بعد هيمنة المخابرات الحربية.. تطوير “ماسبيرو” ترقيع وغليان بين العاملين

- ‎فيتقارير

يعاني التلفزيون الرسمي لنظام 30 يونيو من شيخوخة مبكرة، وبات يعاني كما كل قطاعات الدولة من الفساد والبيروقراطية وعدم القدرة على تقديم الخدمات الإعلامية بصورة ترضي كبار الجنرالات من جهة، وبما يتوازى مع حجم المليارات التي تُنفق عليه سنويًا من جهة أخرى.

الأنظمة العسكرية المتعاقبة على حكم مصر، منذ تأسيس ماسبيرو مطلع الستينيات، ظلت تعتبره جيشا بجوار الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، توفر له الرعاية الكاملة، ولا تأبه بما يحققه من خسائر أو تراكم مديونيات، فقد كان صوت السلطة الذي لا صوت غيره على مدار عقود طويلة، احتكرت فيه السلطة الفضاء الإعلامي بشكل مطلق.

مع بداية الألفية الجديدة، وتحديدا في عام 2001، انطلقت أول فضائية مصرية خاصة “دريم”، والتي بدأت تزاحم “ماسبيرو” شيئا فشيئا، ومع تزايد عدد الفضائيات الخاصة من جهة، وانتشار الأطباق اللاقطة من جهة أخرى، وهو ما أتاح للمشاهدين تنوعا وتحررا من هيمنة التلفزيون الرسمي، وظهرت الجزيرة وغيرها من الفضائيات الاحترافية في مجال الأخبار كما ظهرت فضائيات الدراما العربية، فتلاشى دور ماسبيرو وبات غير قادر على القيام بما أنشئ من أجله، كي يكون “صوتا للسلطة قادرًا على التأثير في الجماهير وحشدها لدعم السلطوية وتوجهات النظام الحاكم”.

ومؤخرا أعلنت هالة السعيد، وزير التخطيط في حكومة العسكر، عن خطة لتطوير مبنى الإذاعة والتلفزيون، تستمر 3 سنوات، وأعلن مسئولون إعلاميون موالون للنظام عن البدء بتطوير القناة الأولى وبرنامج التوك شو الذي يقدمه حاليا خيري رمضان.

حبر على ورق

لكن خبراء يؤكدون أن عمليات التطوير المزعوم الذي تشرف عليه المخابرات الحربية، مجرد “فنكوش” جديد و”حبر على ورق” وترقيع لا تطوير، طال الشكل الذي بدأ رديئا أيضا، وتجاهل العمق والجوهر، إضافة إلى أنه يمثل إهدارًا فجًّا للمال العام تسبَّب في حالة من الغليان بين العاملين في المبنى العتيق.

وماسبيرو تحول إلى إمبراطورية ضخمة ضمت 23 قناة و76 محطة إذاعية، بخلاف القطاعات والشركات المتخصصة الأخرى. وضمت هذه الإمبراطورية جيشا من العاملين تجاوز 47 ألف موظف، قبل أن يتقلص العدد تدريجيا؛ بسبب وقف التعيينات الجديدة والخروج على المعاش للكثيرين. وقد تسبب هذا الترهل الإداري والوظيفي في تحمل ماسبيرو لمديونيات بلغت، وفقا لتصريحات هالة السعيد، 32 مليار جنيه مصري، بخلاف تشابكات مالية مع جهات أخرى؛ قدَّرتها “السعيد” بتسعة مليارات جنيه، وهو رقم قابل للزيادة دوما بفضل فوائد الديون من ناحية، والمديونيات الجديدة من ناحية ثانية.

ترقيع لا تطوير

يقول سليمان جودة، الكاتب السيساوي الموالي لنظام العسكر، في مقاله اليوم الإثنين بـ”المصري اليوم” تحت عنوان “ماسبيرو يغلي!”: «عندما يقول رئيس التلفزيون إنه لا علاقة له بالتطوير الذى جرى ويجرى فى تلفزيون الدولة، وتحديدًا فى القناة الأولى، فهذا معناه أن هناك خللا فى هذا التطوير لا بد من تداركه بسرعة، قبل أن تكتشف الدولة فى النهاية أن الإنفاق فيه ينطوى على إهدار مال عام!».

ويضيف الكاتب السيساوي: «قد تلقيت اتصالات كثيرة من داخله، منذ كان التطوير الجارى لا يزال فكرة، إلى أن صار واقعا عمليا، وكان القاسم المشترك الأعظم فى الاتصالات كلها أن التطوير مطلوب ولا بد منه، ولا بديل عنه، خصوصا فى مبنى بحجم وتاريخ ودور ماسبيرو، غير أنه لا يكون هكذا، وغير أنه لا يمكن أن يتم على طريقة إصلاح غرفة واحدة فى البيت لتكون هى الواجهة، ثم إغلاق باقى الغرف على ما فيها، ومطاردة الذين هُم بداخلها من أبناء المبنى العريق، وتشريدهم فى كل اتجاه، وتشتيتهم فى كل أرض!».

ويتابع جودة: «هذا ترقيع وليس تطويرا.. والفارق كبير بين الشيئين.. والعواقب مختلفة تماما فى حالة التطوير عنها كُليًا فى حالة الترقيع!».

غليان بين العاملين

ويشكك الكاتب السيساوي في شفافية عمليات التطوير المزعوم قائلا: «إننا حين نتكلم عن إعداد استديو جديد فى تلفزيون الدولة، فمن حق كل مواطن أن يعرف كَمْ تكلف إعداده، ومَنْ الذى تكفل بالإنفاق!.. وعندما نتحدث عن أن فلانا يتقاضى كذا، وبمئات الألوف شهريا، وأن علانا يتقاضاها أيضا، فمن حق كل فرد فى هذا الشعب أن يعرف حقيقة هذه المبالغ، وأن يعرف كذلك من أين جاءت!».

وأكد انتشار حالة من الغليان والغضب بين العاملين في المبنى، مضيفا: «الاتصالات من داخل المبنى متزايدة، وغاضبة، وساخطة، وناقمة.. وعلى الذين يعنيهم الأمر فى البلد، ثم فى المبنى، احتواء الغضب، والسخط، والنقمة، التى تتصاعد وتتزايد، لأن ماسبيرو أكبر من أن يكون مجرد استديو، وأغلى لدى العارفين بفضله، وفى نظر أبنائه، من أن يكون دكاناً لبيع برامج الهواء!».

وبحسب الكاتب الصحفي قطب العربي- في مقاله اليوم بصحيفة “عربي 21″ بعنوان «ليالي الرعب في ماسبيرو”- فإن «هناك حالة من الهلع تسود المبنى العتيق (ماسبيرو) حاليا؛ حولت لياليه الساهرة إلى ليالي رعبٍ خوفا من هذه الإجراءات، ويضاعف الخوف أن الجهة المشرفة على هذه الخطة هي المخابرات الحربية، ما يعني أن من يعارضها سيكون مصيره السجن أو الفصل، أو التصنيف الإرهابي المعتاد».

والصدمة الكبرى التي أصابت أبناء ماسبيرو ــ بحسب قطب العربي ــ هي لكون غالبيتهم الكاسحة من داعمي النظام؛ الذين رقصوا له وهللوا لبطشه ولقتله آلاف المصريين المعارضين، وكانوا ينتظرون تقديرا إضافيا لهم على الأدوار التي لعبوها في معارضة حكم الرئيس مرسي، والتي وصلت إلى حدود غير مسبوقة في الخروج على القيم المهنية رغم وجود وزير إخواني على رأس ذلك الجهاز.