بعد أيام من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول حق مصر في اللجوء إلى العمل العسكري للدفاع عن مصالحها في مياه النيل ضد سد النهضة الإثيوبي الكبير، استأنفت الفرق الفنية والقانونية برئاسة وزراء الخارجية والمياه في مصر والسودان وإثيوبيا المفاوضات في 26 أكتوبر الجاري حول السد تحت رعاية الاتحاد الإفريقي، وتأتي المحادثات بعد توقف دام شهرين للتوصل إلى اتفاق شامل وملزم بشأن ملء وتشغيل السد.
وفي مكالمة هاتفية من المكتب البيضاوي في 23 أكتوبر مع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وعبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الحاكم في السودان، ورئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أعلنوا أمام الصحفيين تطبيع العلاقات بين السودان والكيان الصهيوني، وناقش ترامب النزاع حول السد كأولوية من أولويات أجندته الخارجية في التعامل مع السودان، وخاطب حمدوك مطالبًا بأن يفعل شيئًا حيال الإثيوبيين.
وأضاف ترامب "لقد تم التوصل إلى اتفاق من أجلهم، ومن المؤسف أن إثيوبيا خرقت الاتفاق، وهو ما كان ينبغي عليهم القيام به. كان ذلك خطأ كبيرًا"، وذكر أن الولايات المتحدة علقت مساعداتها لإثيوبيا بسبب رفضها للاتفاق، مضيفًا: "لن يروا تلك الأموال ما لم يلتزموا بالاتفاق".
ولم يكتف ترامب بمهاجمة إثيوبيا لخرقها الاتفاق الذي توسطت فيه واشنطن والبنك الدولي في فبراير بعد مفاوضات استمرت أربعة أشهر، لكنه حذر من احتمال لجوء مصر إلى حل عسكري، قائلا: "سينتهي الأمر [بالمصريين] إلى تفجير السد، وقلتها – وأقولها بصوت عال وواضح، "سوف يفجرون ذلك السد، وعليهم أن يفعلوا شيئًا، كان عليهم أن يوقفوه [السد] قبل وقت طويل من بدء تشغيله".
ومع صمت القاهرة وعدم التعليق الرسمي على تهديد ترامب بإمكانية لجوء مصر إلى حل عسكري لحماية مصالحها في مياه النيل، أصدر مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بيانًا شديد اللهجة باللغتين الإنجليزية والأمهرية في 24 أكتوبر.
وأكد البيان إصرار إثيوبيا على استكمال السد وملئه وفقًا للخطط القائمة، وجاء في البيان أن "إثيوبيا لن تذعن لأي اعتداءات من أي نوع"، مضيفا أنه "لا تزال البيانات التي تصدر أحيانا عن تهديدات عدائية بأن تُخضع إثيوبيا لشروط غير عادلة كثيرة، إن هذه التهديدات والإهانات للسيادة الإثيوبية هي… انتهاكات واضحة للقانون الدولي".
وردًا على تصريحات ترامب، استدعت وزارة الخارجية الإثيوبية السفير الأمريكي مايك رينور في 24 أكتوبر، وقال وزير الخارجية الإثيوبي جيدو ادارجتشو " إن التحريض على الحرب بين إثيوبيا ومصر من جانب رئيس أمريكى حالي لا يعكس الشراكة طويلة الأجل والتحالف الاستراتيجي بين إثيوبيا والولايات المتحدة كما أنه غير مقبول فى القانون الدولى الذى يحكم العلاقات بين الدول ".
وفي الوقت نفسه، أطلقت السفارة الإثيوبية في واشنطن حملة تبرعات لدعم السد، وشكر السفير الإثيوبي في واشنطن، فيتسوم أرغا، الجهات المانحة على صفحته على "تويتر" على دعمهم في هذا "الوقت الحرج".
وعلى الرغم من موافقة القاهرة على العودة إلى المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، فإن الاجتماع الأول الذي عقد في 27 أكتوبر لم يتطرق إلى أي من نقاط الخلاف المعلقة، ولم تتغير مواقف مصر وإثيوبيا ورؤيتهما للاتفاق الذي سيتم توقيعه.
