كشفت لجنة تنظيم إيرادات نهر النيل بوزارة الري، انخفاض الإيراد المائي الوارد لمصر (55.5 مليار متر مكعب سنويا) بحوالي 5 مليارات عن العام الماضي، أي 9% من حصة مصر من الفيضان، في استعراضها الموقف المائي للفيضان هذا العام (2019/2020) جرس إنذار لما سيواجه مصر في أعوام الجفاف، بعدما تخلى قائد الانقلاب عن حقوق مصر المائية مثلما تنازل عن أرضها وسيادتها.

إعلان وزارة الري رفع حالة الطوارئ القصوى خلال الفترة المقبلة لتوفير الاحتياجات المائية للبلاد وبصفة خاصة مياه الشرب؛ كان اول رد فعل حكومي على هذا الإنذار، ولكن المشكلة أن سلطة الانقلاب تتعامل مع الحدث الجلل بحلول تضر المصريين ولا تتصدى للمشكلة الأساسية، وهي تأمين الأمن المائي للبلاد.

فالرد الحكومي على هذا الخطر الداهم هو التشديد على منع زراعة الأرز بكميات كبيرة والسعي لاستغلال مياه الأمطار والصرف الصحي، وتحليه مياه البحر التي لا تعادل كل محطاتها مليارا واحدا من حصة مصر المائية، بينما السعي لتأمين حصة مصر المائية في مواجهة اعداءها ومخطط بناء سد النهضة يبدو وكأنه نوع من التواطؤ مع إثيوبيا.

ماذا يعني تقلص حصة مصر؟

تحتاج مصر سنويا نحو 89 مليار متر مكعب من المياه، بينما حصتها السنوية من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب بعجز مائي يعادل قرابة 34 مليار متر مكعب، منها 20 مليار متر مكعب يتم تعويضها من مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية، والباقي يتم استيرادها كمحاصيل؛ نظراً لعدم قدرة مصر على زراعتها لعدم توفر المياه.

وفي ظل ثبات حصة مصر المائية وارتفاع معدلات النمو السكاني، استمر تراجع نصيب الفرد من المياه في مصر ليصل إلى900 متر مكعب سنويًا، ما يعني أن مصر دخلت مرحلة الخطر أو “تحت خط الفقر المائي”.

فحصة مصر المائية لم تعد تكفيها؛ لأن مياه الشرب تستهلك 11 مليارا (كانت 7 مليارات في أعوام سابقة) و8 مليارات متر مكعب للصناعة والباقي للزراعة وأغراض أخرى.

وانخفاض حصة مصر المائية بمقدر 9% في فيضان هذا العام لا يعني أن حصتها المائية 55.5 مليار متر مكعب ستقل؛ لأن مصر تسحب هذه الحصة سنويا من مخزون بحيرة السد العالي، باعتبار البحيرة هي البنك المائي لمصر، وإذا حدثت أي أزمة أو جفاف يتم مواجهتها من خلال مخزون البحيرة.

ولكن الذي سيتأثر هو الإيراد الواصل لبحيرة ناصر ما سيؤثر على المخزون الاستراتيجي لمصر الذي يتناقص ويزيد حسب حجم الفيضان، وحاليا يعادل قرابة 177 مليار متر مكعب أي 3 اضعاف الحصة السنوية لمصر على مدار 3 سنوات.

أين المشكلة إذن؟ المشكلة أن مصر كانت في أوقات الجفاف السابق تأخذ ما ينقص من الفيضان من بحيرة ناصر التي يقل مخزونها تدريجيا لحين مجيء فيضان عال يعوض ما ضاع.

ولكن الآن تواجه مصر مشكلة بناء سد النهضة وموافقة قائد الانقلاب على بنائه والذي بنت إثيوبيا قرابة 75% منه وتسعى لملئه بالمياه العام المقبل 2020، من نصيب مصر الذي يصلها عبر فيضان النيل.

بعبارة أخرى تريد إثيوبيا ملء سدها بـ 74 مليار متر مكعب مياه من النيل، وتريد هذا على 3 سنوات ما يعني استقطاع قرابة نصف حصة مصر المائية (25 مليار سنويا) مما يصل لمصر من الفيضان (55 مليارا)، وحتى لو تم الملء على 5 سنوات فسيعني هذا حجز إثيوبيا 15 مليار متر مكعب سنويا لمدة 5 سنوات.

وفي كل الأحوال سيكون خزين مصر المائي في بحيرة السد مهددا بالسحب منه سنويا لتعويض ما ستحجزه إثيوبيا حتى يتناقص بما يضر بالزارعة وتوربينات توليد الكهرباء من السد العالي وتحويل أراض مصرية لأراضي بور.

لذلك يقول الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة، إن تخزين وحجز إثيوبيا نحو 75 مليار متر مكعب خلف بحيرة السد؛ سيؤدي إلى بوار أراض زراعية بسبب نقص حصة مصر المائية، واختفاء أنواع مهمة من الأسماك في النيل، والتأثير على الكهرباء المتولدة من السد العالي.

خطر نقص إيراد النيل

تستعد مصر في اغسطس من كل عام لاستقبال الفيضان الجديد، الذي يصلها سنويا منه 55.5 مليار متر مكعب، ولأن فيضان هذا العام نقص 5 مليارات متر وهناك توقعات بفترة جفاف ونقص في المياه السنوات المقبلة، كما أن ٱثيوبيا تنوي بدء التخزين في خزان سد النهضة، يعني هذا أن مصر ستواجه خبطتين في الرأس في توقيت واحد وقد تتعرض للعطش حال نقص مخزون السد بدرجة خطيرة.

والمشكلة أنه بينما تبني إثيوبيا سدها وتسير في خطتها الخاصة بملء السد لم يتم أي اتفاق معها حول كيفية ملء السد وسنواته ولم يتفق الاتفاق أصلا على سلامة السد والدراسات الفنية المتعلقة بها، وكافة المفاوضات السابقة فشلت، وسلطة الانقلاب باتت متواطئة وليست عاجزة عن فرض وقف البناء لحين التوصل لاتفاق حول هذا السد.

والأكثر غرابة أن قائد الانقلاب يحاول التغطية على الجريمة وفشله ولا يصارح الشعب بحقيقة الكارثة؛ لأنه تنازل من قبل عن أمن مصر المائي وأجرم في حق الشعب مرة أخرى، وقال عقب اجتماع 29 يناير 2018 مع الرئيس السوداني السابق عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا: “مافيش أزمة .. مبروك”، مخالفا بذلك كل التصريحات الرسمية المصرية بشأن الغضب من الموقف الإثيوبي المتلاعب.

إذن توقيع السيسي قائد الانقلاب العسكري علي اتفاقية الخرطوم 2015 الخاصة بالموفقة على بناء سد النهضة، كان بمثابة تخل رسمي مصري عن اتفاقيات المياه التاريخية 1929 و1959، وتخل عن حصة مصر السنوية.

والان مع تناقص حصة المياه القادمة من الهضبة الإثيوبية وتناقص كميات المياه في السد العالي بفعل العوامل المناخية، والتدخل الإثيوبي بحجب كميات أخرى، باتت مصر مهددة مائيا خصوصا أن نصيبها من النيل لا يكفيها أصلا ونقصه يزيد عبء تدبير الناقص منه ويحول أجزاء من مصر لأراض بور.

 

Facebook Comments