تشهد مصر في 14 أغسطس الجاري، مرور 5 سنوات على مجزرة “فض اعتصام رابعة”، التي صنفت بأنها “إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث”، مجزرة صب فيها الجيش المصري النار على آلاف المعتصمين في ميدان رابعة العدوية، بعد أن اتُّهم المرابطون في ميدان رابعة بحيازة الأسلحة، وبترويع الآمنين ومضايقة السكان، وطالب السيسي الشعب باعطائه تفويضا لمحاربة الإرهاب وفض الاعتصامين بالقوة، وارتفعت أصوات أمنية وإعلامية تنادي بإبادة المعتصمين، فكان ما كان.

القتل لم يكن مجرد حالة من حالات القوة المفرطة أو ضعف التدريب، بل كانت حملة قمعية عنيفة مدبرة من جانب أعلى مستويات الحكومة المصرية، وأثخن الجيش قتلا وحرقا ودمارا، حتى ضجَّ الميدان واختلط الأموات بالأحياء، وحُرّقت الجثث وتطايرت الأشلاء وضاعت الهويات، وغصت المستشفيات والمشارح.

كم عدد الشهداء؟

واختلفت التقديرات في عدد الشهداء والمصابين في المجزرة، فورد في تصريحات لقيادات ثورية كالدكتور محمد البلتاجي وعصام العريان، أن عدد الشهداء تجاوز 3000 بالإضافة إلى آلاف الجرحى والمصابين، وذهبت قيادات أخرى إلى أن عدد الشهداء بلغ خمسة آلاف، فيما أعلن تحالف دعم الشرعية عن أن إجمالي الوفيات في فض اعتصام رابعة وحده بلغ 2600 شهيد، وتحدث تقرير وزارة الصحة المصرية عن 670 قتيلا ونحو 4400 مصاب. وأعلن المسئولون عن الطب الشرعي بالقاهرة- في 5 نوفمبر 2013- أن إجمالي عدد القتلى بلغ 377 قتيلا، من بينهم 31 جثة مجهولة الهوية، أما تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” فتحدث عن أن “قوات الأمن المصرية قتلت أكثر من ألف على الأرجح”.

وبحسب باحثي “هيومن رايتس مونيتور” اللذين كانا موجدين في الميدان ورصدا ووثقا تلك الأعداد، فقد وصل عدد حالات الوفاة في هذا اليوم إلى 1182 حالة قتل خارج إطار القانون على أيدي قوات الجيش والشرطة المصرية والقوات الخاصة.

فيما تجرد الإعلام المصري من كل معاني الإنسانية، لم يكتف بإطلاق وترويج الشائعات، بل يعمد في ذكرى فض الاعتصام الغاشم إلى التهوين من عدد القتلى، وتبرير قتلهم، وبعضهم يدّعي أن الجثث التي تكدست يوم الفض لم تكن جثثا على الحقيقة، وإنما لأحياء تقمصوا دور الموتى، عقدت آلاف المُحاكمات للمعتقلين من الفض، بينهم صحفيون حرصوا على إيصال الصورة الحقيقية لمُعتصمي ميدان “رابعة”، فضلًا عن قتل آخرين بدم بارد، وقد اعتقل المئات من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان والمناصرين لها، وتمت إحالة الكثير منهم للمحاكم، وصدرت في حقهم أحكام بالإعدام والسجن المؤبد، وظل المسئولون عن مذبحة رابعة بمنأى عن أي مساءلة قانونية.

اختفاء واعتقال

وتعرض الآلاف للقبض والاختفاء في أماكن احتجاز سرية، حيث لم يستطع ذووهم ولا محاموهم التوصل إليهم، رغم بحثهم عنهم في أماكن الاحتجاز واتخاذهم كافة الإجراءات القانونية من شكاوى وبلاغات للنائب العام، لكن دون جدوى، مما يثير الكثير من الشكوك حول وجود مقابر سرية تم دفن بعض الجثث بها، فيما تأكد بعض الأهالى من وفاة ذويهم أثناء عملية فض الاعتصام، لكن لم يعثروا على جثثهم، كما أنهم غير مقيدين بالكشوف أو في تقارير المنظمات الأخرى رغم إقامة أسرهم مراسم العزاء، عقب تلك الأحداث لا يعرف ذووهم مصيرهم حتى الآن رغم اتخاذهم كافة الإجراءات القانونية، فيما يلي عرض لبعض أسماء المُختفين قسرًيا ممن فقدوا في تلك الأحداث:

