التعليم الأزهري .. بين وسطية الرقص وحروب المنقلب

- ‎فيتقارير

في ظل حرب شرسة منظمة من قبل النظام العلماني العسكري الذي بات متحكمًا في مصر بقوة الدبابة العسكرية والبندقية، وجدت مؤسسة الأزهر الشريف نفسها في مواجهة نيران العسكر في مصر، إما التفسخ والتمييع أو الإقالة والتجميد .

فعقب سلسلة منتظمة من الهجمات العسكرية وجهت للأزهر وشيوخه ، – رغم مشاركة شيخ الأزهر في مشهد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 – ، بدأت بانتقاد قائد الانقلاب العسكري لشيخ الأزهر واصفًا إياه بـ “تعبتني معاك يافضيلة الإمام”، تلاها الإعلان عن مشروع السيسي لتجديد الخطاب الديني، وأنه المسئول عن دين المصريين، ثم انتقادات إعلامية وسياسية موجهة الاتهامات للأزهر بأنه سبب التطرف والإرهاب في مصر، ثم تقديم نواب السيسي العديد من مقترحات القوانيين لتغيير نظام الأزهر وإتاحة الطريق للسيسي للتدخل في تعيين شيخ الأزهر، وإخضاع هيئة كبار العلماء لأهواء العسكر، ثم اختبار الأزهر بمقترح الانقلابي السيسي بعدم وقوع الطلاق الشفوي .

و بات الأزهر كمؤسسة وليس شيخًا وقيادة، أمام موجات تسونامي العسكر، التي تسجد وتحمد الكنيسة وتتقرب إليها، في الوقت الذي تنتقد وتسب الأزهر ليل نهار، جاءت قرارات دولة السيسي المضيقة على موارد الأزهر بإغلاق الكتاتيب غير المرخصة ودور القرآن واشتراطات تعجيزية لأبناء المعاهد الأزهرية وتشغيل الموجود منها، ما أسفر عن إغلاق آلاف المعاهد الأزهرية، وإلحاق مرتاديها لمعاهد قريبة لها .

ثم تطور الأمر بدعوة وزير التعليم طارق شوقي بدمج التعليم الأزهري مع التعليم العام، وهو ما أثار غضب الأزهريين ، فنفاه الوزير مؤقتا .

وأمام تلك الحروب تفتقت بعض عقول المسئولين عن التعليم الأزهري، بالرد العملي على هجمات نظام السيسي واتهاماته للأزهر بالتطرف والإرهاب، بإعلان وسطية الأزهر عبر تشكيل أول فريق غنائي مختلط من الشباب والفتيات، للمرة الأولى في تاريخه، على هامش فعاليات مهرجان “الأزهر الأول للفن والإبداع”، الذي انطلق نهاية أبريل الماضي . وخلال هذا المهرجان، قدم طلاب وطالبات الأزهر مجموعة من العروض الفنية، تنوعت بين الغناء والتمثيل والشعر، في محاولة لتقديم صورة مغايرة لما يعرف عن المؤسسة الدينية الأبرز في مصر والعالم الإسلامي. ويرى مراقبون أن الأزهر يحاول من خلال هذه الخطوة نفي الاتهامات التي يروجها علمانيون مصريون ووسائل إعلام مؤيدة للنظام بمسؤوليته عن انتشار التطرف والإرهاب في مصر؛ بسبب الفكر المتشدد الذي يدرسه للطلاب.

وكان لافتا للنظر أن الفرقة الغنائية كانت مختلطة، على الرغم من أن الأزهر يفصل في جامعته ومعاهده بين البنين والبنات.

وقدمت الفرقة مجموعة من الأغاني الرومانسية والوطنية المتنوعة لأُم كلثوم وعبد الحليم حافظ، بحضور مجموعة من قيادات الأزهر ووكيله عباس شومان ورئيس الجامعة، حيث أكدت إدارة الجامعة أنها من اختيار الطلاب أنفسهم، وأنها لم تتدخل في اختياراتهم.

وتعليقًا على هذا الانفتاح والتحول الواضح في فلسفة الأزهر، وإبداء اهتمامه بالفنون المختلفة، والسماح لطلابه بتقديم عروض مسرحية دون قيود، قال وكيل الأزهر الدكتور عباس شومان، إن هدف المهرجان هو إيصال رسائل الأزهر الفكرية من خلال المحتوى الفني، مشيرا إلى أن الشباب يمكن من خلال مواهبهم في الغناء والتمثيل أن يكونوا سفراء للأزهر في مواجهة أصحاب الفكر المتطرف.

وأضاف شومان، في تصريحات صحفية، إن اشتراك الفتيات مع الشبان في العروض التمثيلية والغنائية لا يتعارض مع مبادئ الأزهر وطريقة عمله، لافتا إلى أنه سبق أن تم عرض فقرات فنية وعروض مسرحية داخل جامعة الأزهر والمعاهد الأزهرية في إطار الأنشطة الطلابية.

وقال عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، الدكتور محمد عبد العاطي، إن الأزهر هو رائد الوسطية في العالم الإسلامي، مؤكدا أن الأزهر يدعم الفن الهادف الذي يرتقي بالمجتمع ويتماشى مع ثقافتنا وقيمنا.

وأضاف أنه لا يوجد انفصال بين الفن المحترم والهادف وبين الالتزام بتعاليم الإسلام، مشيرا إلى أنه يمكن للفن والإبداع أن يتناغم مع الجهود الفكرية والعلمية والثقافية للأزهر.

وتمثلت رسالة أول فرقة فنية أزهرية بـ “غناء ورقص .. إذا لست إرهابيا ” !!