وذكر بيان لوزارة الموارد المائية السودانية أن الاجتماع انتهى بموافقة السودان على عقد اجتماع آخر يتم خلاله الاتفاق على جدول أعمال واضح ومفصل، إلى جانب جدول زمني محدد لمسار المفاوضات، وقائمة واضحة بالنواتج التي يجب التوصل إليها بمساعدة المراقبين.
وفي هذا السياق، قال مسئول دبلوماسي مصري شارك في المفاوضات لـ"المونيتور" طلب عدم الكشف عن هويته: "أظهرت مصر مرونة طوال جولات المفاوضات منذ توقيع إعلان المبادئ في عام 2015، إلا أن الموقف المصري لم ولن يتغير فيما يتعلق بالجانب القانوني للاتفاق ليكون ملزمًا وأن يضع آليات واضحة لتسوية النزاعات والتعاون في إدارة المياه في شرق حوض النيل وفقًا للاتفاقيات التاريخية التي تحفظ الحقوق المصرية في مياه النيل".
وأضاف المصدر أن "مصر لا تزال منفتحة على أي حلول توافقية لحل النزاع القائم والتعاون مع إثيوبيا، وقد أصبح موقف مصر في المفاوضات واضحا للمراقبين والمجتمع الدولي، ولكننا ما زلنا نتلقى رسائل لا تبعث على التفاؤل من الجانب الإثيوبي، وهي لا تزال تصر على سياساتها الأحادية الجانب في استكمال السد وملء المرحلة الثانية دون التوقيع على اتفاق".
وأكد المصدر أن "الإدارة السياسية المصرية تلتزم بكافة المسارات الدبلوماسية لحل الخلاف مع إثيوبيا حول ملء وتشغيل السد وإدارة المياه المستقبلية في شرق حوض النيل".
وقال محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية المصري السابق، "إن استئناف المفاوضات دون معايير واضحة وغير مفهومة سيكون مجرد سياسات عشوائية يتبناها الاتحاد الإفريقي في محاولة لخدمة أهداف إثيوبيا في المماطلة. وينبغي ألا تشارك مصر في مسار التفاوض هذا دون معايير واضحة، ويتعين على القاهرة اتخاذ خطوات دبلوماسية أخرى مثل الإشارة إلى مجلس الأمن الدولى ".
وقال علام لـ"المونيتور" إن خطاب ترامب، على الرغم من أنه جاء بعد وقت طويل من تخلي إثيوبيا عن توقيع اتفاق واشنطن، أعطى القيادة المصرية الضوء الأخضر إذا شعرت أنها مجبرة على الدفاع عن مصالحها عندما يتعلق الأمر بمياه النيل.
وتابع: "لقد أكدت مصر مرارًا وتكرارًا أنها لا تريد اللجوء إلى أي حلول عسكرية عندما يتعلق الأمر بأزمات السد، ومع ذلك، يجب عليها الدفاع عن مصالحها عندما لا تكون هناك خيارات أو بدائل أخرى".
كما أشار علام إلى موقف السودان الغامض في هذه المسألة، وأضاف "على الرغم من أن السودان أكد عدم رضاه عن المواقف التفاوضية الإثيوبية إلا أنه لم يوقع بعد على اتفاق واشنطن"، على السودان أن يتخذ مواقف أكثر فعالية مع مصر في مواجهة السياسات الإثيوبية".
ومع عودة المفاوضات إلى مسارها، قام برهان بزيارة رسمية للقاهرة يوم 27 أكتوبر، أكد خلالها على أهمية مياه النيل للشعبين المصرى والسودانى، واصفا المسألة بأنها قضية أمن قومى مشتركة كما شدد برهان على ضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم يضمن شروط ملء وتشغيل السد.
وبعد أن بدا أن ترامب يعطي الضوء الأخضر لمصر للجوء إلى الحل العسكري، استأنف الجانبان المصري والسوداني التنسيق لإيجاد حلول مشتركة والتعاون في إدارة الصراع مع إثيوبيا في شرق حوض النيل، ولكن في حين عادت المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي دون آليات أو حتى اتفاق على جدول أعمال محدد، تصر إثيوبيا على جدولها الزمني لاستكمال السد حتى من دون التوصل إلى اتفاق مع بلدي المصب، مصر والسودان.
رابط التقرير:
https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2020/10/egypt-ethiopia-sudan-gerd-talks-trump-military-solution.html