– “عبد الحميد محمد عبد السلام”، البالغ من العمر 20 عاما – الدقهلية – الفرقة الثانية كلية شريعة وقانون, وبحسب بيان لأسرته، اختطف في أحداث فض اعتصام رابعة العدوية من شارع الطيران بمعرفة قوات الجيش والشرطة، وبعد بحث طويل علمت أسرته أنه مودع بسجون سرية ولم يتم الإفصاح عن مكان احتجازه، ولم يتم عرضه على النيابة ولم يتم التواصل معه، وقد تأكدوا من ذلك عن طريق شهود، أحدهم شاهده لحظة القبض عليه، وآخرون شاهدوه يخرج مع الناس من ميدان رابعة الساعة السابعة مساء.

وقد توجه أهله لعمل المحضر المقيد برقم 12046 لسنة 4/9 /2013 عرائض النائب العام، والمحضر رقم 10656 و 10642 لـ2014، ومحضر نيابة الحامول برقم 7201  لسنة 2013 نيابة الحامول.

– “عمر محمد علي حماد”، البالغ من العمر 21 عامًا، يُقيم بمدينة العاشر من رمضان بمُحافظة الشرقية، طالب الفرقة الأولى بكلية الهندسة. وفقا لأسرته، روت أنه اختفى يوم 14 أغسطس 2013 “فض اعتصام رابعة العدوية”، حيث كان متوجهًا إلى الجامعة ليستطلع نتيجته وتنظيم حفلة راب مع أصدقائه، وتصادف في ذلك اليوم مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية؛ حيث اختطفته قوات الأمن وأُدخل إلى مدرعة جيش، بحسب الأنباء التي تواترت لهم من شهود عيان.

وقامت أسرته بعمل تحليل DNA على جميع الجثث الموجودة بالمشرحة، ولم تتطابق مع أي من الموجودين، كما قاموا بعمل محضر يفيد باختفائه بتاريخ 31 أغسطس 2013، رقم 2471 إداري أول العاشر من رمضان، وبحثوا في كافة السجون مثل أبو زعبل وطره وبرج العرب وسجن العازولي الحربي ووادي النطرون ومصلحة السجون وجميع أقسام مصر وكان الرد أنه غير موجود بتلك السجون، كما قاموا بتقديم بلاغ للنائب العام برقم 12060 بتاريخ 11 يوليو 2014 وتحولت إلى نيابة شرق القاهرة برقم 1394 وارفقت برقم 800، ولم يعد لهم حتى الآن.

– “محمود إبراهيم مصطفى أحمد عطية”، البالغ من العمر 36 عامًا- بمحافظة الغربية- خريج كلية لغة عربية أزهر، تحكي عنه زوجته فتقول: آخر اتصال به كان يوم فض رابعة السادسة مساءً بعد اقتحام واستيلاء قوات الفض على المنصة، وجاءت أخبار لنا بأنه معتقل بسجن “العزولي”، وحتى الآن لم يعد، مشيرةً إلى أنه من شباب الثورة الذين اعتصموا بميدان التحرير حتى رحيل المخلوع مبارك.

– “محمد خضر علي محمد”، مهندس حاسبات، خريج هندسة إلكترونيات، حاصل على بكالوريوس الهندسة وعلوم الحاسب- بورسعيد، يقول عنه شقيقه: ”محمد كان موجودًا وقت الفض، وآخر اتصال تم بيننا وبينه كان الساعة 7 صباحا، وكان في ميدان رابعة أمام طيبة مول، وبعد كده انقطعت كل الطرق إليه ولم نعثر له على مكان ولا على جثة”.

– “عادل درديري عبد الجواد”، – عامل – القاهرة – متزوج ولديه اثنان من الأبناء، تروي والدته أنه اختطف من ميدان رابعة ولم يعد للبيت منذ مجزرة رابعة، وأنهم قاموا بإجراء كافة تحاليل الـDNA ولم يجدوا جثته ولم يكن بين المصابين أو المعتقلين، ولم يعد إلى بيته حتى الآن.

– “أسامة رشدي عبد الحليم”، يُقيم بمدينة السويس، فُقد بتاريخ 2 سبتمبر 2013، كان خارج منزله في وقت حظر التجول وقتئذ، وقد تم إيقافه بالشارع ووقعت بينه وبين أحد الضباط مشادة ومن وقتها لم يعد لبيته ولا يعلم مكانه.

