رغم عدم توافر النصاب القانوني اللازم لتمرير مشروع قانون “تنظيم ممارسة العمل الأهلي” المقدّم من حكومة الانقلاب لبرلمان العسكر، الاثنين الماضي، إلا أنه وافق وبصفة نهائيّة على القانون .

ورفضت أغلبية نواب برلمان السيسي كلّ طلبات إعادة المداولة على بعض المواد، وأعلن 9 أعضاء فقط من جملة الحاضرين عن رفضهم القانون، والذي جاء استجابة لضغوط غربية، استباقا لحضور قائد الانقلاب السيسي اجتماعات قمة “السبع الكبار” في فرنسا الشهر المقبل.

مخالفة دستورية

وأكد متابعون لهذا الشأن- فى دراسة نشرها موقع “الشارع السياسي” المهتم بأخبار السياسة فى العالم العربى اليوم- أن إصرار رئيس برلمان العسكر، علي عبد العال، على أخذ التصويت النهائي على القانون، على الرغم من تواجد أقلّ من 150 عضوا في القاعة من أصل 595 عضوا هو مخالفة دستورية، حيث قال إنّ “إقرار قانون الجمعيات الأهلية بشكل نهائي ضرورة قبل المراجعة الدورية لمصر أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة”، مستطردًا: “هناك استعجال من الدولة على هذا التشريع على وجه التحديد، ومن المفترض أن نوافق نهائيا عليه اليوم، وجميعكم (النواب) تعلمون هذا”.

وأورد القانون العديد من المصطلحات الفضفاضة، في إطار التضييق على عمل الجمعيات الأهلية، مثل إلزام كل جمعية بعدم إخلال نظامها الأساسي بـ”الأمن القومي” أو “النظام العام” أو “الآداب العامة”، مع حظر عمل الجمعيات في المناطق الحدودية “إلا في المناطق التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء، بعد أخذ رأي المحافظ المختص، وموافقة الجهات المعنية على النحو الذي تنظمه اللائحة التنفيذية.

وبحسب مصادر حقوقية فإن “إصرار حكومة الانقلاب على استخدام ألفاظ مائعة وحمّالة أوجه، مثل النظام العام، والأمن القومي، والآداب العامة، فيما يتعلق بضوابط عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، يمنح الوزارة المعنية، والوحدة الجديدة التي ستنشأ بها لمتابعة عمل تلك المنظمات، مساحة للتضييق والعقاب وحتى التصفية، وهو ما يقلق الجهات المانحة، التي ما زالت تعلق مساعداتها للعمل الأهلي في مصر على إصدار هذا القانون بصورة تساعد على نجاح مخططاتها التنموية في مجالات عدة”.

قائمة محظورات

وتتضمن قائمة المحظورات التي جاء بها القانون في تعديلاته الجديدة، العديد من الأمور، منها:

إذا تم النشاط بالمخالفة لأغراض الجمعية التي تم الإخطار بها، وإذا تعلق بالأنشطة السياسية والحزبية والنقابية وفقاً للقوانين المنظمة لها، وتكوين الجمعيات السرية أو السرايا أو التشكيلات ذات الطابع السري أو العسكري أو شبه العسكري، وممارسة أنشطة من شأنها الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو الوحدة الوطنية أو الأمن القومي. وهذه العبارة الأخيرة تعجّ بالألفاظ المائعة حمّالة الأوجه من دون توضيح المقصود بها، ما يسمح بتوسيع مساحة التجريم.

وتتضمن المحظورات أيضا الدعوة إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة، أو أي نشاط يدعو إلى العنصرية أو الحض على الكراهية أو غير ذلك من الأسباب المخالفة للدستور والقانون، والمشاركة في تمويل أو دعم أو ترويج الأحزاب والحملات الانتخابية لأي مرشح في الانتخابات، وكذا الاستفتاءات أو تقديم مرشح في تلك الانتخابات والاستفتاءات باسم الجمعية.

وكذلك منح أية شهادات، علمية أو مهنية، من دون التصريح من الجهة الإدارية أو الجهات المعنية، أو من دون الشراكة الرسمية مع إحدى الجامعات المتخصصة أو الجهات المختصة وفقاً للقواعد المنظّمة لذلك، والصادرة من المجلس الأعلى للجامعات.

وهذه العبارة الأخيرة تحمل تيسيرا لمسألة منح الشهادات لأنها في القوانين السابقة كانت محظورة على الإطلاق.

وتشمل المحظورات كذلك ممارسة أية أنشطة تتطلب ترخيصا من جهة حكومية، وذلك قبل الحصول على الترخيص من الجهة المعنية، واستهداف تحقيق ربح لأعضاء الجمعية أو ممارسة نشاط يهدف إلى ذلك، وإجراء استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها، أو إجراء الأبحاث الميدانية أو عرض نتائجها قبل موافقة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء للتأكد من سلامتها وحيادها وتعلقها بنشاط الجمعية، وإبرام اتفاق بأي صيغة كانت مع جهة أجنبية، داخل أو خارج البلاد قبل موافقة الجهة الإدارية وكذلك أي تعديل يطرأ عليه.

