خطابات جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي كالعادة لا تخرج عن إطار الثرثرة والدردشة مع حوارييه وأنصاره داخل المؤسسة العسكرية أو الشرطية، يكشف فيها بعض فلسفته في فهم الحياة والمواقف ويمنح الناس كثيرا من الأوهام والتفاؤل المجازي الذي  لا وجود ولا مؤشرات  عليه على أرض الواقع مطلقا.

وجاء خطاب السيسي اليوم الخميس11 أكتوبر 2018م، خلال ندوة تثقيفية للجيش تحت عنوان: “أكتوبر… تواصل الأجيال”، يحمل كثيرا من الثرثرة المصبوغة بالإحباط مع شيء من التفاؤل الوهمي الذي تعود عليه الشعب من الجنرال خلال السنوات الخمسة الماضية منذ انقلاب 03 يوليو2013م.  ويمكن رصد عدة رسائل في خطاب الجنرال لكن الأهم “5” رسائل تستحق الرصد والتوقف والمناقشة.

تبشير برفع أسعار الوقود

الرسالة الأولى، وهي الأهم والتي تمس كل المصريين دون استثناء هي إشارة الجنرال إلى أن ما تسمى بالدولة ما زالت تدعم المواد البترولية بقيمة 125 مليار جنيه سنويا حتى بعد رفع الأسعار، ويبشر المصريين برفع أسعار الوقود مجددا بقوله” مفيش بيعمل كدة … وطول ما إحنا مكبلين بالدعم لأي حاجة في مصر، عمر البلد ما هاتقدر تحقق الأهداف المرجوة”.

ويتوقع محللون أن يقدم النظام على رفع أسعار الوقود مرتين خلال الشهور الثمانية المقبلة، على خلفية ارتفاع أسعار النفط إلى 85 دولارا للبرميل بينما تم تقدير سعره في الموازنة العامة ب67 دولارا، ولعدم زيادة العجز في الموازنة يلجأ الجنرال كالعادة إلى جيوب المواطنين لعدم تفاقم العجز، وربما يلجأ النظام إلى رفع الوقود خلال يناير المقبل بنسبة تتراوح بين 15 إلى 25 %  ومرة أخرى في 30 يونيو المقبل بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30% وفق تعهدات النظام لصندوق النقد الدولي لضمان الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار على 3 سنوات.

وأقدم الجنرال عبدالفتاح السيسي على رفع أسعار الوقود “4” مرات خلال سنوات ما بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، حتى وصلت نسبة الزيادة إلى حوالي 500% حيث تم رفع الأسعار في 4 يوليو 2014 لأول مرة بنسبة وصلت إلى 78%.   والمرة الثانية في 4 نوفمبر 2016م، والمرة الثالثة في 29 يونيو 2017م. والمرة الرابعة في 6 يونيو 2018م. وارتفع لتر بنزين 80 وهو الذي يستخدمه الغالبية الساحقة من المصريين وسيارات الأجرة من  90قرشا في 2013م إلى 5,5 جنيهات، والسولار الذي يستخدمه الفلاحون والمزارعون من 110 قرشا إلى 5.5 جنيهات ، بينما ارتفع سعر أنبوبة البوتاجاز التي يستخدمها المصريون في طهي الطعام من 8 جنيهات إلى 55 جنيها!

العداء لثورة يناير

الرسالة الثانية، هي العداء لثورة 25 يناير، والتي وصفها بأحداث كانت علاجا خطئا لتشخيص خطأ حيث يزعم الجنرال «إذا كنا مهتمين بحفظ البلد وحمايتها يجب أن ندرك الصورة الكلية للواقع الذي نعيشه، لأننا بنسمع كلام كتير مترتب، لكن لما نيجى نتكلم عن التنفيذ نلاقي المواضيع بعيدة عن هذا الكلام… وياما سمعت كلام مترتب عن واقعنا ومستقبلنا، ودائماً أقول إن أحداث 2011 كانت علاجاً خاطئا لتشخيص خاطئ»، مدعيا أن «الإرادة الإلهية حالت دون سقوط مصر، لا الجيش أو الشرطة»، فالسيسي يرى أن تحرك الشعب للثورة ضد الظلم والفساد الذي اعترف به هو شخصيا كان علاجا خطئا دون أن يقدم هو طريقة العلاج الصحيحة، هذا بخلاف أن السيسي يناقض دستوره الذي وضعه بنفسه وهو  جريمة يدمنها الجنرال ونظامه بصورة باتت لا ترى في انتهاك الدستور مخالفة تستحق المساءلة.

تجاهل دور الشعب

الرسالة الثالثة، هي الإشادة بالجيش ودوره في حرب أكتوبر، بل إن السيسي نسب الفضل كله للجيش لا الشعب، حيث قال الجنرال «حرب السادس من أكتوبر 1973 كانت معركة عظيمة ورائعة، ولرجالها كل التقدير والتحية والاحترام والشرف على ما قاموا به، فيما لم يكن أحد في الشعب المصري يصدق ذلك»،  ويضيف «إنها معجزة بكل المعايير والحسابات، ورغم كل التحديات وشبح الهزيمة استطاع الجيش المصري في الصمود والقتال وإلحاق أكبر هزيمة للعدو».

