أثارت التعديلات الدستورية التي يسعى نظام الانقلاب بكل قوة لإقرارها، غضب وانتقاد القضاة الذين رغم انحيازهم للعسكر في انقلاب 3 يوليو 2013 ودورهم في إصدار أحكام جائرة ضد معارضيه، إلا أن قائد الانقلاب الدموي بدأ يكشّر لهم عن أنيابه، ويكشف لهم الوجه القبيح الذى ربما كانوا يتجاهلونه أو ربما أعمى الله أبصارهم فلم يروه إلا الآن.
التعديلات الدستورية بجانب كارثة التمديد لحكم السيسي المجرم، تعمل على تهميش دور القضاة وتحويلهم إلى ألعوبة، وتقليص سلطاتهم وصلاحياتهم، وفرض هيمنة السيسي على كل كبيرة وصغيرة داخل مؤسسات القضاء.
وتضّمنت التعديلات التي تقدم بها ائتلاف “دعم مصر”، الداعم لـ”السيسي”، عدة مواد تعزز من سيطرة السيسي على القضاء، وتمنحه الحق في تعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية، وتعيين النائب العام، كما قصرت التعديلات دور مجلس الدولة في مراجعة القوانين.
وتشمل التعديلات المقترحة بحق القضاء “إلغاء نظام انتخاب رئيس المحكمة الدستورية العليا من قبل الجمعية العامة للمحكمة، والمعمول به من 2012، على أن يختار رئيس الجمهورية رئيس المحكمة من بين أقدم 5 أعضاء بها”.
وتتضمن أيضا “إلغاء نظام تعيين أعضاء المحكمة الدستورية الجدد باختيار الجمعية العامة للمحكمة المعمول به من 2012، بأن يختار الرئيس العضو الجديد”، وأيضا “تغيير نظام تعيين رئيس وأعضاء هيئة مفوضي المحكمة الدستورية، حيث يعينون بقرار رئيس الجمهورية” بجانب “تغيير نظام تعيين رؤساء جميع الجهات والهيئات القضائية، حيث يختار رئيس الجمهورية رئيس الهيئة”، إضافة إلى “إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية برئاسة رئيس الجمهورية، وينوب عنه وزير العدل”.
كما يتم اختيار النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية من بين 3 قضاة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى، من بين نواب رئيس محكمة النقض ورؤساء الاستئناف والنواب العموم المساعدين، بينما دستور 2014 كان يمنح سلطة الاختيار مطلقة لمجلس القضاء.
وتلغي التعديلات الدستورية “اختصاص مجلس الدولة بالمراجعة الإلزامية لجميع مشروعات القوانين قبل إصدارها، ليختص المجلس- فقط- بمراجعة مشروعات القوانين التي تحال إليه”، وبالتالي أصبح العرض عليه جوازيًّا، ولم يعد تجاهله سببًا لبطلان إجراءات إصدار القوانين.

نادى القضاة
نادى القضاة من جانبه احتج على التعديلات، وأعلن عن تنظيم مؤتمر لإعلان رفضه للتعديلات خلال شهر فبراير الماضي، إلا أن الجهات السيادية أظهرت للقضاة العين الحمراء، وهددتهم في حال عقد المؤتمر، فاضطروا خانعين لتأجيله إلى أجل غير مسمى.
واعترف المستشار محمد عبد المحسن، رئيس نادى القضاء، بأن “التعديلات تنال من ضمانات استقلال القضاء، الذي هو ضمانة أساسية للمواطن والدولة القانونية المنصوص عليها في الدستور الحالي”.
وقال: “المشرع في دولة سيادة القانون يجب أن يحرص على أن تتوافق القوانين الصادرة عنه مع أحكام الدستور، وأن يعمل على تصحيح المعيب منها دستوريًّا، لا أن يسعى لتعديل الدستور بما ينتقص من تلك الضمانات الأساسية، ولتحصين القوانين المعيبة دستوريًّا لإخلالها بتلك الضمانات”.
وأضاف: “للتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى صاحب الاختصاص الأصيل في الدفاع عن استقلال القضاء والمحافظة على حرماته، طلبنا لقاءً لبحث هذا الأمر، وغيره من الأمور المطروحة على الساحة القضائية في أقرب وقت ممكن”.
وتابع: “حرصا على وحدة الصف ومزيدا من الحوارات البناءة حول المواد المقترح تعديلها، فسوف ندعو المجلس الاستشاري لرؤساء أندية الأقاليم للاجتماع الاثنين 11 فبراير الماضى، كما سندعو شيوخنا وزملاءنا الأعزاء للقاء مفتوح الجمعة 15 فبراير الماضى”.
واستطرد رئيس نادي القضاة: “نعلم جميعا أن التعديلات الدستورية سيتم استفتاء الشعب عليها، ونسلم يقينا بأن الشعب هو السيد وصاحب المصلحة والقول الأول والأخير في الدستور، إلا أن واجبنا ومسئوليتنا تستوجب التنبيه والتبصرة”.

