كتب كريم محمد:

يوم الأربعاء 29 نوفمبر الماضي زار وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو القاهرة، واكتفى المتحدث العسكري المصري بالقول إن "صدقي صبحي القائد العام للقوات المسلحة استقبل وزير الدفاع الروسي وعقد الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة المصرية الروسية"، ولكن الصحف الروسية قالت إن الوزير الروسي "عقد محادثات مع القيادة السياسية والعسكرية في مصر".

وفي اليوم التالي، الخميس 30 نوفمبر 2017 نشرت الحكومة الروسية مسودة اتفاقًا غريبًا بين روسيا وسلطة الانقلاب تجاهلت صحف الانقلاب الإشارة إليه؛ وهو اتفاق يسمح للطائرات العسكرية للدولتين بتبادل استخدام المجال الجوي والقواعد الجوية؟!

ولأنه لا يتصور أن تسافر الطائرات المصرية إلى روسيا لإجراء مناورات عسكرية هناك لعدم قدرتها على ذلك، فيكون معنى الاتفاق أنه اتفاق لاستعمال الروس قواعد مصر العسكرية وأجواءها الجوية، وجاء النص على حق مصر بالمثل لذر الرماد في العيون.

والأغرب أنه وردت مسودة الاتفاق المشبوه في مرسوم حكومي وقعه رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، بتاريخ 28 نوفمبر، أي قبل لقاء وزير الدفاع الروسي مع المصري بـ24 ساعة، وكأن اللقاء كان هدفه أن يبصم الوزير المصري على الاتفاق الروسي الجاهز!

وتضمن المرسوم أمرًا لوزارة الدفاع الروسية بإجراء مفاوضات مع المسئولين المصريين، وتوقيع الوثيقة بمجرد توصل الطرفين لاتفاق.

ووفقًا لمسودة الاتفاق، سيكون بوسع الطائرات الحربية الروسية والمصرية استخدام المجال الجوي والقواعد الجوية في البلدين، بعد إخطار مسبق قبلها بـ5 أيام، ومن المتوقع أن يسري الاتفاق لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد.

احتلال عسكري
الاتفاق الروسي مع سلطة الانقلاب يبدو بالتالي اتفاق احتلال أراضي مصرية، ولا يمنحهم فقط قاعدة عسكرية، بل يمنحهم كل المطارات والقواعد العسكرية المصرية للعمل منها، على غرار ما قدمه لهم الرئيس السوري بشار الأسد لينقذوا نظامه.

فهل فعل السيسي الشيء نفسه ليضمن حماية روسية له ولسلطة الانقلاب في ظل ميوعة المواقف الأمريكية والابتزاز المستمر له؟ ومنها قراراتها الأخيرة بتجميد جزء من معونة العام الحالي (195 مليون دولار) وحجب جزء (100 مليون) من معونة العام القادم 2018؟!

هل هو لعب على الحبلين الروسي والأمريكي لضمان بقاء الانقلاب مدعوما من أحد الطرفين؟ خاصة أن أمر القواعد الروسية في مصر يقلق الأمريكان وأكدوا قبل ذلك وجود قوات روسية فعلا في قاعدة عسكرية مصرية قرب السلوم تستخدم في دعم الانقلابي الليبي المتقاعد خليفة حفتر؟

منذ 2016
وتعود قصة القواعد لعام 2016 حين أكدت صحف روسية وايطاليا وصول قوات روسية لإجراء مناورات مشتركة في مصر، وقيام روسيا بإنشاء قواعد عسكرية في مصر، حيث قالت قناة (روسيا اليوم) أن هناك مباحثات مصرية روسية لإقامة قاعدة عسكرية روسية في سيدي براني على ساحل البحر المتوسط.

وقتها نفي المتحدث باسم قائد الانقلاب إقامة أي قواعد عسكرية على أراضي مصر، وشكك سياسيون مصريون في النفي الرسمي مؤكدين أن الانقلاب سبق أن نفي الكثير من الوقائع ثم ثبت أنها حقيقية.

وقالت صحيفة "ازفيستيا" الروسية حينئذ أن روسيا تجري محادثات مع مصر حول استئجار منشآت عسكرية، من ضمنها قاعدة جوية في مدينة سيدي براني شمال غرب مصر، قرب ساحل البحر المتوسط.

ونقلت "ازفيستيا" عن مصدر في الخارجية الروسية، ومقرب من وزارة الدفاع، أنه "تم التطرق أثناء المحادثات إلى أن القاعدة ستكون جاهزة للاستعمال بحلول عام 2019، في حال توصل الطرفان لاتفاق".

وأشارت الصحيفة إلى أن القاعدة التي تقع في مدينة سيدي براني سيتم استخدامها كقاعدة عسكرية جوية.

سيدي براني
أيضا أكد تقرير لموقع "ستراتفور" الاستخباري الأمريكي أكتوبر 2016 أن روسيا تتفاوض مع مصر بالفعل لاستخدام ميناء "سيدي براني" وأن مصر تلفت نظر أمريكا لأهمية هذه القاعدة.

وقال التقرير تحت عنوان: "روسيا تسعى جاهدة لتغطية قواعدها"، أن روسيا تسعي حاليا لاستعادة نفوذها في جميع أنحاء العالم، عبر دراسة استعادة قواعدها العسكرية خلال الحقبة السوفيتية في مصر وفيتنام وكوبا، لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية عالميا.

