يبدو أن مسلسل الانهيار بات هو المسيطر على المشهد المصري في كافة المجالات وعلى جميع الأصعدة منذ الانقلاب العسكري، على خلفية الإدارة الفاشلة لمفاصل الدولة وعملية الإقصاء الواضح للكفاءات مقابل الاستعانة بأهل الثقة وغياب الرؤية المستقبلية واستراتيجية واضحة فى قيادة قيادة الدولة.
وعلي الرغم من محاولات الإعلام المستمية لتبيض وجه النظام الفاشي وتقديم صورة مغايرة ومخدرة لأنصار البيادة بعدما طالتهم قرارات الحكومة الانقلابية بأعباء إضافية علي كاهلهم، إلا أن العنصر الأهم الذي طالما استخدمته أنظمة العسكر فى مصر منذ 60 عاما لتسكين آلام الشعب لتجاوز تردي الأوضاع وخطف الأنظار بعيدا عن الانهيار المجتمعي، بات يعاني هو الآخر من آثار فشل الانقلاب بعدما تفرغ المسئولون عن إدارة كرة القدم فى البلاد لإرضاء حكم العسكر ودعم قائده ودفع فواتير انتخابية على حساب المنظومة الرياضية.
وجاءت خسارة المنتخب المصرى أمام نظيره التونسي في دربي الثورة العربية، والذي حسمته ثورة الياسمين على حساب الثورة المضادة بهدفين مقابل هدف، لتضع كلمة النهاية فى مشوار سيد الكرة الإفريقية سابقا فى تصفيات التأهل إلي النهائيات القارية.
أبناء شوقى غريب قدموا أسوأ مسيرة فى تاريخ منتخب الساجدين فى التصفيات المؤهلة لنهائيات أمم إفريقيا 2015، بعدما تلقى للمرة الأولي خسارتين على ملعبه أمام تونس والسنغال، فضلا عن الهزيمة خارج القواعد أمام المنتخبين، ليكفى بإبراز عضلاته فقط أمام منتخب بتسوانا الضعيف "حصالة المجموعة".
وبعد الفشل رسميا فى العبور إلي النهائيات القارية للمرة الثالثة علي التوالي، فى انهيار غير مبرر لبطل 3 نسخ متتالية من أصل 7 فى خزانته، يمكن الحديث عن 5 أسباب ساقت منتخب الساجدين إلى الانهيار:
الانقلاب الفاشل
ليس من قبيل المبالغة أن يُتهم الانقلاب العسكري بأنه أول أسباب تراجع وانهيار الكرة المصرية، ويكفي للتدليل علي ذلك أن تراجع مسيرة المنتخب فى تصفيات كأس العالم 2014 والتي سيطر عليها المنتخب الوطني -فى ظل حكم الرئيس مرسي- مقدما أروع مشوار في مسيرته بالتصفيات حتى بات على مرمى مباراة من التأهل الرسمي أمام غانا، إلا أن العسكر أبى أن تتم الفرحة المصرية فجاء انقلابه ليقلب الطاولة على رأس المنتخب وينال الهزيمة الأكبر في تاريخه بسداسية مذلة، حرمته من تحقيق حلم المصريين.
الانقلاب وقائده سخروا المنظومة الرياضية لملاحقة الرياضيين المناصريين للشرعية والرافضين لحكم العسكر، ورفض تأمين حضور الجماهير إلى مباريات الدوري، فقدم بطولة مفرغة من مضمونها، وخالية من المتعة والإثارة، لتمد المنتخب بأشباح لاعبين، فضلا عن تفرغ النظام الفاشي لملاحقة المعارضين له وترك باقي الملفات ينهشها الإهمال والفساد.
جبلاية العسكر
لم تشهد الكرة المصرية يوما مجلسا لإدارة الكرة المصرية بهذا الضعف والتشوه والترهل، مثل مجلس جمال علام الذي تفرق أعضاءه ما بين العمل الإعلامي أو الصراعات الداخلية أو الحبو لإرضاء الانقلاب وزبانيته.
الجبلاية التي خرجب لتذبح أحمد عبد الظاهر -صاحب علامة رابعة في نهائى أبطال إفريقيا- بدعوى خلط السياسة بالرياضة، خرج مسئولها الإعلامي عزمى مجاهد ليروج لقائد الانقلاب في غير مرة، مؤكدا أن وجوده فقط فى المدرجات كفيل بإرباك الفرق المنافسة وضمان فوز المصريين.
ولم تحاول الجبلاية توفير مناخ ملائم للمسابقات التي يشرف عليها من أجل دفع فواتير انتخابية وزيادة أعداد الفرق فى دوري فقير فنيا، فكانت المحصلة التراجع والانهيار على كافة المستويات بعدما فشلت المنتخبات المصرية في مختلف الأعمار في تسجيل نتائج إيجابية، وعجزت جميعها في الوصول إلى المنافسات القارية، مسجلين أسوأ النتائج في تاريخ كرة القدم المصرية.
