لم تنته ثورة 25 يناير 2011 كما هو شائع بتنحي المخلوع مبارك عن الحكم، بل ربما بدأت منذ ذلك الوقت ضد الجزء الأكبر من جبل الفساد المسمى بجمهورية العسكر، تلك الجمهورية التي لم يكن يدري عنها المصريون شيئًا، بينما جنرالاتها يرفلون في النعيم والمليارات، ويعقدون الصفقات المذلة للشعب على ركام العروبة والإسلام بعدما خدعوا الجماهير بشعارات الانقلابي الأول جمال عبد الناصر.

يقول أحد النشطاء: “برغم ما نعيش فيه من دكتاتورية وظلم وفساد إلا أن الحقيقة ظهرت، وظهرت الشخصيات وظهر المنافقون على حقيقتهم وخلعوا الأقنعة كنت أظنهم رجال ولكنهم كانوا ذئابًا في هيئة بشر، الحمد لله الذي نورنا وأعلمنا الغث من السمين والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه”.

واندلعت ثورة 25 يناير بمظاهرات حاشدة، وانتهت بالإعلان عن تنحي محمد حسني مبارك عن منصب الرئاسة في 11 فبراير 2011، وعند خطأ المحتجين وانسحابهم من الميادين، استغل المجلس العسكري الفرصة وسيطر على الحكم 17 شهرًا، قبل أن يترك كرسي الحكم مكرهًا ويدير مخطط (صهيوأمريكي) ضد أول رئيس منتخب.

وخلال فترة حكمه، اتخذ الرئيس محمد مرسي عدة قرارات جريئة، بينها الإعلان الدستوري لعام 2012، وقوبل بما أطلق عليه “الثورة المضادة”، التي انتهت بانقلاب عسكري قاده وزير الدفاع آنذاك السفيه عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو 2013، منهياً الفصل الأول من ثورة 25 يناير لتستمر نيران الثورة تحت رماد 30 يونيو 2013.

لماذا الانقلاب؟

أُطلق السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي سراح المخلوع مبارك ونجليه، وجميع الفاسدين أركان نظام الحكم السابق، وفي مقدمتهم وزير الداخلية حبيب العادلي، وفُتحت أبواب السجون والمعتقلات في وجه كل من عارض الانقلاب من المصريين من جماعة الإخوان المسلمين وغيرها، وتشير تقديرات منظمات حقوقية دولية إلى أن عددهم يتجاوز سبعين ألفًا.

بتزامن مع ذلك، صدرت مئات أحكام الإعدام في حق معارضي الانقلاب من طرف قضاة وصفوا بأنهم صاروا “متخصصين في أحكام الإعدام”، وتناقلت التقارير الحقوقية المحلية والدولية صورًا وتفاصيل عن معاناة المعتقلين -نساء ورجالا- من انتهاكات خطيرة، وخاصة في سجن العقرب، وتنوعت بين الاعتداءات الجنسية وانتهاء بالحرمان من العلاج والقتل البطيء.

بعد بضعة أسابيع من انقلابه العسكري دشن السفيه عبد الفتاح السيسي معادلته الخاصة لحكم مصر والسيطرة عليها والقضاء على أي احتمال مهما كان ضئيلاً قد يزيحه عن منصبه وربما يحيله إلى المحاكمة.

أيام الانقلاب

الجنرال كان وقتها لا يزال منخرطًا في صخب السياسة ومشاغلها بعد بيان الانقلاب العسكري فدعا إلى تفويض وجمع حوله رموز من يسمون أنفسهم “بالتيار المدني”، وأهدى أيقونتهم محمد البرادعي المنصب التنفيذي الوحيد الذي شغله مؤسس حزب الدستور في حياته فعينه نائبًا لرئيس جمهورية الانقلاب.

وجعل على رأس حكومته حازم الببلاوي أحد مؤسسي الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي كما وضع مؤسسا آخر من الحزب نفسه، هو محمد أبو الغار، في لجنته لتعديل الدستور مع آخرين من التيار نفسه.

السيسي أدرك سريعًا أن قدراته لا تؤهله للمنافسة على منصب الرئاسة في جو من الحرية، كما كان واضحا له من البداية أنه لن يكون الخيار الأمثل للفاعلين الدوليين ولا للناخبين المصريين فقرر الاعتماد على المعادلة الأسهل والأقرب لكل عسكري: كل عوامل البقاء على كرسي الرئاسة يمكن استبدالها إلا عامل القوة العسكرية المسلحة!.

الفاعلون الدوليون إذا ضغطوا من أجل شكل أكثر ديمقراطية يمكن الضغط عليهم بإسرائيل، الاقتصاد ومعاش الناس يمكن دعمه من مخازن رز الخليج، ولو على حساب جزيرة هنا أو منتجع هناك، والأحزاب السياسية التي تمثل دور المعارضة، في غياب المعارضة الحقيقية خلف القضبان، يمكن تجنب دفع فواتير لها عن طريق استخدام الأحزاب المصنعة في أقبية المخابرات الحربية.

البرلمان كذلك يمكن تخليقه ذاتيا بذريعة الخوف من عودة الإخوان، النخبة السياسية يصنعها وينتقيها على عينه ويمنحها المساحة المطلوبة لإبرازها ولو كانت على مستوى علي عبد العال ومرتضى منصور، الإعلام تمت السيطرة الكاملة عليه من خلال مكاتب ضباط الشئون المعنوية داخل ستديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي، تلك حكاية الانقلاب على ثورة 25 يناير التي يخلد المصريون ذكراها كل سنة على أمل تحقيق أهدافها الأصيلة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية.

 

رابط دائم