وقال إن ما كشفته "ازفستيا" نقلا عن مسؤولين بوزارة الدفاع والخارجية الروسية بشأن تفاوض القاهرة وموسكو على منح روسيا تسهيلات عسكرية في مصر وتجديد وجودهم في قاعدة جوية سوفيتية سابقة في المدينة المطلة على البحر المتوسط "سيدي براني"، ما هو سوي جزء من خطة استراتيجية روسية لإعادة قواعد الاتحاد السوفيتي السابقة من مصر إلى فيتنام إلى كوبا لإيران.

وأشار التقرير لأنه يمكن لمصر ان تلعب بالبطاقة الروسية (طلب الحصول على قاعدة سيدي براني) لجذب انتباه الولايات المتحدة، لهذا نفى المتحدث باسم "الرئاسة" المصرية تقرير ازفستيا عن تأجير القاعدة لروسيا.

وأشار تقرير "ستراتفور" إلى أن سلطة الانقلاب تسعي للعب بين واشنطن وموسكو، وتحاول التخلص من الضغوط والتهديدات الروسي، منذ إسقاط الطائرة الروسية في سيناء، لتعزيز الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة.

ونوه لأنه "في أعقاب الانقلاب العسكري عام 2013، كثفت مصر عمليات التدريب المشتركة والصفقات العسكرية مع موسكو ردا على عزوف واشنطن عن التعاون مع النظام الجديد، ولكن الولايات المتحدة استأنفت لاحقا مساعداتها العسكرية لنظام السيسي.

وأشار التقرير إلى أن "السيسي يسعى أيضا إلى استغلال ورقة المباحثات حول القاعدة العسكرية مع الروس، للمساومة مع رعاته السعودية.

ويقول تقرير "ستراتفور" أن رغم الرفض المصري المعلن تكشف صور الأقمار الصناعية على مدى العامين الماضيين، عن عمليات بناء في القاعدة الجوية سيدي براني، وتحديث المدارج وإضافة بني تحتية.

وأشار إلى أن "سيدي براني" كانت هي القاعدة العسكرية التي استخدمتها الطائرات المصرية والإماراتية في عملياتها فوق ليبيا، وتسعى روسيا الآن أيضا لإحياء وجودها السابق في هذه القاعدة، مقابل مبالغ أو مساعدات محددة وفقا لشروط الاتفاق.

وقالت وكالة "سبوتنيك" الروسية أن الاتحاد السوفيتي كان يمتلك قاعدة بحرية في مدينة سيدي براني المصرية حتى عام 1972، وكان يستغلها لمراقبة السفن الحربية الأمريكية، ولكن عقب تدهور العلاقات المصرية السوفيتية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، غادرت القوات السوفيتية هذه القاعدة.

ليست المرة الأولى
وفي عام 2013 كشف موقع ديبكا الاستخباراتي الإسرائيلي عن طلب روسي لإقامة قاعدة ‏عسكرية بمصر. ‏

وقال الموقع إن روسيا اقترحت مدينة الإسكندرية إضافة إلى أربع مواقع ‏أخرى كمقر لإنشاء قاعدة بحرية لها بمصر، وأوضح "ديبكا" أن روسيا ترغب في الحصول على موقع ‏ارتكاز بالإسكندرية لتصبح بديلا لهم حال اضطرارهم مغادرة قاعدتهم ميناء طرطوس بسوريا‎.

وكشف التقرير عن المناطق الثلاثة الأخرى التي اقترحتها روسيا وهي، ميناء دمياط، ميناء ‏بورسعيد، على المدخل الغربي لقناة السويس، اما المنطقة الرابعة فهي ميناء رشيد‎.

ونفي سفير مصر في موسكو حينئذ هذه الانباء، مؤكدا في لقاء مع "ميخائيل ‏بوجدانوف" نائب وزير الخارجية وقتها، رفض مصر فكرة إقامة القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها.

وقبل زيارة وفد روسي لمصر 13 نوفمبر 2013، لبحث تصدير اسلحة روسية لمصر ذكر موقع «أنباء موسكو» أن "روسيا ومصر تتباحثان في شأن منح الجيش الروسي قاعدة بحرية في السويس أو بورسعيد".

كما نقل موقع إذاعة «صوت روسيا» عن الناطق الرسمي باسم الخارجية الروسية «ألكسندر لوكاشيفيتش» حينئذ، أن "وزراء الشؤون الخارجية والدفاع من روسيا ومصر، سيرجي لافروف ونبيل فهمي، وسيرجي شويجو والفريق أول عبد الفتاح السيسي، سيجتمعون لأول مرة في لقاء رباعي، في 13 نوفمبر بالقاهرة، وقال خبراء عسكريون أن اللقاء سيتضمن فكرة القاعدة العسكرية".

استباحة السيادة المصرية
القصة ليست بالتالي قصة قاعدة واحدة (سيدي براني) ولكن استعمال الروس لكل القواعد العسكرية المصرية واستباحة السيادة المصرية التي مرغها قاد الانقلاب في الوحل باستباحة الرياض تيران وصنافير، واستباحة الاحتلال الصهيوني لسيناء بالدخول إليها بطائراته بمباركة قائد الانقلاب، واستباحة الأمريكان لأراضي مصر، وأخيرا الروس لقوعدنا وأجواءنا لجوية.. أما المقابل فهو حماية قائد الانقلاب ودعم اغتصابه السلطة. 

رابط دائم