التعليم فى مصر كارثة على كل الأصعدة، وتزعم حكومة الانقلاب أن ذلك بسبب مجانية التعليم، بعدما كانت المجانية حقًا دستوريًّا أصبحت عبئًا تمنُّ به الدولة على المصريين، ثم لا ينتج عنه إلا تكدس الفصول وضعف المستوى وأخيرا الرقص من أجل إيصال المعلومة، فباتت كلمة المنقلب السيسى “ينفع التعليم فى إيه فى شبه دولة” شعار المرحلة، فمن المسئول عن تدهور المنظومة التعليمية في مصر؟.
كان انتشار مقاطع فيديو لمعلمين يقومون بتدريس مناهج دراسية على أنغام الأغانى الشعبية والمهرجانات، قد أثار تضاربًا بين مؤيد ورافض لمثل هذه الأمور، وبين منتقد لكون التعليم بات منهارًا مع سبق الإصرار والترصد.
وانتشر مقطع لمدرس وهو يقوم بتلقين عدد من طلاب الثانوية العامة مادة “الفلسفة” على نغمة أغنية “تيكا تيكا تيكا”، وسط تفاعل من الطلاب بين الهتاف والتصفيق والطرق على المنضدة.
بعدها بأقل من 24 ساعة، تداول ناشطون مقطع فيديو آخر لمدرس بالإسكندرية أثناء تعليمه الفلسفة على أنغام المهرجانات الخاصة بالمطرب الشعبى” حمو بيكا”.
كنت بهزر
من جانبه، قال لطفي أبو زيد، مدرس فلسفة، الذي ظهر في الفيديو: إن أحد الطلاب قام بتصوير الفيديو دون علمه، وقام برفعه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، متابعًا: “دي حصة فلسفة عادية، إحنا في بلد أرياف وكنا بنهزر وبنهرَّج، لكن ماعندناش الانفتاح اللي في أماكن أخرى”.
وأوضح أبو زيد، فى تصريح له، أن علماء النفس يؤكدون أن التذكر السمعي أسرع من التذكر البصري، وأن الدكتور محمود أبو النصر، وزير التربية والتعليم الأسبق، تحدث عن التدريس بطريقة مسرحية أو تمثيلية، خلال فترة دراستي في كلية التربية، مؤكدًا: “أنا مش باغني أو باجيب كلام من بره المنهج، أنا باحاول أقدم المادة والمعلومة للطلاب بشكل مختلف لاستيعاب المنهج”، وفق حديثه.

نوع مرفوض
بدورهم، انتقد أولياء الأمور ورواد التواصل الاجتماعى الأمر برمته، وقالت المغردة “بسنت نور”: هذا إسفاف.. العلم يأتى بالأدب والأخلاق وليس بهز الوسط والتصفيق والرقص.
تضامن معها كمال صبحى فكتب: “كلام فارغ وتهريج.. وهذا يضيع هيبة المعلم والتعليم”. فى حين انتقد “عصام علي” الطريقة وغرد قائلاً: “التعليم فى مصر بقى على واحدة ونص، شعب مسخرة”.
فى حين رفض أحمد لبيب انتقاد المدرسين فقال: “كل شيخ وله طريقته، ودى طريقة تنفع مع الطلاب ويتجاوبون معه.. المهم تؤتى ثمارها”.
على واحدة ونص
فى هذا الإطار، أجمع خبراء تربيون على انهيار المنظومة التعليمية، وأنها لم تعد صالحة لتخريج أجيال قادرة على النهوض بالمجتمع، حيث التلقين والحفظ سمة عامة، خاصة في المراحل الأولى من العملية التعليمية وزاد فى الأمر موجة التعليم الراقص.
وأرجع الخبراء انهيار التعليم لأسباب عدة، من أهمها الحالة الاقتصادية، وضعف الميزانية المخصصة للتعليم، واتباع النظم الأسوأ في التدريس، والاعتماد على الحفظ والتلقين وغيرها من الأسباب.
وقال الدكتور زكريا القاضي، خبير المناهج التعليمية ورئيس قسم الإعداد بمركز تطوير المناهج سابقًا: إنه لا يوجد تنسيق بين الجهات المسئولة عن التعليم. مضيفا في تصريح له، أن “قياس مهارة التعليم في مصر أصبح مرهونًا بمهارة الحفظ، وهذه أسوأ مهارة في التعليم”، بحسب قوله.
وأشار إلى أن التعليم ما قبل الجامعي مربوط بتقدم البحث العلمي في أي دولة من دول العالم، مشيرا إلى أن طبيعة التعليم والامتحانات في مصر لا بد أن تتغير من الحفظ والتلقين إلى البحث والتفكير.
فى حين قال الخبير التعليمى أحمد الحلونى: إن مشاهد الرقص للعلم والتعليم لا تجُدى نفعًا بدون عقل أو فهم مرتبط بسلوك المدرس والطالب على حد سواء.
وأضاف فى تصريح له، “ما حال المدرس وهو يواجه طلابه بعد ذلك؟”. مردفا: سيبقى “مكسورا” لا يناطحه بسؤال أو حديث أو كلام موزون.
الضحك والتسلية
إحدى الطالبات وتدعى “ه.أسامة”، ترى أن ذهابها للدرس للضحك والتسلية فقط، وتقول: “من أهم أسباب ذهابى للدرس هو الضحك والتسلية.. فطريقة المستر فى إلقاء الدرس مضحكة للغاية وجديدة بالنسبة لى.. فعلى الرغم من الاستفادة التى أحصل عليها من خلال الدرس فإننى فى كل مرة بأتعب من كثرة الضحك على أسلوب المدرس وطريقته فى التعبير”.
وتابعت “لكن هذا لا يضيع من مجهوده.. فهو يبذل مجهودا كبيرا كى يحفظنا المنهج ولكن بطريقة جنونية!. فالدرس بالنسبة لى حالة جديدة تخرجنى من ضغوط وتوتر باقى الدروس ويغير لى مود المذاكرة.. كما أنه يجعلنى مقبلة على دراسة باقى المواد بهذه الطريقة الغنائية!.

عدم تطوير المناهج
فى حين قال الدكتور حسنى السيد، أستاذ التربية بالمركز القومي للبحوث: إن عدم تطوير المناهج والعمل على أسلوب الحفظ والتلقين أيضًا من أسباب فشل المنظومة، مشيرا إلى أن ميزانية التعليم والبحث العلمي لا تقارن بطموحات هذا البلد.
وطالب بأن يكون التعليم قضية أمن قومي حقيقي وليس كلامًا مرسلا بإدارة محترمة وإرادة قوية، قائلا: “التعليم مسئولية دولة وليس مسئولية وزارة”.
وانتقدت الباحثة عفت القاضى، نمط التدريس ووصفته بأنه نظام” غبى “لا يرتقى لدولة تزعم أن لديها حضارة 7 آلاف سنة”.
وكشفت عن حقيقة قبل 100 عام، أن دول العالم خاصةً آسيا كانوا يطالبون بتطوير التعليم كما كان يحدث فى مصر، أما الآن فالواقع لديهم متطور وفى مصر “محلك سر”، بل زاد وطأةً وأشد صعوبة بسبب تلك المشاهد المخزية، حسب قولها.