تراجع التعليم الأزهري

وتشير بيانات جهاز الإحصاء المصري للعام الدراسي 2016-2017 إلى بلوغ عدد المعاهد الأزهرية، متضمنة المعاهد الابتدائية والإعدادية والثانوية والقراءات 9206 معهد بها 58 ألف فصل دراسي ملتحق بها مليون و754 ألف تلميذ وتلميذة، يمثل الذكور نسبة 54 % منهم.

ويتوزع تلاميذ المعاهد الأزهرية ما بين المراحل التعليمية لنحو937 ألف تلميذ بالمرحلة الابتدائية، و401 ألف تلميذ بالمرحلة الإعدادية و391 ألف بالمرحلة الثانوية، 25 ألف تلميذ بمعاهد القراءات، وعدد الذكور هو الغالب بكل المراحل الدراسية إذ يصل 53 % بالابتدائي و56 % بالإعدادي و57 % بالثانوي.

وتوجد المعاهد الأزهرية بجميع المحافظات المصرية السبع والعشرين، إلا أن عددها يزيد في محافظة الشرقية إلى 1266 معهدا بنسبة 13% من الإجمالي، تليها محافظة الدقهلية 983 معهدا، وسوهاج 677 معهدا والغربية 673 معهدا والبحيرة 667 معهدا .

وترتبط كثرة عدد المعاهد بالمحافظات بكثرة عدد سكانها وبالطبيعة الريفية لها، إذ يكثر انتشار المعاهد بالريف، وعلى الجانب الآخر يقل عدد المعاهد الأزهرية بالمحافظات الحضرية والمحافظات قليلة السكان، إذ تمثل محافظة بورسعيد المركز الأخير بنصيب 41 معهدا والسويس 48 معهدا، والبحر الأحمر 62 معهدا .

وفى عدد تلاميذ التعليم الأزهري تتصدر محافظة الشرقية بنحو 212 ألف تلميذ، بالمراحل الدراسية المختلفة -الابتدائي والإعدادي والثانوي- بنسبة 12 % من إجمالي تلاميذ التعليم الأزهري، تليها سوهاج 164 ألف تلميذا، والدقهلية 146 ألف تلميذ والقاهرة 139.5 ألف والبحيرة 139 ألف تلميذ أزهري.

وتأتى محافظة الوادي الجديد قليلة السكان في مؤخرة عدد التلاميذ بنحو أقل من الأربعة آلاف تلميذ، والبحر الأحمر بأقل من ستة آلاف وبوسعيد بأقل من ثمانية آلاف تلميذ والسويس بأقل من عشرة آلاف تلميذ.

ويرى المطالبون بإلغاء التعليم الأزهري قبل الجامعي أنه يهدد الهوية الوطنية، وأنه يخالف نظام الدولة المدني والعلماني، ولا يتحدث أحد منهم عن مدارس الراهبات ونظم التعليم الأجنبية التي تطبقها المدارس الدولية بمصر مثل المدارس الألمانية وغيرها.

وبحسب نقيب الصحفييين الأسبق ممدووح الولي، فإنه يلاحظ التراجع الملحوظ في عدد تلاميذ التعليم الأزهري على مستوى الجمهورية منذ العام الدراسي 2012 / 2013 المواكب لسنة تولى الرئيس محمد مرسى حين بلغ العدد مليونين و26 ألف تلميذ، لينخفض العدد بالعام الدراسي التالي بنحو عشرة آلاف تلميذ، ثم بنحو 89 ألف تلميذ ثم بنحو 54 ألف ثم بنحو 28 ألف تلميذ، ليصل العدد إلى مليون 754 ألف بعام 2016 / 2017 ، بنقص 272 ألف تلميذ خلال أربع سنوات دراسية رغم زيادة عدد السكان.

ويربط البعض هذا التراجع بالهجوم الإعلامي على الدراسة بالأزهر واتهامه بأنه مفرخة للمتطرفين، مما دفع كثير من أولياء الأمور لتحويل أبنائهم من التعليم الأزهري إلى التعليم العام .

إلى جانب الصورة الإعلامية عن صعوبة التعليم الأزهري وكثرة مقرراته الدراسية، وتخلفه ونقص إمكاناته من المدرسين المتخصصين والمعامل، وتدني نتائج شهاداته خاصة الثانوية الأزهرية التي بلغت عام 2015 نسبة الناجحين بها 41% فقط .

ومن هنا تراجع عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية الأزهرية من مليون و206 آلاف تلميذ عام 2009-2010 إلى 937 ألف تلميذ بعام 2016-2017، كما تراجع عدد تلاميذ الإعدادي الأزهري من 485 ألف تلميذ عام 2011-2012 إلى 401 ألف تلميذ بعام 2016-2017 .

وشمل التراجع عدد الفصول للابتدائي الأزهري والتي انخفضت من ما يقرب من 37 ألف فصل عام 2010 إلى 30 ألف فصل عام 2017 ، وكذلك لفصول التعليم الإعدادي الأزهري من ما يقرب من 16 ألف فصل عام 2012 إلى أقل من 14 ألف فصل إعدادي أزهري عام 2017 ، وشمل الانخفاض أيضا فصول معاهد القراءات .

وبذلك يواجه الأزهر ومؤسساته التعليمية أكبر التحديات عبر عصوره ، في الوقت الذي تتمع فيه الكنائس والأديرة بالحماية والتشجيع والدعم الداخلي والخارجي، وهو ما يوضح سر الدعم الغربي والعالمي لبقاء قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي بسدة الحكم .