“ذاكرة القهر” تفاصيل سياسة التعذيب والقمع عند طغاة العسكر

- ‎فيتقارير

نقص الشرعية عامل مشتركُ بين الأنظمة الاستبدادية ، وتحاول هذه الأنظمة ابعاد الشعب عن الحديث عن هذا النقص بالتوغل في العنف وبث الرعب بين أفراده ، وفي ظلِ تلك النماذج التسلطية يخسرُ الإنسانُ حقوقه المدنية، ويصبحُ كائناً بلا صفات، وبالتالي يغيبُ مفهوم المواطن، ويدعمُ النظام الاستبدادي تفسه ويتزود بعناصر الاستمرارية من خلال منظومة التعذيب التي تترصدُ للمُعارضين، لذلك من الطبيعي أن يقترن وجود أي نظام استبدادي بما أنشأه من سجون ومعتقلات، تُقامُ فيها حفلات التنكيل والتعذيب والقهر.

ورغم أن تاريخنا يحفلُ بالمآسي الناشئة من سياسات الأنظمة الاستبدادية وما رافقها من آليات التعذيب، لكن نادراً ما تجدُ الدراسات والمصادر التي تابعت أو وثقت ما خلفته تلك السياسات الممعنة في التعذيب على المستوى النفسي والاجتماعي والفكري، لأنَّ هذه العملية تتطلب جرأةً ورؤية واضحةً وهذا ما يقدمه كتاب ألفته الباحثة المصرية بسمة عبد العزيز بعنوان «ذاكرة القهر» والتى تقومُ بتحليل مكونات منظومة التعذيب وتدرسُ سيكولوجية الضحية والجلاد، بالاستناد إلى تجارب مُتعددة فى البلدان العربية وأمريكا اللاتينية والصين والاتحاد السوفييتي السابق…

وترى المؤلفة أن تأهيل الضحية أمر ليس سهلا على الإطلاق في وجود بيئة حاضنة للجلاد، وفي ظل قصور التشريعات القانونية عن حماية من تعرضوا لجرائم التعذيب وإساءة المعاملة.

رسائل التعذيب

واوضحت ان للتعذيب والتنكيل بالمعارضين في أي نظام سياسي رسائل عدة، القمع والإسكات إحداها ، لكن الرسالة الأهم هي تلك التي تصل إلى المجتمع بأكمله، فتدفعه للاستسلام والخضوع، عبر بث الخوف والذعر، إضافة إلى تأكيد السيطرة في أذهان المواطنين، وتقويض الأمل الذي يتعلقون به، ومن ثم كسر أرواحهم. إنها الرسالة الأعمق والأقوى؛ ومن خلالها يستتب للسلطة القمعية الحكم.

وفي ظل بُنى سلطوية عمادها القمع، تتكون منظومة التعذيب المنهجي، وهي منظومة لا غنى عنها لإرساء قواعد الحكم وتدعيم النفوذ، ووأد محــــاولات الاحتجاج والتنظـــــيم في مهدها، أما في أنظـــمة تعتــمد أشكالا متنــــوعة من الديمقراطية، فالتعذيب حاضــــر أيضًا، لكنه لا يمارس بالصورة المنهجية التي نعرفها، بل يقع كاستثناء من القاعدة، ويحاسب مرتكبه ويخضع للعقاب الملائم

معتقل جوانتانامو

وأضافت : إذا اتخذنا معتقل جوانتانامو وما تشابه معه من أماكن احتجاز كمثال؛ فسنجد أن جميعها لا يقع ضمن الأراضي الأمريكية، ذلك أن القوانين التي تحكمها تمنع هذه الجرائم، وبالتالي يتم اختيار أراض وحدود ودول أخرى يسمح نظامها بكل ما يشين.

وأشارت الباحثة الى أن الكونجرس أصدر تقريرًا منذ بضع سنوات يدين فيه ممارســـات التعذيب التي تمت خارج الولايات المتحدة بمعــرفة مخابراتها، وتم نشره، الأمر الذي يعكس وجود آليات للمراجعة والمحاسبة، بدلا من التملص والإنكار…وهذا ما تراه الباحثة فرقا بين التعذيب في دول قمعية كمصر وروسيا ودول كالولايات المتخحدة الامريكية…

الطب النفسي

وترى المؤلفة أن بعض عتاة الجلادين وليس جميعهم، يصبحون بمرور الوقت على ثقة كاملة وتامة بأنهم إنما يخدمون الوطن بصنيعهم، وأنهم يحاربون أعداءه، وأنه لولاهم لتعرض للدمار.

وأشارت الى ان هذه الفكرة تتولد وتتعاظم وتستقر، وتصبح بالنسبة لصاحبها يقيــــنًا لا يحتمل الشك، وتعد من الآليات النفسية الدفاعــــية التي تنشأ في اللاوعي، لتجنب الشخص الصراع الداخلي الذي يؤرقه، وثمة خطـــــوات معروفة يقطعها هؤلاء إلى أن ينتهي بهم المطاف في حال من السلام الداخلي، بما يجعلهم على استعداد لتكرار أفاعيلهم لو عاد بهم الزمن للوراء.