شوقى غريب
المدير الفني للمنتخب من الضعف وقلة الحيلة بصورة تدفع للتساؤل عن المقومات التي دفعت بالمدير الفني السابق لسموحة لاحتلال منصب مدرب المنتخب الأول، حيث ظهر طوال مسيرة التصفيات عاجزا عن إدارة المباريات أو اختيار اللاعبين أو قراءة المنافسين أو الاعتماد علي طريقة لعب واضحة أو تشكيلة ثابتة.
الأسباب التي ساقها غريب لتبرير خيبة الأمل المصرية، تبرز حجم الضعف الفني الذي تملك من الجهاز الفني، فالمسابقة وإن كانت فقيرة إلا أنها منتظمة وتضم 20 فريقا بما يضمن الاختيار من بين قرابة 600 لاعب، فضلا عن عشرات المحترفين وبعدهم يقدم مردودا فنيا جيدا مع فريقه الأوروبي، كما أن الظروف المحيطة بالمنتخب هي نفسها التي يعاني منها الأشقاء التوانسة إلا أن الأخير نجح بجدارة فى احتلال صدارة المجموعة دون تجرع طعم الخسارة.
غريب لم يلعب بتشكيل واحد طوال مشوار التصفيات، حيث اعتمد على 3 حراس مرمى مع مراعاة الإصابات بالتأكيد، كما دفع بـ6 لاعبين في مركز الدفاع، قام خلالها بحرق بعد اللاعبين بالدفع بهم فى غير مركزهم مثل علي غزال، كما شاب اعتماده على خط الوسط الدفاعي الكثير من العشوائية بالدفع بلاعبين ثم اختفاؤهم دون أسباب مقنعة، بتبادل حسني عبد ربه وعمرو السولية وإبراهيم صلاح وإبراهيم عبد الخالق وحسام غالي ومحمد النني، مع إصراره علي الدفع بلاعبين فشل أداءهم علي الصعيد الدولي، فضلا عن تغيير مراكز اللاعبين بالدفع بأحمد فتحي أمام السنغال في مركز الظهير الأيسر وعلي غزال فى الخط الخلفي، مما أدي إلي ظهور منتخب مشوه لم يقنع ولم يبدع ولم يمتع وخرج بخيبة أمل.
أشباح لاعبين
لا يمكن تحميل اللاعبين مسئولية الترهل الإداري والفني الذى ضرب المنتخب الوطني في مقتل، إلا أنهم بلا شك يتحملون جزءًا لا بأس به في الفشل الذي لحق بالمنتخب، حيث قدم أكثر اللاعبين أداءً مخيبا للآمال، وظهر المحترفون بصورة سلبية، فلم يقدم أحمد المحمدي ما يقدمه مع فريق هال سيتي الإنجليزي، فيما اكتفي محمد صلاح بمحاولة تسويق نفسه أمام أندية أوروبا من أجل الخروج من جحيم مورينيو في تشلسي، فيما واصل حسام غالي أداءه المظهري المخيب للآمال، وفشل صبري رحيل وخالد قمر في إثبات جدارتهما بالدفاع عن قميص المنتخب الوطني.
الدوري الفقير فنيا أفرز لاعبين تنهش الإصابات عضلاتهم فخسر الفريق جهود شريف إكرامي وأحمد الشناوي وحازم إمام وأيمن حفني عمرو جمال ومحمد عبد الشافي، كما ظلم المحترفون أنفسهم بالدلع والغرور فخسرت مصر جهود شيكابالا ومحمد إبراهيم وكلاهما من أصحاب المهارات الخاصة التي كانت كفيلة بمساعدة منتخب من العاجزين.
مجموعة الكبار
فى الأخير لا يمكن إغفال مدى قوة المنافسين الأبرز فى المجموعة تونس والسنغال، وما يضمانه من كتيبة مدججة بالنجوم تنشط فى أكبر الأندية الأوروبية، وإدارة فنية على أعلي مستوي نجحت فى تقديم أفضل العروض فى التصفيات والفوز علي منتخب مصر تحديدا ذهابا وإيابا للمرة الأولي فى تاريخ التصفيات.
منتخب شوقي غريب عجز عن مجاراة لاعبي الفرق المنافسة ووضح الفارق الواضح فى النواحي التكتيكية والفنية واللياقة البدنية والتعامل الإحترافي مع مباريات التصفيات، رغم التجمعات القصيرة للاعبين السنغال وتونس قبيل المباريات لإرتباطات أندية لاعبيهم مقارنة بمعسكرات المنتخب المصري وتوقف الدوري لفترات طويلة من أجل التحضر للمباريات.
الفشل كان هو محصلة المنتخب المصري فى مشوار التصفيات، ومزيد من الفشل هو المنتظر في قادم الاستحقاقات إذا بقيت المنظومة الرياضة فى البلاد علي حلها وبقي الانقلاب العسكري يعيث فى الوطن فسادا واستبدادا وقمعا وقهرا.