في حين كانت النسبة 12.5% بالعام الثاني لتولى الجنرال.

مع الأخذ في الاعتبار عدم حصول الدكتور مرسى على معونات عربية مثلما حدث مع نظام الثالث من يوليو، فقد بلغت المنح بعام مرسى 5 مليارات جنيه، بينما بلغت بالعام الأول لنظام الثالث من يوليو 96 مليار جنيه، ومع ذلك كانت نسبة العجز خلاله 12% أي أنها دون المنح كانت ستفوق نسبتها بعام مرسى.

الإنجاز السادس: ارتفاع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 14% بعام 2017/2016، والمعروف أن قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر قد بلغت 7 مليارات و916 مليون دولار بذلك العام مقابل 6 مليارات و900 مليون بالعام المالي السابق.

وليت الجنرال يعود للوراء قليلا ليرى أن قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر كانت قد بلغت 13 مليارا و200 مليون دولار بالعام المالي 2008/2007 أي قبل 9 سنوات، مما ينفى عنها صفة الطفرة غير المسبوقة كما ذكر.

Facebook Comments