هناك اعتقاد سائد لدى الكثيرين أن اتفاقية سايكس بيكو، المنسوبة لوزير خارجية بريطانيا مارك سايكس، ووزير خارجية فرنسا جورج بيكو، المشئومة وسيئة الصيت والموقّعة في 16 مايو 1916، كانت بداية المأساة المتمثّلة في تمزيق وتقطيع أوصال المنطقة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج، التي كانت موحّدة تحت راية دولة الخلافة العثمانية.

ومن ثم استعمار بلدانها وشعوبها ونهب خيراتها، من قِبل الإمبراطوريتين الاستعماريتين الحليفتين، بعد قسمتها بينهما كما تُقسم الشاة المذبوحة، ولينشأ عن ذلك فيما بعد الدولة الوطنية أو القطرية التي أخذت استقلالها بشكل تدريجي، وهو الاستقلال الذي عمق الانقسام والتجزئة بين العرب الذين صاروا ينظرون للحدود السياسية التي صنعها المستعمرون الخبثاء على أنها أمر واقع وقدر مقسوم، تقوم لأجلها الخلافات السياسية وتندلع بسببها الحروب بين قطر عربي وآخر، وتراق الدماء لأجلها بين شعب عربي وآخر.

وذلك برغم رفع شعارات الوحدة العربية، والتشدق بها ليلا ونهارا، وبرغم استنزال اللعنات على أولئك المستعمرين الخبثاء، الذين اصطنعوا تلك الحدود وخلقوها من العدم، وفرضوا التجزئة القسرية على العرب، حتى صار القرن العشرين يوصف بأنه قرن تكريس التجزئة التي رسمت خطوطها معاهدة سايكس بيكو.

ولا يزال المصريون يستذكرون مشهد يوم الانقلاب العسكري، الذي قاده جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في تاريخ البلاد، وذلك صيف عام 2013، ولم يكن ذلك إلا للحفاظ على بنود معاهدة سايكس بيكو، التي تحرم المصريين كباقي العرب من نعمة الحرية والكرامة.

العسكر خُدام المحتل!

وتجمّع حول السفيه السيسي في تلك الليلة شخصيات مصرية مدنية وعسكرية، لكن بدا بارزًا حضور رأسي الأزهر والكنيسة، وهنا يدور الحديث حول الشيخ أحمد الطيب والبابا تواضروس الثاني.

وأجمع مراقبون في تلك الليلة على أن السفيه السيسي حظي بمباركة الأزهر والكنيسة في وأد التجربة الديمقراطية الوليدة في البلاد، وهو ما أكدته الوقائع؛ حين غضّ شيخ الأزهر الطرف بشكل ما عن الدماء التي سالت في شوارع مصر، كان أبرزها وقوع مجزرتي فض رابعة العدوية والنهضة، منتصف أغسطس 2013، فضلا عما تبعها من حملات شرسة لقمع المعارضين وتكميم الأفواه وفرض الرأي الواحد.

وبعد نجاح الانقلاب العسكري واكتماله بوصول السفيه السيسي إلى سدة الحكم، في يونيو 2014، أظهر الرجل العسكري وجهه الحقيقي، وفرض حقيقة أن كل القيادات في مختلف مؤسسات الدولة يجب أن تدور في فلكه بشكل تام، وإلا فإن مصيرها سيكون إما العزل أو تقليم الأظافر، وصولا إلى الزج بها خلف قضبان السجون.

ولم تكن الأنظمة العربية العميلة– كعصابة السفيه السيسي- التي أمسكت بالسلطة داخل حدود ما سُمّي الدولة الوطنية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مستقلة عن القوى الغربية التي نصّبتها على سدّة الحكم، بل إنها كانت في الغالب الأعمّ وكيلا مباشرا أو غير مباشر لها.