رشوة السيسي
وبمجرد صدور هذه البيانات عن نادى القضاة، خرج وكيل اللجنة التشريعية بمجلس نواب العسكر أحمد حلمي الشريف، ليزعم أن التعديلات سوف تراعي استقلال ميزانية السلطة القضائية، وكان ذلك بمثابة رشوة من نظام السيسي للقضاة لتمرير التعديلات، خاصة وأن الدساتير المصرية منذ إنشائها تحدثت عن الاستقلال المالي والإداري للقضاة.
وقال الشريف، فى رسالة وجهها للقضاة قائلا: “قضاة مصر الأجلاء، نطمئنكم أنه سيتم مراعاة أن يكون للجهات القضائية موازنة مستقلة أثناء مناقشة التعديلات الدستورية”.
وعقب هذه الرسالة انقلب الحال في نادى القضاة، وأصدر النادي بيانًا نفى فيه وجود أي تصريحات لرئيس نادى القضاة المستشار محمد عبد المحسن تتعلق بالتعديلات الدستورية.
وقال المستشار رضا محمود السيد، المتحدث الرسمى باسم نادى القضاة: إن النادى لم يصدر أى بيانات صحفية تتعلق بالتعديلات الدستورية المقترحة حاليًا أمام البرلمان.

مجلس الدولة
من جانبه بعث نادي قضاة مجلس الدولة أمس مذكرة إلى برلمان السيسي، اعترض فيها على التعديلات الدستورية المرتقبة، واعتبرها “تقضي على ما تبقى للقضاء من استقلال، وتحيله مزعا مزقا، ومرفقا تديره السلطة التنفيذية”.
وبحسب مصادر قضائية، فإن المذكرة قالت إن “المقترحات أسرفت في هدم استقلال القضاء، وأفرطت في النيل منه، على نحو يضحى معه التواني في دحضها مذموما، وذنبا غير مغفور”.
وأكد قضاة مجلس الدولة أنه “في ظل استمرار هذه المقترحات، يؤلمنا أن نصرح بأننا نستشعر عدم الاطمئنان والاستقلال في أداء رسالتنا. وتساءلت المذكرة: “كيف للمستشار رئيس المحكمة الدستورية العليا، وقد اصطفاه رئيس الجمهورية أن يفصل في مدى دستورية قانون أصدره الأخير؟، وأنه من غير المستساغ أن يختار الشخص (رئيس الجمهورية) من يحاكمونه إذا اقتضى الحال”.
وشددت على أن إلغاء “الموازنة المستقلة لكل جهة أو هيئة قضائية، يمثل ردة إلى الماضي، وإفساح المجال للسلطة التنفيذية للسيطرة على القضاء، ومصائر القضاة.
واعتبرت المذكرة أن “قصر دور مجلس الدولة في مراجعة القوانين التي تحال إليه فقط، بعد أن كان اختصاصه بالمراجعة ملزما، هو أمر غير مبرر، يتصادم والصالح العام”.

منح ومكافآت
هذه المذكرة من المتوقع أن يرد عليها نظام السيسي برشوة جديدة لإسكات القضاة سواء منحهم مميزات استثنائية أو زيادة جديدة فى الرواتب.
وكان نظام السيسي، قد أقر مؤخرا، مكافأة جديدة على رواتب القضاة بواقع 5 آلاف جنيه شهريا، على أن يبدأ صرفها بأثر رجعي عن شهور عام 2017/2018، وتستمر مع العام المالي الجديد 2018/2019.
ووضعت حكومة الانقلاب المكافأة تحت بند بدل طبيعة العمل الشاقة، ويتم صرفها لأكثر من 5500 قاض بمختلف المحاكم.
تأتي هذه الزيادة الأخيرة بعد زيادة أقرها وزير العدل الانقلابى الأسبق أحمد الزند بعد انقلاب 2013، على رواتب القضاة وأعضاء النيابة العامة بنسبة 30% دفعة واحدة، وبرر الزند قراره بأنه “أقل ما يمكن تقديمه للقضاة الذين يواجهون إرهاب الإخوان” على حد وصفه.
وبحسب خبراء، جاءت الزيادة الأخيرة التي تم الكشف عنها الأيام الماضية كترضية للقضاة بعد إقرار برلمان العسكر لقانون امتيازات بعض كبار قادة القوات المسلحة، والذين منحهم القانون بالإضافة للحصانة القضائية، مميزات مالية لم يسبق لها مثل، وهو ما أثار ردود أفعال غاضبة بين القضاة الذين يقومون بدور كبير في ترسيخ أقدام نظام السيسي من خلال أحكامهم ضد معارضيه.
يشار إلى أن رشاوى القضاة تعد نهجًا منذ أيام المخلوع حسني مبارك، والذي كان حريصًا على مد سن القضاة كل عامين حتى وصل معاشهم لسن السبعين عامًا، ليحافظ على مجموعة معينة من القضاة في مناصبهم.
ضمان الولاء
يقول نائب رئيس لجنة الشئون الخارجية ببرلمان 2012 محمد جمال حشمت: إن رئيس الانقلاب يوزع الرشاوى على مناصريه لضمان ولائهم، خاصة وأن القضاء لعب دورًا مؤثرًا في مواجهة رافضي الانقلاب الذين يملئون السجون والمعتقلات بأوامر قضائية مخالفة لكل أشكال العدالة والنزاهة المعمول بها دوليًّا.
وتوقع حشمت أن تشهد الأيام القادمة مزيدا من الرشاوى لكل الفئات الداعمة لترسيخ الانقلاب، نظير السكوت عن إجراءات السيسي التي تهدم مصر على مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع الضغوط المتواصلة على الشعب المصري نتيجة ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية لدخولهم، بعد ارتفاع التضخم لأكثر من 60% في الفترة القليلة الماضية.

