"خرج ولم يعد" قد تكون صادفتك الكثير من تلك الملصقات الشعبية بكثافة على حوائط شوارع المجن بل والقرى في الكثير من المحافظات فى الفترة الأخيرة فى صورة تدعو للقلق، الملصقات تحمل صورًا وبيانات عن أطفال مفقودين.. وباتت قضية اختطاف الأطفال تثير رعبا كبيرا بين أسر مصرية كثيرة، خصوصا الفقيرة منها. وتواجه الأجهزة الأمنية اتهامات كثيرة بأنها تركز على قمع المعارضين وفض المسيرات واعتقال النشطاء، وتنشغل عن أداء دورها الأساسي في حماية المواطنين.

وبرغم أن ظاهرة خطف الأطفال موجودة بالمجتمع المصري منذ سنين طويلة، إلا أنها تفاقمت في السنوات الست الأخيرة من عمر الانقلاب، ويرجع ذلك إلى حالة الانفلات الأمني التي يعيشها المجتمع المصري. كما أن الأوضاع الاقتصادية المتردية أدت إلى تعاظم الفكر الإجرامي لدى بعض الخاطفين، الذين يحاولون كسب المال إما من خلال فدية من أهل الطفل المخطوف، أو التسول بالأطفال لاستعطاف المجتمع.

سوق العرب
وقد أثار موقع إلكتروني، يحمل اسم "سوق العرب"، ضجة كبيرة إذ يتبنى بيع الأطفال. ويعرض الموقع أطفالاً للبيع، يتراوح سعرهم بين 30 ألف جنيه و200 ألف جنيه للطفل؛ يُحدِّد السعر كون الطفل المعروض ذكراً أو أنثى، وحسب الحالة الصحية ولون الشعر والعينين والبشرة، حاملاً شعار "لدينا أطفال للبيع من كل الأعمار للراغبين في التبني والشراء".

الأمر أحدث حالة من الرعب داخل المجتمع المصري، الذي يئنُّ بطبيعة الحال من انتشار خطف الأطفال واستخدامهم للتسول، والتجارة بهم وبأعضائهم، وانتشرت أيضاً صفحات في مواقع التواصل الاجتماعي، تعمل على تحديث بيانات الأطفال والمختطَفين.

اعتراف رسمي
فى الشأن نفسه، اعترف اللواء رشيد بركة، مساعد وزير الداخلية السابق، أن خطف الأطفال انتشر بشكل كبير فى الاونة الأخيرة، لثلاثة أهداف، الأول يتم للحصول على فدية، ويتم اختيار الأطفال من العائلات الثرية، التى تمتلك القدرة على دفع النقود المطلوبة والخصوع للابتزاز.

أما الهدف الثانى الذى انتشرت من أجله جرائم خطف الأطفال، فهو التسول، خاصة مع انتشار ظاهرة التسول بالأطفال فى كافة المحافظات، وصعوبة اكتشاف إن كان الطفل الذى تستخدمه المتسولة فى استعطاف المواطنين، إبنها أم لا. وأضاف مساعد وزير الداخلية، أن عصابات التسول تزور شهادات الميلاد الخاص بالأطفال بعد خطفهم، لنسبهم إليهم، للهرب من مطاردة أجهزة الأمن التى تتبع المتسولين بالشوارع، خاصة وأن تزوير شهادات الميلاد يعد سهلا ومعتادا بينهم، كما يتم نقل الطفل المخطوف من المحافظة التى يقيم بها إلى محافظة أخرى بعيدة عن أسرته حتى لا يتم التوصل إليه.

قطع غيار وتجارة الأعضاء
فى السياق ذاتة، أعاد نشطاء عبر “يوتيوب” تقرير أجرتة قناة “الحياة” أحد أذرع الانقلاب الإعلامية، عن تجارة الأعضاء البشرية “تحت عنوان “برازيل الشرق “مصر”. وفى 22 أغسطس فى العام 2017، ألقى القبض على 12 طبيب في محافظة الجيزة، يشكلون شبكة للإتجار بالأعضاء البشرية، وذلك بعد أيام قليلة من انتشار تحقيق صحفي ألماني على شبكات التواصل الاجتماعي يكشف عن بعض كواليس مافيا تجارة الأعضاء.

كما كشفت أيضا عن سقوط عصابات خطف الأطفال فى المحافظات، خلال العام الحالى والتى كان أخرها “الطفل سامى هشام”، وأن دوافع خطف الأطفال تكون اما للتسول بهم ونسبة اخرى تكون لبيعهما لراغبى التبنى الذين يعانون من عدم الانجاب والنسبة الأكبر لطلب فدية بعض العصابات تخطف الأطفال لبيع أعضائهم البشرية.ومن بين تلك القضايا، ما كشفت عنه تحقيقات النيابة العامة بدكرنس بالدقهلية عن أخطر قضية خطف أطفال منذ شهرين والمتهم فيها طفل معاق بتزعم تشكيل عصابى لخطف الأطفال وبيعها لتجار الأعضاء البشرية مقابل 1000 جنيه عن كل طفل.