– “محمود محمد عبد السميع”، البالغ من العمر 36 عامًا، من الفيوم، حسب رواية أسرته، فإنه قد تغيب يوم الأربعاء 14 أغسطس 2013، في أحداث مجزرة “فض رابعة”، وكانت آخر مكالمة بينه وبين أسرته في الساعة السادسة مساءً، وكان موجودًا حينها بشارع الطيران، ومن بعدها انقطعت أخباره ولم يجدوه.. لا بين الشهداء ولا المصابين ولا المعتقلين.

– “محمود أحمد محمدي علي بدوي”، يبلغ من العمر 36 عامًا، ويقيم بالقاهرة – عامل – متزوج ولديه 4 أبناء، بحسب رواية أسرته فقد فُقد باعتصام رابعة العدوية يوم مجزرة الفض، وكانت آخر مكالمة بينهم وبينه الساعة العاشرة صباحًا، ومن حينها لم يعُد ولا يُعرف مكانه.

– “أشرف حسن إبراهيم محمد”، يبلغ من العمر 38 عامًا، عامل فني – يُقيم بالمنوفية، اختفى يوم مجزرة المنصة ولم يعد لأهله من وقتئذ.

– “محمد الشحات عبد الشافي”، البالغ من العمر 31 عامًا- عامل حر، بحسب رواية شقيقه، فإنه فُقد منذ مجزرة فض اعتصام رابعة، ومن شاهده رآه وهو ينقل المصابين ولم يشاهده بعد الساعة الحادية عشرة صباحًا، ومن ذلك الوقت لم يستدل عليه ولم يجده أهله بين الشهداء أو المعتقلين.

– “محمد حسين السيد السمان”، يبلغ من العمر 25 عامًا، خريج كلية “حاسبات ومعلومات” جامعة عين شمس، وهو من سكان الحى الثامن مدينة نصر، فُقد يوم فض رابعة في 14 أغسطس 2017.

مفقودو مجازر “ما قبل رابعة”

– “حامد محمد إسماعيل”، موجه بالتربية والتعليم وعضو نقابة المعلمين بالإسماعيلية، وعضو التحالف الوطنى لدعم الشرعية بمحافظة الإسماعيلية، تم اختطافه من مقر عمله يوم الثلاثاء الموافق 22 يوليو 2014، وتم اقتياده لجهة غير معلومة، هذا وقد قامت أسرته بالبحث عنه فى جميع أقسام الشرطة والسجون ولم يتم العثور عليه حتى الآن.

– “علا عبد الحكيم محمد السعيد” – متزوجة – بالفرقة الأولى كلية شريعة جامعة الأزهر فرع الزقازيق، اختفت يوم الخميس 3 يوليو 2014، أثناء توجهها لجامعتها، ومنذ ذلك الوقت لم تعد إلى بيتها ولم يستدل على مكانها.

– “عمرو إبراهيم عبد المنعم متولي”، البالغ من العمر 23 عاما – كفر الشيخ، قامت قوات الأمن باختطافه من أمام نادي الحرس الجمهوري صباحا في يوم مجزرة الحرس الجمهوري الشهيرة 8 يوليو 2013، عندما كان يساعد في نقل المصابين والقتلى، ويبحث عن أخوه المعتصم بالميدان ولم يعد من حينها.

قام والده بالبحث عنه ضمن المقبوض عليهم في قضايا أحداث الحرس الجمهوري وتبين عدم وجوده ضمنهم. كما قام بالبحث عنه في المستشفيات ضمن المصابين والقتلى لكن دون جدوى، وكذلك لم يتم التعرف عليه ضمن الجثث المجهولة بالمستشفيات أو في مشرحة زينهم، شملت رحلة البحث أيضا السجون ومعسكرات الأمن المركزي وأقسام الشرطة والسجون الحربية ولكن لم يتم التأكد من حقيقة وجوده في أيِ من تلك الأماكن حتى الآن.

قام والد عمرو باتخاذ كافة إجراءات الإنصاف من أجل معرفة حقيقة ابنه المفقود، من بلاغات للنائب العام ووزارة الداخلية وتلغرافات لوزير الدفاع والمُدعي العام العسكري ورئيس الوزراء، من ضمن الشكاوى التي قدمها والد عمرو: شكوى للنائب العام برقم 10672 لعام 2013، وشكوى أخرى للنائب العام برقم 12063 لعام 2014، كما قدم أيضا شكوى للمجلس القومي لحقوق الإنسان وحتى الآن لم يُفتح أي تحقيق بشأن اختفاء عمرو.

