لم يشهد التاريخ الحديث وربما القديم، شيئا مماثلا لتلك الحالة التي تشهدها مصر من نهب الثروات منذ انقلاب 2013 وإلى الآن، وعلى الرغم من كون البلاد قد شهدت فترات مريرة وطويلة من الاحتلال البغيض بدأت منذ القرن السابع عشر قبل الميلاد مع غزو الهكسوس، تبعهم الفرس ثم الإغريق ثم الرومان ثم الاحتلال الفرنسي وأخيرا الإنجليزي، قوات احتلال أجنبية يسيطر فيها على زمام الحكم من ليسوا بمصريين، إلا أن مصر شهدت أيضا احتلالا من نوع آخر، إنه الاحتلال العسكري، حكام فسدة يعملون تحت حذاء العدو، يُمكّنهم هو من السلطة، فيصنعون له أفضل مما يريد.

ولا يختلف الأمر كثيرًا بين مصر وليبيا، حيث تتضخم أرصدة الجنرالات في البنوك، وتتراكم المليارات فوق المليارات، حيث كشف تقرير نشرته صحيفة فرنسية حول مصادر تمويل الانقلاب في ليبيا الذي يتزعمه اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الحاصل على الجنسية الأمريكية، عن قيامه بتأسيس إمبراطورية اقتصادية لنفسه تعتمد على “استراتيجية الافتراس المالي والاقتصادي للمناطق الخاضعة لسيطرته”.

التوسع في الاقتراض

وقالت صحيفة لوموند الفرنسية، نقلا عن مركز نوريا للأبحاث والدراسات الفرنسي، إن حفتر يدير أعمال تهريب المهاجرين وتهريب النفط وتصدير الخردة إلى جانب التوسع في الاقتراض للحصول على مصادر جديدة للتمويل، ولفتت إلى أن 45% من إيرادات قوات حفتر تأتي من خلال بيع الخردة وتصديرها لتجار الجملة، والتعامل معها كملكية خاصة، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن توسع حفتر في عمليات الاقتراض من القطاع المصرفي الخاص، أدى إلى تفاقم المديونية بشكل كبير.

وأوضحت الصحيفة أن اللواء الليبي المتقاعد استطاع في السنوات الأخيرة أن يؤسس لنفسه إمبراطورية اقتصادية من خلال استغلال موقعه، مؤكدة أنه يعول في ذلك على لجنة الاستثمار العسكري والأشغال العامة التي تعتبر مظلة لأعماله، وبلغ الدين العام في المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها حفتر نحو 35 مليار دينار أواخر أبريل الماضي، بحسب تقرير نشرته وكالة رويترز.

وقالت رويترز، إن حفتر يعتمد على الاقتراض من المصارف، إلى جانب استعماله سندات غير رسمية وأموالا نقدية مطبوعة في روسيا، ونقلت الوكالة عن مصادر عسكرية، لجوء حفتر إلى تجار لاستيراد مركبات وعتاد لاستكمال عمليته العسكرية، إلى جانب سلطة استثمار عسكرية أنشأها مجلس النواب لمنح قواته السيطرة على قطاعات من الاقتصاد كالمعادن والخردة.

ويقتفي حفتر أثر أستاذه السيسي في نهب ثروات الشعب، يقول الناشط عبد الله المصري: “لو استطاع السيسي نهب جميع ملابس المصريين وتركهم عراة لفعل المصيبة.. لقد نهب أموال الجمعيات الخيرية الإسلامية التي كانت تعول فقراء المسلمين.. لا نندهش حين يكون السيسي لصا فقد خان الرئيس الذي صنعه وخطفه ورماه في غياهب السجون، وأباد جماعة الرئيس وحزبه.. فقد كان مجرد لواء من كثير مثله في الجيش لولا الرئيس الذي ظن به خيرًا، ثم أخذ عصابته التي ساعدته في الخيانة فنكل بهم.. أعتقد لن نجد أحقر منه على وجه الأرض”.

وعقب أُفول نجم أكبر قوتي احتلالٍ بالعالم في العصر الحديث، بريطانيا وفرنسا، أواسط القرن العشرين، جاء دور أمريكا لتتسلم الزمام، بعيد خروجها منتصرة من حرب عالمية كبرى، حينها دعمت ثلة من عساكر جيش، أزاحوا ملكا على رأس الحكم في مصر، لينصبوا أنفسهم آلهة تستعبد المصريين، يستنفدون خيراتهم وينهبون ثرواتهم ويسجنونهم طويلا داخل قطار، يُسرِع بهم نحو هاوية من تخلف وتأخر وفساد.

السلب والنهب

ومع ذلك، يبقى عمل هؤلاء جميعا الاحتلال وأدواته، من عملاء ومأجورين، هو السلب والنهب بأكبر قدر ممكن، ولأطول فترة من الزمان، لم يمتد إفسادهم وتخريبهم لأصول الدولة، جميعهم شوهوا الحاضر، فعلا، لكن لم يدمروا المستقبل، أفقروا البلاد وأذلوا العباد، لكن ظلت مصر مع كل هذا دولة، إلا السفيه السيسي، هو الوحيد الذي لم يكتف بتخريبها بل بمحوها محوا، حتى باتت مصر على يديه، كما وصفها هو بلسانه منذ ما يزيد على الستة أعوام، شبه دولة.

يبدو وكأن السفيه السيسي في سباق مع الزمن، مطلوب منه ألا يُبقي شيئا على الإطلاق، بيع منظم وإفساد ممنهج لكل ما في مصر من موارد وأصول وثروات، لم يكتف بالتفريط في حقوق مصر من مياه النيل، أو آبار الغاز شرق المتوسط، أو جزيرتي تيران وصنافير، وقرر أخيرا أن يتوقف عن البيع القطاعي، ليستبدله بالبيع بالجملة، قانون عجيب وغامض، تم تمريره بين سلسلة من قوانين مثيرة للجدل، وافق عليها مجلس نواب الانقلاب.

إنه مشروع قانون إنشاء صندوق سيادي، تحت مسمى “صندوق مصر”، برأس مال قدره 200 مليار جنيه، وبالرغم من أن الصناديق السيادية ليست بدعة بين دول العالم، إلا أن جميعها تهدف لإدارة الفائض من أموال وموارد البلاد، أي ما يزيد على حاجتها في الوقت الحالي، لضمان مستقبل الأجيال القادمة.

تخريب مصر

فإذا علمنا أن مصر هي الأولى عربيا في الاقتراض، وقد قدرت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني، مؤخرًا، حجم الدين الخارجي لمصر بنحو 100 مليار دولار ليعادل 44% من الناتج المحلي الإجمالي.

ووفق تقارير صحفية، فقد لجأ السفيه السيسي إلى الاقتراض نحو 35 مرة خلال عامين فقط، من دول وبنوك دولية ومؤسسات نقدية حول العالم، بإجمالي قروض يفوق الـ50 مليار دولار، أي ما يعادل نحو تريليون جنيه مصري، نتأكد حينها أن صندوق السفيه السيسي السيادي، يختلف عنهم تمام الاختلاف.

وعنونت الإيكونوميست البريطانية، المجلة الاقتصادية الأشهر في العالم، سلسلة تقارير لها بعنوان تخريب مصر، واصفة ما يفعله السفيه السيسي بالاقتصاد المصري ومجالات الصناعة والزراعة والسياحة، بكونه تخريباً متعمداً، لم تكن ثمَّة مبالغة من خبرائها المحترفين، بل هي وصف منطقي وموضوعي لكل ما ترصده لنا المؤشرات على كافة الأصعدة.

Facebook Comments