يصادف اليوم ذكرى مرور 7 سنوات على تنحي المخلوع حسني مبارك عن السلطة، بعد اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011، في 11 فبراير من عام الثورة وبدقة ومهارة بارعة وخطط محكمة لا يبرع فيها سوى من درس جيدا سلوكيات ونفسيات الشعب المصري، كان الحل الأمثل لجنرالات العسكر هو قتل الثورة بشكل يجعل المصرين أنفسهم يكرهون أن تذكر أسمها حتي بسبب المصائب التي نتجت بعد تلك الثورة.

سلم المخلوع في بيان متلفز على الهواء مباشرة ألقاه اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة، دفة الحكم إلى مجلس العصابة العسكرية، وكان هذا هو هدفهم الأسمى، ومن هنا بدأت المعركة الحقيقة، التي لم تكن في تنحي 60 عاما من الفساد والظلم وأفكار التوريث، بل بدأت معركة الثورة مع نجاح أول يوم لها، لم يكن يعلم هؤلاء الذين مكثوا في الميدان 18 يومًا أن المبادئ الجميلة التي أنتجها الميدان سيتم نسفها فوق رؤوسهم وكلمة السر هى “تسليم السلطة للمجلس العسكري لإدارة شئون البلاد”.

مسرحية أخرى قدمت للثوار في إطار الخديعة الكبرى، تمثلت في المحاكمات “الوهمية” للرئيس المخلوع مبارك، ونجليه، والعديد من قيادات الشرطة، على خلفية قتل المتظاهرين إبان الثورة، وصدر الحكم المبدئي فيها بالحبس المؤبد لمبارك ووزير داخليته حبيب العادلي، وبراءة باقي المتهمين، ثم ألغي القرار وحكم لهم بالبراءة أمام محكمة أخرى في عهد السيسي.

الشعب خلع الرئيس

وقال الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في تدوينة عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “جملة بسيطة من مبتدأ وخبر ملأت الكون ولن يستطيع أحد محوها من وجدان الناس.. الشعب خلع الرئيس، 11 فبراير”.

على مدونة “دماغوس” للناشط أسامة صابر، نشرت مشاركة بعنوان “خدعة مبارك” علق فيها المدون على التنحي، قائلا:”في تقديري أننا نعيش ضمن أكبر خدعة في التاريخ لم تنطل على شعب بأكمله فحسب بل على العالم أجمع”.

7 سنوات كانت كافية لتدمير ذلك الحلم الجميل الذي ضحي من أجله زهرة شباب المحروسة، خطوات مرسومة متتابعة، جولات كلعبه الملاكمة تسدد الضربة للضحية واحدة تلو الأخرى حتى تسقطه أرضًا، بدأت بشيطنة جماعة الإخوان المسلمين، الفصيل الأقوى والأكثر انتشارا عن المشهد، لكن احتاجوا لبعض الحيل، هل تريدون انتخابات؟ طوابير من التصويت؟ حرية؟ جيد لكن بقَدْر معين، ينجحون يتولَّون المناصب يظهرون في المشهد، الشعب يري فيهم النور الأمل يصفق الجميع، لدينا رئيس منتخب، حكومة منتخبه، ثم انقلاب دموي مدعوم خليجياً وصهيونياً وغربياً وأمريكياً.

أزمات من إنتاج العسكر

الخبير الاستراتيجي الامريكى بالاكاديميه البحرية الامريكيه روبرت سبنجبورج أكد أن مبارك الشخص قد رحل ولكن مبارك النظام باقي وشرح الخبير الامريكى تلك المعادلة الصعبة قائلا في الواقع الذي يحكم مصر منذ عام 1952 هو الجيش فلذلك النظام قائم في الأساس على الحكم العسكري الذي يميز كثيرا ضباط الجيش بامتيازات عديدة خاصة كبار الضباط أما مبارك فهو في النهاية شخص يدير الجناح السياسي للجيش.