وبحسب مصادر قانونية، فإن المحظور الأخير الخاص بإبرام الاتفاقات قبل موافقة الجهة الإدارية، يقصد به في الأساس “فرض رقابة الوزارة على عقود المساعدة والتمويل التي تبرم مع الجهات الأجنبية قبل إرسالها إليها، وليس بعد إبرامها”، وهو ما يراه مراقبون عاملون في مجال العمل الأهلي عقبة جديدة ستعطل تدفق التمويل لحين موافقة الوزارة على الإبرام، وليس كالسابق، إذ كان الاتفاق يتم ولا يحق صرف التمويل أو الحصول على الدعم إلا بعد موافقة الوزارة. وكانت المنظمات تشكو التعطيل والإرجاء أيضاً.

كذلك فالمنظمات الأجنبية التي سيصرح لها بالعمل، ستخضع لإشراف وحدة إدارية حكومية، بدلا من الجهاز المركزي المُشرف على المنظمات الأجنبية، ستحمل اسم “الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي”، وستقوم أيضا بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات القائمة حالياً في وزارة التضامن. وستختص بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويين المحلي والإقليمي والدولي.

وحسب رصد أولي لمواد القانون، يتضمن القانون 5 مواد تستخدم تعبيرات “النظام العام والأمن القومي والآداب العامة” كأمور لا يجوز الإخلال بها لحماية الجمعية الأجنبية من الحل، إذ يشترط لإنشائها أن يكون لها نظام أساسي مكتوب يتفق مع نموذج تحدده اللائحة التنفيذية التي ستصدر للقانون، وموقع عليه من جميع المؤسسين، ويجب ألا يتضمن هذا النظام الأساسي أي مواد تنص على الإخلال بتلك المصطلحات الثلاثة، التي تزخر بها التشريعات المصرية، وتستخدم غالباً لتوسيع رقعة التجريم.

تسلط حكومي

ولعل عقلية القمع التي تحكم نظام السيسي، تتضح فيما يجيزه المشروع لوزير التضامن الاجتماعي أن يصدر قرارا بإيقاف النشاط أو إلغاء التصريح من الأساس، وذلك فقط “لأسباب تتعلق بتهديد الأمن القومي أو السلامة العامة أو الإخلال بالنظام العام” وذلك من دون اللجوء إلى القضاء، وهو ما يراه مراقبون “وجود شبهة ترصد بتلك المنظمات” ومحاولة لخداع الدوائر الغربية بتخفيف قيود تصاريح العمل، مقابل تشديد الإجراءات العقابية والسماح بتدخلات إدارية مباشرة في أي وقت لوقف الأنشطة أو منع التمويل.

ووفقاً للمشروع فإن المنظمات الأجنبية التي سيصرح لها بالعمل ستخضع لإشراف الوحدة، وحدة إدارية حكومية، بدلاً من الجهاز المركزي المشرف على المنظمات الأجنبية، ستحمل اسم “الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي” وستقوم أيضاً بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات القائمة حالياً في وزارة التضامن، وستختص بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويين المحلى والإقليمي والدولي.

وسيتوجب عليها تقديم رقم حسابها المصرفي وحساباتها الفرعية التي تتلقى عليها أموالها فيحظر عليها تلقي الأموال أو الإنفاق إلاّ من خلاله، وعليها أيضاً تقديم تقرير إنجاز بصفة نصف سنوية، وتقديم تقرير بشأن ميزانيتها المعتمدة من محاسب قانوني معترف به.

وتشير تلك المواد المقرة إلى أن القانون الذي يروج له كوسيلة لإنهاء مشاكل العمل الأهلي والتمويل الأجنبي في مصر “أمر ليس مبشراً”، خصوصاً أن النظام ما زال يعمل على محاولة توجيه الدعم الغربي إلى جمعيات بعينها تابعة للنظام أو يديرها موالون له، على الرغم من عدم تمتعها بالخبرة الكافية في مجالات العمل التنموي والإنساني والحقوقي.

الأموال.. هدف الحكومة

وأخضع التشريع الجمعيات الأهلية لرقابة البنك المركزي بفتح حساب مصرفي في أحد البنوك الخاضعة لرقابة “المركزي”، فإذا زاد أي من مجموع إيرادات الجمعية السنوية، أو مصروفاتها السنوية، عن خمسة ملايين جنيه، كان لها الحق في فتح حسابات أخرى في بنوك أخرى بعد موافقة الجهة الإدارية المختصة.

وفي سياق الاستهداف الحكومي لأموال الجمعيات، حظر مشروع القانون مشاركة الجمعيات الأهلية في أي من المضاربات المالية، واستثمار فائض إيراداتها على نحو يضمن لها الحصول على مورد مالي ملائم، أو إعادة توظيفها في مشروعاتها الإنتاجية والخدمية لدعم أنشطتها، مع جواز الاحتفاظ بما تتلقاه من عملة أجنبية في حسابها، إذا كان نشاطها يتطلّب ذلك، والتصرف فيها بعد مراعاة أحكام القانون وقواعد البنك المركزي. وهو ما يعده خبراء محاولة من النظام المأزوم ماليا بالاستحواذ على أموال الجمعيات وتشغيلها لصالحه أو الاستحواذ على نسبة كبيرة من الأرباح.