أنا عاوز أحافظ على البنات
كما أعاد النشطاء حديث الرئيس الشهيد د.محمد مرسى وهو يتخوف مما يحدث وكأنه كان يشعر بذلك، حيث قال فى آخر خطاباتة الرئاسية قبل الانقلاب.. "حافظوا على مصر , انا عايز احافظ على حياتكو كلكو,انا عايز احافظ على الاطفال ولادنا اللي هيجوا يكبروا بعدنا ,انا عايز احافظ على البنات هيبقوا امهات المستقبل."

دولة العسكر في المركز الثالث
وكان صحفي ألماني قد استطاع اختراق مافيا تجارة الأعضاء في مصر، ليكشف عن حقائق بشأن تلك المافيا، وكيف تتورّط مستشفيات خاصة شهيرة في تلك التجارة غير المشروعة.وأوضح التحقيق، الذي نشره موقع “بريس بورتال” الألماني مؤخرا، كيف تحتجز عصابات تجارة الأعضاء بعض الأشخاص بالقوة، وتستولي على أعضائهم، دون دفع أي مبالغ مالية لهم، حتى أنه لم تمنع إصابة بعضهم بأمراض خطيرة مثل الإيدز من سرقة بعض أعضائهم وزرعها لآخرين.

في تقرير نشرته المجلة البريطانية لعلم الإجرام عن تجارة الأعضاء البشرية في مصر، أغسطس العام الماضي، تم الكشف عن بعض الأرقام والإحصاءات الكارثية عن حجم هذه التجارة، حيث توصل إلى احتلال مصر مركزًا متقدمًا بين الدول المتورطة في هذا النوع من التجارة غير المشروعة، وأنها تعتبر من أكبر الأسواق في تجارة الأعضاء البشرية في العالم.

وفي السياق نفسه، كشفت منظمة الصحة العالمية من خلال دراسة صادرة عنها مؤخرًا أن مصر تعد مركزًا إقليميًا للاتجار بالأعضاء البشرية، وصنفت مصر ضمن أعلى خمس دول على مستوى العالم.وفي تقرير لجريدة “التايمز” في سبتمبر قالت إن التقارير الوارد من داخل مصر وخارجها تشير إلى أن أباطرة هذه التجارة يبحثون عن الأطفال وصغار السن ابتداءً، لما يتمتعون به من نضارة في أعضائهم ومن ثم تباع بأثمان غالية مقارنة بغيرها.

انتهاك الطفولة وبطء العدالة
شمل تقرير تحليلى حول انتهاكات حقوق الطفل للمؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة عمليات الاختطاف، وذكر التقرير أنه بلغ عدد الأطفال المنتهكين بداية من يناير وحتى ٢٨ ديسمبر من عام ٢٠١٧ نحو ٣٦٣٠ طفلًا تم انتهاك حقوقهم الشرعية عن طريق القتل والاستغلال الجنسى والعنف الأسرى والعنف المدرسى والإهمال، وغيرها من الانتهاكات فى ١٩٠٩ قضايا تم تداولها إعلاميًا من خلال الصحف والجرائد الحكومية وغير الحكومية… وكانت نسبة الإناث من تلك الانتهاكات ٣١٪، بينما نسبة الذكور ٤٠٪ و٢٩ ٪ نسب للأطفال لم يتم ذكر نوعهم.

يقول هيثم الجندى، مسئول لجنة الطفل بالمجلس القومى لحقوق الإنسان إن الإحصاءات الأمنية لجرائم خطف الأطفال قد ارتفعت معدلاتها، وأن مسبباتها قد تعددت ما بين الرغبة فى التربح بطلب فدية خاصة من الأسر، أو بيع الأعضاء البشرية.مردفا:لقد أصبحت الشحاذة باستخدام الأطفال هى السائدة.

وتابع الجندى، علينا أن نقر بأن جريمة اختطاف الأطفال وتكرارها وتزايدها أصبحت موجودة ومقلقة للشارع المصرى، وأنه الآن الأهم من انتظار تغليظ العقوبة هو تطبيق العقوبة بالفعل وتلافى كل الثغرات القانونية المعروفة للإفلات منها.

نماذج من دفتر التغيب
عشرات من المختطفين فى دفتر التغيب وقوائم البحث دون نتائج، تقول والدة الطفل "م.ا"، إن ابنها تم اختطافه من أمام المنزل فى الساعة السابعة صباحا منذ ما يقرب من الأربعة أعوام، ولم يتصل بهم أى أحد ليطلب فدية أو أى شيء وما يثير العجب فى هذه القضية أنه تم حفظ محضر التغيب وتوقفت جميع التحريات.
وهكذا تصطلي مصر وعائلاتها وأسرها بل والمجتمع ككل بانشغال أمن السيسي والأمن السياسي عن الجنائي، فيما تعجز مؤسسات الدولة عن علاج الأمراض المجتمعية الناجمة عن الفقر والقتل والبلطجة في ظل حكم العسكر.

Facebook Comments