ـ “خالد محمد حافظ عز الدين” -43 عاما – محاسب – بني سويف، اختفى في 27 يوليو 2013،  في أحداث مجزرة المنصة، تقول عنه زوجته في إحدى تدويناتها عنه: “قبل ما يمشى رتبلى القنوات اللى بتذيع رابعة تحت بعضها، وكان بيقول كلام غريب.. سبحان الله ما فهمتوش وقتها .. رتبلى القنوات عشان أشوفه قدامي على قناة من القنوات دى… أشوفه مصاب بطلق حى والخرطوش مخرم هدومه وعليها دمه، أشوفه قدامي فاقد الوعى وبيحاولوا يركبوا له تنفس صناعي …كل دا شفته قدام عيني شفته وأنا كنت مكلماه من قبلها ومطمنة عليه… شفته وحسيت الرصاصة فيا أنا وأنا عمالة أنزف من جرحى اللى هيفضل ينزف لحد ما ربنا يجمعنى بيه على خير”.

أربع نهايات

بالبحث في مفقودي رابعة، كانت قصص المفقودين تختتم بنهايات أربع، إما أن يكون ذلك المفقود قد قتل وتشوهت جثته، واستطاع أهله الوصول إليها عبر تحليل البصمة الوراثية DNA، أو أنهم لا يجدونه بذات التحليل بسبب تشوه الجثة بشكل يصعب استخلاص البصمة الوراثية منها، ومن ثم تدفن في مقابر الصدقة التابعة للدولة، أو أن هؤلاء المفقودين قد قتلوا أثناء عملية فضّ الاعتصام، ثم دفنوا بمعرفة رجال الشرطة والجيش، وأخيرا أن يكون المفقود قد اعتقل ولا يزال رهن احتجاز في مقر أمني سري.

النهاية الأولى وُجد لها نموذجان، هما مصطفى المعداوي وحسن البنا، أما النهاية الثانية فكانت من نصيب 35 شخصا مجهولي دفنوا في مقابر صدقة محافظة القاهرة في منتصف يناير 2014، النهاية الثالثة لا يوجد ما يدعمها سوى حديث من أهالي المفقودين الذين سمعوا عن مقبرة في مركز التدريب التابع لوزارة الداخلية في طريق “القاهرة – السويس”، ولعل تحقيقا مستقلا يكشف مزيدا من التفاصيل، النهاية الرابعة كانت مرتكزا أساسيا للبحث، ولكن هناك بعض الأهالي لا يزالون موقنين بأن أبناءهم وأزواجهم على قيد الحياة في سجن ما على أرض مصر، من هؤلاء زوجة المحاسب خالد عز الدين، فجميع الروايات تقول إنه اعتقل حيًا، مساء مجزرة المنصة “نهاية يوليو 2013”.

وهكذا وبعد 5 سنوات من المجزرة، ثمّة معاناة يصعب تحمّلها. هناك، تنتظر عائلات أن يعود المختفون قسريا إليها. تنتظر أي أخبار عنهم. هل هم أحياء؟ هل هم بخير؟ هؤلاء ليسوا قادرين على الحداد ولا حتّى العيش من دون أحبائهم. لكنهم يعيشون على أمل أن يعودوا!!.

ملعب التنس

وكان موقع ميدل إيست مونيتور البريطاني، قد كشف في تقرير له، عقب انتهاء فض رابعة والنهضة بأيام قليلة، أن عددا من سيارات الترحيلات كانت تحمل جثث الشهداء وانتقلت بهم إلى الإدارة العامة لتدريب قوات الأمن وسط حراسة أمنية مشددة، وبعد منتصف الليل أخلي المعسكر وحفر ملعب التنس لترتكب فيه الجريمة.

وتابع التقرير أن ملعب التنس شهد دفن نحو 200 شهيد، وذهبت بقية جثث ضحايا ميدان رابعة لتدفن في الخرسانات التي شيدت عقب إخماد حريق الميدان تحت إشراف اللواء حسن عبد الحميد، مساعد الوزير لقوات الأمن.

وجاء قرار دفن شهداء رابعة في مقابر جماعية بإشراف من الجيش ووزارة الداخلية، بعد توارد الأنباء بأن عدد الجثث كبير جدا، وأن كل ثلاجات الموتى والمشارح لن تستوعب هذه الأعداد، إضافة إلى الخوف من أن يظهر الإعلام الجثث التي كانت مختفية في سيارات الترحيلات. وهكذا تتفاقم الحيرة من إجرام عساكر السيسي، الذين يصرون على استمرار سلسال الدم في مصر.

رابط دائم