كانت مراكز الشباب والساحات الشعبية هي الملاذ للأهالى وتلاميذ المدارس وطلبة الجامعات، يقضون فيها أوقات فراغهم، ويمارسون الأنشطة المختلفة، يلعبون الرياضة ويقومون برحلات، وكانت هي “المفرخة” للأندية والمنتخبات الوطنية في مختلف اللعبات، لكن يبدو أن سلطات الانقلاب لن تترك فى مصر شيئًا إلا وتقوم بالسيطرة عليه والخروج منه بـ”سمسرة” أو “سبوبة”.
وفى خطوة تكشف المزيد من إفلاس دولة عبد الفتاح السيسى، وافق مجلس وزراء العسكر في اجتماعه برئاسة مصطفى مدبولي، نهاية الأسبوع الماضى، على عرض قدمه أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة بحكومة الانقلاب، بشأن مشروعات الوزارة المزمع طرحها بنظام حق الانتفاع بالهيئات الشبابية والرياضية.
“صبحى” زعم أن الخطوة تأتي في ضوء تقديم الكثير من المستثمرين طلبات بشأن رفع كفاءة المنشآت الرياضية، وتنفيذ برامج شبابية داخل الهيئات الشبابية، لذا ارتأت الوزارة طرح هذه المراكز في مزايدة علنية بنظام الترخيص بحق الانتفاع.

فنكوش التطوير
وسبق أن سخر خالد عبد العزيز، وزير الشباب السابق في حكومة الانقلاب من الطلبات المقدمة بشأن تطوير مراكز الشباب، التي زعم من خلالها أن طلبات نواب برلمان العسكر من وزارة الشباب بلغت 160 مليار جنيه، متمثلة فى إنشاء مراكز شباب وملاعب وغيرها من الأنشطة الرياضية، فى حين أن ميزانية الوزارة 335 مليون جنيه، وهذا يعنى أن مصر تحتاج إلى 480 عامًا لتلبية مطالبهم.
الطامة الجديدة تمثلت فى أنه تم حصر المشروعات المستهدفة كمرحلة أولى لـ567 مركز شباب بمحافظات القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية والإسماعيلية والفيوم وبني سويف وأسيوط والمنيا وسوهاج وقنا والأقصر والوادي الجديد والغربية والبحيرة والدقهلية والشرقية والمنوفية، من أجل الاستثمار فيها دون النظر لخطورتها على الطبقات الدنيا، وتتمثل المشروعات الرئيسية في تلك المراكز بـ”حمامات السباحة، قاعات المناسبات، صالات اللياقة البدنية، ملاعب كرة قدم متنوعة، ملاعب تنس أرضي، وملاعب أكلريك متعددة الأغراض “سلة وطائرة ويد”، وحدائق أطفال وكافتيريات”، فضلا عن محال تجارية على أسوار مراكز الشباب.
عواقب وخيمة
النائب البرلمانى السابق أشرف بدر الدين، تساءل عن مغزى ودلالات طرح حكومة الانقلاب، ممثلة فى وزارة الشباب والرياضة، مثل هذا القرار.
وقال، فى تصريحات صحفية: إن الدولة تدفع الشباب إلى الانحراف والتطرف بمثل هذه القرارات، متسائلا عن المستفيد من خصخصة مراكز الشباب بعد موافقة مجلس وزراء العسكر على طرح 567 مركز شباب بنظام حق الانتفاع بمحافظات القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية والإسماعيلية والفيوم وبني سويف وأسيوط والمنيا وسوهاج وقنا والأقصر والوادي الجديد والغربية والبحيرة والدقهلية والشرقية والمنوفية.
يوافقه الرأى الصحفى الرياضى أحمد زين، متسائلا أيضا: هل تريد الدولة الانتفاع بمراكز الشباب على حساب الشباب؟ أم أن رؤيتها للأمر مجرد “جمع” ملايين الجنيهات دون اعتبار لتوابع وعقبات ذلك على “المتنفس” الوحيد لملايين الأطفال والشباب خاصة من هم فى سن المراهقة؟.
وقالت الناشطة علياء أبو ماضى: إحساس الدولة بأن مراكز الشباب والأندية الصغيرة لا قيمة لها يدفعها لفعل ذلك.
واستطردت: “طرح مراكز الشباب للاستثمار خطر على ملايين الشباب”. وأردفت: “لا تلوموا الشباب عندما لا يجد مأوى ومتنفسًا له بعد ذلك أن يفعل شيئًا مشينًا وخطرًا فى حق مصر”.

مذهب العسكر
ويتساءل مصطفى علي، أحد خبراء الرياضة، عن هدف وزارة الرياضة من خصخصة مراكز الشباب وتأجير كافة الخدمات، ألم يكن من الأجدى أن تطبق عمليات الخصخصة على الأندية التابعة للدولة أيضا؟.
وأضاف أن وزارة الشباب والرياضة كل برامجها تعمل على خدمة قرابة الـ250 ألف شاب من أصل 25 مليون شاب في مصر، وأن شباب المؤتمرات ليس هم كل شباب مصر وليسوا هم الشريحة المتوسطة ولكنهم أبناء طبقة الكبار، وهم الذين يرتدون أفخم الثياب للظهور بجانب السيسي، وليسوا هم كل شباب مصر.
وواصل حديثه “الدولة أنفقت الملايين على بعثة مصر في أوليمبياد البرازيل 2016، وشابها عمليات إهدار للمال العام، ورغم ذلك لم يهتز جفن أي مسئول؛ لأن الجميع شرب “الشاي بالياسمين”، بمن فيهم الجهة التي كان من المفترض أن تراقب وهي لجنة الشباب بمجلس نواب العسكر.