أكبر مذبحة
من جانبه وصف المستشار السابق، حمدي المجدلاوي، أوضاع القضاة فى عصر الانقلاب بأنها نتيجة طبيعية لشكل العلاقة التي زرعتها أنظمة الحكم مع القضاة، وتحويلهم من سلطة مستقلة تُقَيِم أداء السلطة التنفيذية، لسلطة تابعة، لا يعنيها إلا ما تحصل عليه من مكافآت وامتيازات مادية.
وقال المجدلاوي، فى تصريحات صحفية: إن نظام مبارك كان يقدم مع كل استحقاق انتخابي رشوة مسبقة للقضاة كانت تتمثل في مد سن تقاعدهم الذي وصل لسبعين عاما، ولم يكن يهم القضاة وقتها إلا الحصول على مزيد من المميزات المالية، خاصة المتعلقة بالموازنة الخاصة بهم، وهو ما يلعب عليه النظام الحالي، ويؤكده تصريح وكيل برلمانه بأن التعديلات سوف تضمن استقلالية الموازنة، بينما استقلال القضاء نفسه، لم يعد له محل من الإعراب.
وكشف عن أن السيسي كان قد استبق التعديلات الدستورية برشوة أخرى، عندما أصدر قرارًا بتعيين 341 معاونًا للنيابة العامة، معظمهم من أبناء القضاة والمستشارين، وقبلها بشهور أصدر قرارًا بتعيين 400 آخرين، كان معظمهم من أبناء القضاة أيضا، وبالتالي فإن كل ما يقال عن اعتراض القضاة على التعديلات الدستورية ليس حقيقيًّا، إلا عند بعض القضاة الذين ما زالوا ينظرون إلى الاستقلال بشكل أوسع من الموازنة المالية.
وأكد المجدلاوي أن السيسي توسع خلال السنوات التي تلت الانقلاب العسكري في يوليو 2013، في إحالة القضاة المعارضين للانقلاب للصلاحية، وبعضهم تم سجنه، وهذه الفئة كانت تشكل تيار الاستقلال الذي كان يدير المواجهة ضد نظام مبارك، وفي النهاية أصبح القضاة بدون صوت مسموع، وعاد نادي قضاة مصر لحظيرة الدولة مرة أخرى كما كان قبل عشرين عاما.
ولفت إلى أن تصريحات وكيل البرلمان حول استقلالية الموازنة، نزعت فتيل الأزمة بشكل مؤقت، ولكنها لن تنهيها، في ظل ما تعنيه التعديلات المقترحة، التي وضعت كل السلطة القضائية في حجر السلطة التنفيذية، رغم أن الدستور كان واضحا في الفصل بين السلطات الثلاث، سواء التنفيذية التي يمثلها رئيس الجمهورية باعتباره رئيس الحكومة الفعلي، والسلطة التشريعية التي يمثلها مجلس النواب، وأخيرا السلطة التشريعية التي تمثلها الهيئات القضائية المختلفة.
واعتبر المجدلاوي التعديلات المرتقبة، أكبر مذبحة لاستقلال القضاء في التاريخ المصري، من خلال “دسترة” رئاسة رئيس الدولة، أو من ينوب عنه وهو وزير العدل، للمجلس الأعلى للهيئات القضائية، تحت مبررات مكشوفة مثل التنسيق والترتيب وحل الخلافات، موضحا أن الهيئات القضائية المختلفة لم تشهد أي خلاف أو تضارب بينها، وبالتالي فإن المبرر هو إطلاق يد رئيس الدولة في الشأن القضائي.