بين حين وآخر، تخرج مبادرات مشبوهة من داخل السجون ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، تستهدف بالأساس الوقيعة بين المعتقلين السياسيين من الإسلاميين داخل سجون العسكر تحت لافتة “إخراج الشباب من السجون”، واتهام قيادات الجماعة بالتسبب في دخولهم السجن، وتجاهل أن من انحرف هم حفنة من كبار الجنرالات؛ الذين قادوا انقلابا عسكريا فاشيا أجهض المسار الديمقراطي وسفك دماء الآلاف واعتقل عشرات الآلاف من المحتجين السلميين على خطاياه وجرائمه.

وتحت عنوان “مبادرة الشباب المستقل”، أطلقت مؤخرًا مبادرة جديدة من سجن استقبال طرة، قال أصحابها: إنهم طرحوها منذ عام ونصف، ولكنها لم تحظ بأي ردود أفعال، خاصةً من الإخوان المسلمين، معلنين أن هدفهم من طرحها مجددًا إنهاء الانشقاق المجتمعي الذي تشهده مصر، وإنقاذ الشباب من براثن الأفكار التكفيرية المنحرفة، ووضع حد للخروج على الحكام بالسلاح والقوة.

ويبدو من استخدام العبارات مثل (إنقاذ الشباب من براثن الأفكار التكفيرية المنحرفة، وضع حد للخروج على الحكام بالسلاح والقوة) أن صياغتها تمت في دهاليز الأمن الوطني لا في زنازين السجون، وأنها نتاج أفكار خيالية للضباط، لعدة اعتبارات:

أولاً: أن الإخوان لا يكفرون الحاكم ولا أجهزة أمن الانقلاب رغم جرائمهم الوحشية وانقلابهم المسلح على أول رئيس مدني منتخب، وغاية وصف هؤلاء أنهم بغاة ظالمون لا كفار مرتدون، بناءً على أعمالهم وأفعالهم وجرائمهم الشائنة

ثانيًا: أن تاريخ الإخوان وفكرهم يشهد لهم أنهم كانوا أول من وقف ضد أفكار التطرف والتكفير والإرهاب، ويكفي أن كتاب “دعاة لا قضاة” الذي كتبه فضيلة المرشد الثاني للجماعة القاضي النزيه المستشار حسن الهضيبي داخل سجون الطاغية جمال عبدالناصر هو المصدر الأول والأهم في مواجهة أفكار التكفير.

ثالثًا: أن الجماعة أصلاً لا تؤمن بفكرة الخروج المسلح على الحكام، ولا تستخدم العنف طريقًا للوصول إلى الحكم ويكفي أنها القوة السياسية الشعبية الوحيدة في تاريخ مصر كله منذ آلاف السنين التي وصلت إلى الحكم عبر صناديق الانتخابات وأصوات الناخبين في أكثر الانتخابات نزاهة شهدتها مصر طوال تاريخها كله.

رابعًا: أن من خرج على الحاكم الشرعي المنتخب ليس الإخوان، بل هي عصابات العسكر وكبار الجنرالات الفسدة؛ الذين خانوا الأمانة والقسم، وغدورا بالرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، وتواطئوا مع قوى إقليمية ودولية؛ من أجل السيطرة على الحكم بقوة السلاح عبر انقلاب عسكري اتَّسم بأعلى درجات الفاشية والعنصرية والإرهاب.

خامسًا: أن من تسبب في انقسام المجتمع لم يكن الإخوان ولا ثورة يناير، بل هو انقلاب 30 يونيو، وما تلاه من جرائم وحشية مزقت المجتمع، وردّته إلى عصر فرعون الذي علا في الأرض، وجعل أهلها شيعًا، يستضف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ومارس فيها كل أنواع الظلم والفساد؛ حتى غنّى غرابهم المشئوم “احنا شعب وانتو شعب”.

سادسًا: تحميل هذه المبادرات المسئولية على قيادات الجماعة يؤكد أن مصدرها هو قطاع “الأمن الوطني”، وأداته في ترويجها هم بعض الشباب اليائس في السجون، وبحسب مصادر لـ”الحرية والعدالة” فإن معظم هؤلاء الذين يتبنون هذه المبادرة هم قلة اعتقلوا على خلفية مظاهرات ولم يحظوا بأي قدر من التربية الإخوان بل هم كانوا من المتعاطفين أو ممن اعتلقوا على هامش المظاهرات.

سابعًا: يؤكد فشل مثل هذه المبادرات المشبوهة أن من أطلقوها طالبوا نظام العسكر بتوفير المناخ الصحي للمراجعات الفكرية (الفردية) بالسجون، وتيسير الأوضاع المعيشية وتحسين الزيارات، والاهتمام بالملف الصحي وذوي الأمراض المزمنة وإجراء العمليات الجراحية العاجلة، وتفعيل الإفراج الصحي، وتقنين العفو الشامل. وهو ما يعني أن هذه المبادرات لا تحظى بقبول المعتقلين السياسيين؛ لأسباب عديدة، منها: أن التواصل مع قيادات الجماعة في سجن العقرب شديد الحراسة منعدم لأسباب تتعلق بعدم القدرة على التواصل معهم.

الدرس من شباب قضية مطاي

وفي تقرير لموقع “عربي 21” ينقل عن أحد المعتقلين الذين خرجوا حديثًا أنه سمع خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن عشرات المبادرات، وبعضها كان بحسن نية، والآخر كان موجهًا من الأمن الوطني، وبعضها كان نتيجة مراجعات فكرية خضع لها عدد من المعتقلين، وكان يشرف عليها الشيخ أسامة الأزهري، مستشار رئيس نظام الانقلاب للشئون الدينية.

ويستدل القيادي الإخواني بالمبادرة التي طرحها بعض الشباب في قضية أحداث مطاي، المتهم فيها المرشد العام للإخوان المسلمين، والتي طرحت أمام وسائل الإعلام داخل المحكمة، ووجهوا السباب والشتائم للمرشد العام، بعد أن وعدهم ضابط الأمن الوطني أحمد سيف، بحصولهم على البراءة، ولكن الأحكام جاءت ضدهم بالمؤبد والسجن لفترات طويلة، فقاموا بالاعتذار للمرشد، وكشفوا أنهم تعرضوا لخديعة من الأمن الوطني، وضغوط من أهاليهم للإعلان عن مبادرتهم.

خلاصة الأمر أن سلطات الانقلاب وأجهزتها الأمنية اشتهرت بالكذب والافتراء وسفك الدماء وأعلى صور الغدر والخيانة والخسة.. فهل يأمن لهم عاقل أو حكيم بعد كل الدروس التي تعلمناها خلال السنوات القليلة الماضية؟!

Facebook Comments