“لا تفرحوا كثيرا”، كان ذلك شعار جنرالات المجلس العسكري منذ عودة ثوار يناير من ميدان التحرير، أزمات ثم أزمات ثم أزمات ثم إعلام يحرض الشارع، ثم أزمات ثم مبادرات لاحتواء الأزمات، حكومة الدكتور هشام قنديل تصارع للبقاء، أزمات إعلام يحرض، مجموعات مسلحة تزعزع الأمن، أزمات إعلام يحرض، نغمة الأمن والأمان والاستقرار، مظاهرات نشطاء، أزمات إعلام يحرض، لم تكن الفكرة في خلق أزمة كـ الكهرباء أو الوقود أو إظهار الطوابير والهتافات ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، الفكرة تكمن في تشويه كل ما يخص الثورة حتي لو على حساب فصيل مثل جماعة الإخوان المسلمين يشهد له بأخلاقه ومبادئه.

جمهورية الجنرالات

ولكن خلال عام استطاع “العقل المدبر” أن يجعل الشعب يكرهم ويتمنى زوالهم، فرصة أو مبادرة 6 أزمات في ورقه واجمع عليها إمضاءات من الشعب سحب الثقة بعد عام، هتف الشعب يسقط يسقط الرئيس، ظهر المشير القائد الفاتح يحمل في يده مفتاح الأمل، يرى الشعب أنهم نور عينه، يري مصر قد الدنيا، 43 يوما كانت فرصة ثم قتل وسفك واعتقال كل من كان يملك صوتا يعترض به، الدماء في الشوارع، الشباب يموت، أبواق الإعلام تنبح في عواء لا ينقطع فوضناك لمواجهة الإرهاب المحتمل!

علق الانقلاب المشانق لرافضي 30 يونيو وطبق مقولة “اقتل المعتصم يخاف المتظاهر”، فارتكب مذابح فض اعتصامي رابعة والنهضة وما بعدهما، حتى أنه لم يعد هناك صوت يعلو فوق صوت مطرقة الإعدام التي تحتمي في دبابة الانقلاب، الشعب يبحث عن قوت يومه، ولكن أين القوت لقد سُرق من بين يديه بينما كان يصفق، ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، تعويم الجنية، أزمات علي جميع الأصعدة، الانقلاب يحتمي في عباءة رجال الأعمال ودولة المعسكر، خطابات كوميدية للسفيه عبد الفتاح السيسي ولكن تجدي نفعا مع الشعب.

رحيل مبارك من السلطة لم يكن يعنى انهيار جمهورية الجنرالات، بل استمرت تلك الجمهورية الخفية قائمة والمؤسسة العسكرية نجحت في الالتفات حول الثورة بذكاء ومكر شديد، وحققت انتصارها الثاني في 30 يونيو 2013 حينما انقلبت على الرئيس المنتخب محمد مرسي، أما ما حدث في 25 يناير 2011 فيمكن تلخيصه ببساطة بأن ثار الشعب فوقف الجيش ظاهريا معه وضمنيا للحفاظ على جمهورية الجنرالات، وبقاء السلطة داخل العسكر وحرمان المدنيين من العيش والحرية والكرامة والعدالة.

ولم يستبعد رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام، مصطفى خضري، أن يشهد المستقبل نزول حشود كبيرة مماثلة لما كانت عليه في الثورة ويوم التنحي؛ لأنّ المجتمع المصري حسب رأيه خرج من طور الاستكانة السياسية ويتطلع إلى أن يحقق أحلاماً راودته كثيراً في 25 يناير.

يشار أنه في اليوم التالي 12 من فبراير، وفى مثل صباحه من 7 سنوات استيقظ المصريون على شمس مصر دون مبارك، كان الرئيس المخلوع قد أعلن تنحيه مساء 11 فبراير، واحتفل المصريون وانطلق السياسيون وأهل التيارات المختلفة يقدمون الوعود، ويرسمون للمصريين المرتبكين من المصير صورة تخبرهم بأن مصر ستصبح جنة، صباح الثاني عشر من فبراير طالما مبارك قد رحل.. لكن العسكر أطلقوا رصاصهم ونصبوا مشانقهم واكتشف الشعب أن الاحتلال المر هو الذي يكون من الداخل لا من الخارج!

رابط دائم