مشاريع ربحية

كانت مصادر حكومية قد كشفت، في نوفمبر الماضي، عن أن “الجمعيات الموالية والمؤيدة للنظام طالبت بتمكينها من استثمار أموالها وتشغيلها في مشاريع ربحية، تحت رقابة وزارة التضامن والجهاز المركزي للمحاسبات، وذلك كرد فعل على فشل مخططها لاستثمار أموال التبرعات، بعد تصدّي مجلس الدولة له في ظل العمل بالقانون الحالي الذي سيتم إلغاؤه”.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب، غادة والي، قد طالبت، في أغسطس 2017، أي بعد صدور القانون الحالي بثلاثة أشهر، بإضافة مادة تسمح للجمعيات والمؤسسات الأهلية بالمشاركة في الشركات المساهمة التي أسستها الحكومة أخيراً تحت مسمى “المشاريع القومية للاستثمار والتنمية”، والتي من بينها شركة “أيادي للاستثمار والتنمية” التي تسهم فيها مؤسسة “مصر الخير” الموالية للنظام، المُدارة بواسطة المخابرات. وهي شركة كان عبد الفتاح السيسي يعوّل عليها لقيادة سوق التمويل العقاري والاستثمارات الحكومية في مجالات عدة، كوعاء لاستثمار أموال التبرعات التي جمعها من رجال الأعمال والموظفين والمواطنين في الكيان المسمى “صندوق تحيا مصر” والذي لا يخضع لرقابة أي جهة.

ويأتي المشروع الجديد ليجيز اشتراك الجمعيات، التي في الأساس لا تهدف إلى الربح، في تأسيس شراكات طويلة الأمد ومربحة مع غيرها من المؤسسات. وهو ما سيحقق الربط الذي كانت تسعى إليه الحكومة بين قطاع الأعمال العام والقطاع العام والجمعيات الأهلية للاستفادة بقدرات كل منها في إقامة مشاريع في مختلف المجالات الخدمية والصناعية والإنتاجية، خصوصاً في المدن الأكثر احتياجاً، لتوفير أكبر قدر من فرص العمل، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب استهدافها تحقيق الربح، لخلق وظائف مستدامة وتحقيق عوائد اقتصادية للجمعيات الأهلية والجهات الحكومية المساهمة فيها. ويتغلب المشروع الجديد بذلك على عقبة حالت لمدة عامين دون تنفيذ مشاريع كان يحاول نظام السيسي الإسراع في تنفيذها، لتحقيق أرباح مالية للحكومة وتحقيق الانتعاش للاقتصاد القومي، من خلال الدمج بين مؤسسات الحكومة ومنظمات المجتمع المدني الموالية للنظام والخاضعة لسيطرته، والمؤسسات المساهمة فيها”.

ضغوط أجنبية

وبحسب مراقبين، أثمرت الضغوط الأجنبية من عواصم عالمية على الحكومة، عن إقرار التعديلات الجديدة في القانون الذي تقدمت به الحكومة وأقره البرلمان، وليس تلبية احتياجات داخلية، وهو ما أكدته المعارضة المصرية، على لسان تكتل “25-30″ البرلماني.

فيما لا تزال عدة دوائر غربية وبعض السفارات العاملة بالقاهرة المهتمة بملف الجمعيات الأهلية قلقة بشأن بعض المواد التي تراها تفتح مداخل للسيطرة الحكومية على العمل الأهلي والتضييق على عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، المدعومة من العواصم الكبرى، وعلى رأسها واشنطن، وكذلك فروع المنظمات الإقليمية العاملة في مجالات التنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان”.

وكانت لجان خاصة من جهازي الاستخبارات العامة والأمن الوطني قد اجتمعت مع ممثلي منظمات المجتمع المدني الأجنبية في مصر، والجهات المانحة التابعة لحكومات الولايات المتحدة وألمانيا والدول الاسكندنافية بغية التوصل إلى “اتفاقات ثنائية” مع كل جهة بشأن مقترحات التعديل من جانب، وبشأن خطة عملها في مصر للعامين المقبلين من جانب آخر.

وكان هذا التحرّك يستهدف إرضاء الحكومات الأجنبية وضمان استمرار ضخها أموال المساعدات للجمعيات المصرية، لأن المؤسسات التابعة للحكومة لا تستطيع تحمّل الأعباء وتوجيه الأموال ومباشرة الأنشطة في جميع المحافظات، وبالتالي فإنّ حاجتها لجمعيات مصرية تكون وعاءً لمساعداتها الاجتماعية يحتّم عليها ضرورة الاستعانة بتلك الجمعيات، ويحتم على الحكومة المصرية اتخاذ التدابير اللازمة لاستمرار تدفق الأموال، والذي انخفض بصورة ملحوظة منذ صدور القانون الحالي في مايو 2017، والذي أقر تعديله قبل يومين.

Facebook Comments