كان دور الأنظمة التي تأسست هو منع قيام قوى وطنية تستفيد من طبيعة الأنظمة السياسية القائمة، بل كان الهدف الأساسي هو نسف كل ما سبق بشكل يصيب الذاكرة والممارسة السياسية الناشئة بعطل كبير.

تمت تصفية الأنظمة الملكية في مصر وليبيا والعراق وسوريا ودول المغرب العربي، عبر مجموعة من الجواسيس العسكريين الذين تفنّنوا في تدمير الحياة السياسية بشكل أوصل هذه الدول إلى ما هي عليه اليوم من انهيار وفقر وتخلف وتبعية.

شروط النشأة

إن خوف القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية من قيام ملكية دستورية شبيهة بالملكيات الدستورية الأوروبية، هو الذي دفع نحو تنصيب أنظمة شمولية جديدة تلغي كل التراكمات التي سبقتها.

شروط النشأة هذه هي التي تفسر كيف أوصلت هذه الأنظمة أجيالا من الشباب إلى مرحلة اليأس، بعد أن فشلت كل التجارب التنموية وكل مشاريع النهضة التي صبغتها بشعاراتها الأيديولوجية.

ولم تقتصر صناعة الموت على الحروب العبثية التي حصدت الملايين من خيرة شباب الأمة، من اليمن إلى ليبيا إلى العراق فسوريا فمصر، بل تجاوزتها إلى كل المذابح والمجازر والحروب الأهلية التي كان النظام الرسمي يقف وراءها، والتي لا تزال أطوارها تتفاعل إلى اليوم.

الخبير الاستراتيجي الأمريكى بالأكاديمية البحرية الأمريكية، روبرت سبنجبورج، أكد أن مبارك الشخص قد رحل، ولكنّ مبارك النظام باق، وشرح الخبير الأمريكى تلك المعادلة الصعبة، قائلا: “في الواقع الذي يحكم مصر منذ عام 1952 هو الجيش، فلذلك النظام قائم في الأساس على الحكم العسكري الذي يميز كثيرا ضباط الجيش بامتيازات عديدة خاصة كبار الضباط، أما مبارك فهو في النهاية شخص يدير الجناح السياسي للجيش”.

“لا تفرحوا كثيرا”، كان ذلك شعار جنرالات المجلس العسكري منذ عودة ثوار يناير من ميدان التحرير، أزمات ثم أزمات ثم أزمات ثم إعلام يحرض الشارع، ثم أزمات ثم مبادرات لاحتواء الأزمات، حكومة الدكتور هشام قنديل تصارع للبقاء، أزمات إعلام يحرض، مجموعات مسلحة تزعزع الأمن، أزمات إعلام يحرض، نغمة الأمن والأمان والاستقرار، مظاهرات نشطاء، أزمات إعلام يحرض.

لم تكن الفكرة في خلق أزمة كالكهرباء أو الوقود، أو إظهار الطوابير والهتافات ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، الفكرة تكمن في تشويه كل ما يخص الثورة حتى لو على حساب فصيل مثل جماعة الإخوان المسلمين، يشهد له بأخلاقه ومبادئه.

إن منع شروط التنمية وتبديد كل الثروات الباطنية والبشرية هي أهم ما يميز حقبة الربيع العربي التي جاءت كصيحة إنذار قبل الانهيار الكبير. لم تبن الأنظمة أوطانا ولا هي أسست لمجتمع جديد بعد أن ألغت كل مظاهر الحرية ومنعت الإنسان من كل حقوقه الأساسية مثل حرية الرأي والتعبير وسلبته حق العمل وحق العيش بكرامة في وطنه.

هذه الظروف وغيرها خلقت حالة اليأس التي تعاني منها أجيال بكاملها بعد أن أفرغت السلطة السياسية العربية المجتمعات من كل قدرة على النهوض. حالة الإحباط هذه هي التي تفسر في الآن نفسه أغلب حالات الانتحار بأنواعها كما تمثل السبب الأساسي الذي يقف وراء التطرف والعنف بكل أشكاله.

Facebook Comments