الملاعب الخماسية
ولم يأت قرار العسكر الأخير من فراغ، حيث سبق أن قام نظام الانقلاب بحصر الملاعب الخماسية، الذى عرف فيما بعد باسم “بيزنس الملاعب الخماسية”، والزعم بأنه أصبح خطرا على الرقعة الزراعية، ووضع العسكر هذا البيزنس نصب أعينهم، وبدءوا في التفكير للاستيلاء على هذه الملاعب أو وقفها وإنشاء ملاعب جديدة ضمن استثمارات نظام الانقلاب.
وصدر قرار على مستوى الجمهورية، أعطت فيه سلطات الانقلاب أصحاب الملاعب الخماسية في كافة المحافظات بشكل رسمي، مهلة أسبوع من أجل تنفيذ قرار إغلاق جميع ملاعب الكرة الخماسية الموجودة خارج مراكز الشباب، حتى تحولت ملاعب كرة القدم إلى أطلال، بعدما كانت المتنفس الوحيد للشباب بدلا من اللجوء إلى المقاهي والمخدرات.
وبدأ الهجوم على ملاعب كرة القدم الخماسية حينما زعمت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بحكومة الانقلاب، أن هذه الملاعب أصبحت خطرًا على الرقعة الزراعية، رغم أن الملعب الواحد لا تتعدى مساحته فدان ، وأمرت وزارة الزراعة بحكومة الانقلاب تشكيل غرف عمليات مركزية بكل محافظة لرصد وتلقى بلاغات التعديات على الأراضى الزراعية بالوادى والدلتا، وتكثيف حملات الإزالة والتصدى للتعديات الواقعة وقت حدوثها، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية بشأنها وخاصة الملاعب الخماسية.
ابتزاز مراكز الشباب
فى المقابل، كشفت حركة “كشف المستور” للعاملين بالشباب والرياضة، عن أن وزير الشباب والرياضة الانقلابي كان قد بدأ في تنفيذ تعليمات العسكر في ابتزاز أعضاء النوادي الرياضية ومراكز الشباب، من أجل تطفيشهم بدعوى أنهم قادرون على الدفع والمساهمة في تمويل ميزانية الوزارة.
وأكدت الحركة أن الوزير استحدث غرامات مالية غير موجودة بلائحة النوادي تحت مسمى “غرامة وزير الشباب والرياضة”، وتفرض على جميع أعضاء النوادي الرياضية ومراكز الشباب المتأخرين في سداد رسوم العضوية بعد مرور 3 سنوات، بخلاف الغرامات العادية التي تقرها لائحة النوادي.
وقالت إن هذه الغرامة تقوم النوادي ومراكز الشباب بتحصيلها وتوريدها للوزارة دون استثمارها في إنشاءات النوادي، أو الارتقاء بالخدمات المقدمة للأعضاء.
وأوضحت الحركة أن عددًا من أعضاء مركز شباب الجزيرة بالزمالك تقدموا ببلاغ إلى النائب العام ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، ضد صدور إيصال من إدارة المركز عليه (غرامة قرار وزير)، الذي مر عليه 3 سنوات ولم يجدد عضويته، على الرغم من عدم وجود قانون أو لائحة تنص على هذه الغرامة في قانون الهيئات الشبابية لمراكز الشباب التي لا تهدف إلى الربح، ومن ثم يعتبر القرار باطلا ويجب رد هذه الإتاوات ومحاسبة وزير الشباب عن إصداره القرار.
وأكدت أن غرامات تأخير سداد الاشتراك السنوي للأربع سنوات تبدأ من 500 جنيه، وألف جنيه للخمس سنوات، و3 آلاف لـ6 سنوات، و4 آلاف لـ7 سنوات و5 آلاف لـ8 سنوات و6 آلاف لـ9 سنوات حتى تصل لـ13 ألف جنيه غرامة لـ15 عاما.
إلى الهاوية
وفى حين يتخذ العسكر من ملاعب ومراكز الشباب “سبوبة” ينحدر شباب مصر إلى الهاوية، ووسط ضبابية حكم العسكر يزداد الوضع العام للشباب من الجنسين من سيئ لأسوأ، تارة بعدم توفير فرص عمل وانهيار الاقتصاد وازدياد العنوسة بين الفتيات ومشاكل أخرى دعتهم للانتحار أو تعاطى المخدرات أو للهجرة غير الشرعية هربًا من جحيم الانقلاب.
هذا ما كشفت عنه الدكتورة غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعي فى حكومة الانقلاب، أن الإدمان أخطر من الإرهاب على المجتمع المصري.
وأكدت أن 10% من المصريين يتعاطون المخدرات وهو ما يمثل ضعف المعدل العالمي، كما أن 27% من الإناث في مصر يتعاطين المخدرات، لافتة إلى أن سن تعاطى المخدرات انخفض إلى 10 و11 عاما، وبرزت ظاهرة تدخين الشباب المخدرات أمام والديهم داخل المنزل.
10 ملايين مدمن
جدير بالذكر أن عمرو عثمان، مدير صندوق علاج الإدمان التابع لوزارة التضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب، كشف عن وجود حوالي 10 ملايين شخص يتعاطون المخدرات، بنسبة 10.4%.
وقال “عثمان”، فى تصريحات صحفية مؤخرا: إن تعاطي المخدرات هو الخطوة الأولى للإدمان، مشيرا إلى أن تعاطي المخدرات يضرب جميع الفئات الاجتماعية داخل مصر. وأضاف أن المخدرات مرتبطة بجرائم السرقة والتحرش، مشيرا إلى أن 79% من مرتكبي الجرائم كانوا تحت تأثير المخدرات.