لماذا جاء تناول صحف النظام وفضائياته ونوافذه الإعلامية لحادثة قتل رقيب شرطة لأب قبطي وابنه يوم الأربعاء الماضي 12 ديسمبر 2018م، بمحافظة المنيا فاترا وهامشيا ولا يرتقي لمستوى الحدث؟! على الرغم من أن نفس النوافذ الإعلامية تتعامل بمبالغة شدية وتضخيم كبير لأي حادث اعتداء من جانب تنظيم ولاية سيناء بحق الأقباط وإبرازه وتسويقه على نطاق واسع؟
هدف النظام تضخيم حوادث اعتداءات ولاية سيناء هو إقناع الغرب أن النظام هو الضامن لحماية الأقلية القبطية في البلاد ومحاولة توظيف ذلك سياسيا من أجل الحصول على مكاسب تتعلق أولا بابتزاز الأقباط وضمان ولائهم للنظام وتخويفهم من البديل إذا سقط نظام الانقلاب وثانيا من أجل توظيف هذه الحوادث على المستوى الدولي في محاولة لرسم صورة للنظام باعتباره رأس الحربة في الحرب على ما يسمى بالإرهاب وبذلك يجد لنفسه مساحة من الدعاية والتسويق يتسلل من خلالها إلى الغرب
يستهدف النظام بذلك تكريس معادلة إقليمية ودولية تجعل منه الظهور في صورة الضامن لأمن الأقباط من جهة ومصالح الغرب من جهة أخرى وحائط صد ضد الجماعات الراديكالية المسلحة من جانب ثالث؛ كما أن ذلك يساعده في عمليات التدليس والافتراء والزج باسم جماعة الإخوان المسلمين في هذه الحوادث من أجل تشويه صورتها عند الغرب والأمريكان.

رقيب شرطة
تجاهل النظام قتل الشرطة للأب القبطي وابنه؛ لأن القاتل في هذه الحالة ليس من داعش أو ولاية سيناء، لكنه رقيب شرطة (م. خليفة) كان مكلفا بحراسة وتأمين كنيسة نهضة القداسة الأولى بالمنيا حيث قتل بسلاحه الميري كلا من ديفيد عماد كمال ووالده عماد كمال صادق.
وترويج هذه القصة سيكون بالغ الضرر لصورة النظام في الخاريج؛ لماذا؟ لأن كل التفسيرات سوف تجعل من النظام متهما:
التفسير الأول يؤكد أن إجرام الشرطة بلا حدود ولا تكترث بالضحايا من عموم الشعب سواء كانوا إسلاميين أو أقباط ما يتوجب معه وقفة لردع هذا النظام ومنع استمرار جرائمه بحق الشعب كل الشعب.
التفسير الثاني وهو الأكثر خطورة يعني أن مستويات الفتنة الطائفية والكراهية داخل المجتمع وصلت إلى حدود بالغة حتى إن عناصر من الشرطة يرتكبون جرائم ضد الأقباط بينما وظيفتهم هي حراستهم وتأمينهم؛ وهو ما يثير كثيرا من المخاوف بشأن مستقبل البلاد وتمدد نزعات الكراهية إلى مستويات ومؤسسات نافذة بالدولة وهو ما يدق نواقيس الخطر بأن مصر مقبلة على مذابح دموية مروعة إذا استمر النظام الحالي في توجهاته وسياساته التي جعلت المسلمين يشعرون بالدونية أمام اهتمام النظام بالأقباط ورعايته لهم على حساب الأغلبية المسلمة التي تعاني من جميع صور القمع والانتهاكات.
التفسير الثالث وهو أيضا شديد الخطورة، يقوم على أساس أن التنظيمات الراديكالية مثل داعش أو “ولاية سيناء” تمكنت من تجنيد عناصر داخل جهاز الشرطة وبذلك فإن أفكار داعش والقاعدة وولاية سيناء باتت تجد لها تربة خصبة حتى داخل أجهزة النظام الأمنية؛ وهو تفسير يدق نواقيس الخطر ويؤكد أن المجتمع أمام سياسات القمع والإرهاب الحكومي يتجه بسرعة كبيرة نحو الانفجار المرتقب الذي لا يعرف أحد ميقاته وأبعاده وانعكاساته.
ضحايا سيناء
يضاف إلى ما سبق تجاهل النظام ونوافذه الإعلامية من فضائيات وصحف ومواقع سقوط المزيد من ضباط وعناصر الجيش والشرطة في المواجهات المستمرة منذ “5” سنوات بشمال سيناء، كان آخرها أمس حيث قتل وأصيب حوالي 25 من ضباط وعناصر الجيش والشرطة وفق شهادات مصادر بمستشفيات شمال سيناء ومحافظات القناة. في هجومين نفذهما تنظيم ولاية سيناء لرتل من مدرعات لجيش وآخر لقوات الشرطة أمس الإثنين 17 ديسمبر 2018م.
إعلام العسكر بات غير قادر على نشر أي مواد أخرى باستثناء بيانات الجيش التي تتعمد التعتيم على الحقائق والمواجهات العنيفة في شمال سيناء والتستر على حجم الخسائر الكبيرة التي يتعرض لها الجيش والشرطة كل أسبوع!
مع هذه الأحداث الكبيرة التي لم نجد لها صدى في إعلام العسكر الذي تمارس أجهزة النظام العسكرية والأمنية بحقه رقابة قوية ومباشرة حولته إلى مجرد نشرة صفراء للمؤسسة العسكرية برز فيها صوت السلطة واختفى منها صوت الجماهير وأناتهم وآلامهم. تزامن معها عمليات تضخيم لمعاركة جانبية مفتعلة مثل “الكرش” وفستان “رانيا يوسف”.
خطاب هروبي
إنه خطاب السلطة الهروبي من مواجهة الأزمات الحقيقية الكبرى من انقسام مجتمعي حاد وتفشي نزعات العنصرية والكراهية وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتزايد معدلات الاستدانة وتردي مستويات المعيشة وتأميم الفضاءات السياسية والإعلامية والاقتصادية وتهميش دور الشعب لصالح تعاظم دور الجيش والأجهزة الأمنية ثم يأتي بعد ذلك قوم على أبصارهم غشاوة يتحدثون عن نهضة مرتقبة وإنجازات كبرى! منذ متى كان الظلم والاستبداد وتعليق الفشل على شماعات الإرهاب والزيادة السكانية ثم الخطاب الهروبي بافتعال معارك جانبية طريقا لنهضة أو تقدم؟!
طريق الخلاص واضح، مصر تحتاج إلى حريات واسعة وعدالة ناجزة، ومشاركة اجتماعية واسعة في صناعة القرار ونظام ديمقراطي يحتوي الجميع دون تمييز أو كراهية أو إقصاء، تحتاج إلى التدريب على كيفية التعايش المشترك في سلام، واحترام نتائج الديمقراطية الحقيقة مهما كانت؛ لأن الانقلاب عليها يكلف البلاد غاليا وما تجربة انقلاب السيسي على ثورة يناير منا ببعيد؟! وتحتاج قبل كل ذلك أن تعود المؤسسة العسكرية إلى ثكانتها وأن تركز في بناء قوتها ؛ لأن الجيوش التي تحكم لا تحارب ولا تصلح للدفاع عن الأوطان. والجنرال الذي يعقد الصفقات لن تعنيه حماية حدود البلاد.