ويتجاهل  الجنرال أن الشعب كله كان يشارك في الحرب كل في موضعه، فهل كان الجيش يستطيع الحرب دون وقوف الشعب خلفه؟ وألا يعلم الجنرال أن 90% من الجيش وقتها وحتى اليوم هم من الشعب عبارة عن مجندين وضباط احتياط في كافة الأسلحة وأفرع القوات المسلحة؟ ألا يعلم الطاغية السيسي أن أكبر مفاجأة أذهلت العالم في حرب أكتوبر هي الجندي المصري الذي أذهل العالم بقدرته على مواجهة الدبابات بمفرده والتفوق عليها بسلاح “أر بي جي”؟ فلماذا ينكر الجنرال دور الشعب الأكبر في تحقيق العبور؟؟  ولماذا يتجاهل السيسي الثغرة التي تسلل منها العدو الصهيوني بسبب تدخل القرار السياسي من السادات ضد إرادة قيادات الجيش وقتها ورئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي؟ ولماذا يبالغون في الحديث عن العبور إلى الضفة الشرقية رغم أن العدو أيضا عبر القناة إلى الضفة الغربية وحاصر مدينة السويس؟

ألا يعلم السيسي أن الجيش والحكومة ومحافظ السويس كان قد استسلم للجيش الإسرائيلي الذي حاصر المدينة لولا صمود المقاومة الشعبية التي حالت دون سقوط السويس في يد الصهاينة؟ فماذا لو سقطت السويس؟ هل كان سيكون للعبور ونصر أكتوبر وقتها أي معنى؟ إذا هو الشعب الذي حافظ على مكانة وقيمة العبور وليس الجيش ولا الجنرالات!

الانقسام المجتمعي

الرسالة الرابعة في خطاب الجنرال اليوم، هي التأكيد على الانقسام المجتمعي الذي  أحدثه انقلابه المشئوم منتصف 2013، حيث يؤكد الجنرال أن العداء والخصومة مع العدو الصهيوني كانت معركة الأمس التي انتهت لكن معركة اليوم بحسب السيسي لها أدواتها «لأن العدو والخصم كان واضحاً، وأصبح الآن غير واضح”، بقى معانا وجوانا، واستطاعوا بالفكر إنشاء عدو جوانا بيعيش بأكلنا، ويتبني بهدمنا… والوعي المنقوص والمزيف هو العدو الحقيقي، والجزء الأكبر من التحدي هو بناء الوعي».  وهو خطاب فاشي عنصري يتسق تماما مع الأغنية الهابطة التي سوقها إعلام العسكر بعد الانقلاب “إحنا شعب وانتو شعب”.. وكان السيسي في قمة كريت أمس الأربعاء مع زعماء اليونان وقبرص أدعى أن الدين (الإسلام تحديدا) يستخدم لتدمير الحضارة والمجتمعات، بينما اتهم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال مشاركته في مؤتمر الأديان بأوزباكستان حاليا، ما وصفها بالسياسات العالمية الجائرة  بالتسبب في ظاهرة الإرهاب. فالسيسي يتهم  الخطاب الديني والطيب يتهم الخطاب السياسي وتفشي مظاهر الظلم والاستبداد بالتسبب في ظاهرة الإرهاب مؤكدا أنها ظاهرة لا علاقة للأديان بها.

اعتراف بالفشل

الرسالة الخامسة، تتعلق باعتراف السيسي بالفشل معلقا ذلك على شماعة الزيادة السكانية، وأنها تلتهم أي جهود لما تسمى بالتنمية يقول السيسي «الزيادة السكانية تحدٍ كبير أمام الدولة المصرية، وإذا ظللنا على هذا الوضع لن يكون هناك أمل أو تحسن للواقع، متسائلًا: “هل لدولة أن تقوم في ظل هذا التحدي؟ لما يكون عندك 22 مليون بيتعلموا.. هيتعلموا كويس؟ هيلاقوا شغل وأنت بتضخ في سوق العمل كل عام مليون؟ إزاي طيب؟!”. ويستخدم الجنرال الزيادة السكانية شماعة يعلق عليها فشله وعدم إحساس الناس بأي تقدم ملموس جراء مشاريعه الوهمية حيث يضيف السيسي أنه كل ما يقام بالدولة المصرية من إنجازات، سيهدر ويختفى بدون فهم وعى المصريين، متابعًا: “كل اللي بيتعمل وزيادة 100 مرة لو مكنش في وعى وكتلة تخاف على بلدها في الجيش والشرطة وأجهزة الدولة والجامعات ولدى الرأي العام في مصر، أي حاجة تتبنى ممكن تتهد”!

رابط دائم