كان يرقد منزويا في أحد أركان زنزانته الأسمنتية القاسية، يجتر ذكرياته فيضحك أحيانا من تلك المواقف الطريفة التي مر بها وتعليقاته الضاحكة التي عرف بها بين أصدقائه وأقاربه، متذكرا عمله في صفوف الإسلاميين في خدمة الناس ودعوتهم إلى طريق الله. فيما لا يملك دموعه أحيانا أخرى حين يتذكر المتاعب التي تعرض لها في حياته والتي كان أهمها اعتقاله دون أي ذنب إلا حب الوطن وعدم التسليم بالانقلاب، وما تبع ذلك من تعذيب، وتفاقم للمرض، نيابة لا تعرف إلا التجديدات ومحاكم لم يدرس بعض قضاتها القانون الإنساني، بل درسوا شريعة الغاب التي ليس في قاموسها سوى الانتقام السياسي والتشفي من الأبرياء الذين يعرف القاصي والداني مدى إخلاصهم لهذا الوطن وعشقهم لترابه، ليجد نفسه معتقلا في سجن تحقيق طره على ذمة هزلية قسم العرب ببورسعيد.

غابت الأم دون وداع

في تلك الأثناء، وصل للمهندس المعتقل أشرف قنديل خبرا هو الأقسى الذي يخشى أي معتقل أن يسمعه، حيث زف إليه أحدهم وفاة والدته دون أن “يحظى منها بلحظة أو حتى نظرة حسبنا الله ونعم الوكيل” وفقا للتعبير الذي رثاها به من خلال تدوينة أملاها على أحد أقاربه حين زاره بعدها.

ولم ينس “قنديل” أن يدعو في محنته لكل من رعاها قائلا: “اللهم جاز بكل خير من خلفني في أمي وقت غيابي و محنتي أنا وأهل بيتي … أختي و زوجها وعلي و أمل وكل من ودها أو رعاها أو حتى دعا لها أو واسانا بعد غيابها …وتقبل دعاءنا لها، وجاز اللهم بما يستحق كل من منعنا برها وحرمنا منها وقت حاجة كل منا للآخر”.

ومثل الآلاف من الذين ازدحمت بهم السجون والمعتقلات في زمن الانقلاب؛ يعتبر المهندس أشرف قنديل نموذجا مشرفا لأهله وعائلته ووطنه، لم يعرف عنه سوى المبادرة في الخيرات، والعمل الدؤوب في خدمة الوطن عبر كافة المنافذ التي أتيحت له، كما كان، بالإضافة إلى ذلك مبتسما، مرحا، لا يعرف العبوس إليه طريقا.

وهب نفسه منذ ريعان شبابه لمساعدة الآخرين، والسعي في قضاء حوائج الناس، وهو ما ظهر بعد ذلك في تعليقات المحيطين به، أو حتى أولئك الذين عرفوه في موقف معين. ومن هؤلاء ننقل لكم تدوينة كتبتها إحدى الطبيبات، التي صدمت حين عرفت أن الشاب الذي تفانى في خدمتها قبل سنوات وأنقذ مستقبلها من الضياع قبل سنوات معتقلا ويعاني الوحدة والمرض الشديد ولا يجد سوى العبوس والتجاهل من هؤلاء الذين تخلوا عن إنسانيتهم في معاملة فئة من أفضل من أنجبت مصر.

تقول الطبيبة في التدوينة التي تم تداولها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، ننقلها كما كتبتها:

المهندس النبيل

“قاتل الله الظالمين ..

من سبعة وعشرين عاما حدثت هذه القصة

وقدر الله أن أحكيها اليوم ..

قصتي مع أسرة ورجل أقر لهم بدين في رقبتي لا أنساه إلي يوم الدين

قبل امتحان بكالوريوس الطب بأيام -والأطباء يعرفون معني هذه الفترة- وكنا بقينا سنة ستة قديم وستة جديد شغالين، وطلبوا مننا زي بحث case study
حاجه مصغرة من الماجستير

وعملوه شرط لدخول الامتحان

كلنا طبعا جرينا علي مكاتب الكمبيوتر نخلصه، ووقتها -سنة ٩١- كانوا مكتبتين فقط في البلد وواحد زميلنا هما اللي بيكتبوا للدفعة كلها.. اتأخرت نسختي جدا، وفاضل يوم علي الامتحان، وفجأة.. كمبيوتر زميلنا وقف والمكاتب مليانة ما وافقوش ياخدوا شغل تاني..

يا خبر !!

طيب والامتحان؟!

يعني مش هادخل؟!

يعني هاسقط؟!

هيه ناقصة؟؟ ده أملي وأمل العيلة كلها إني أخلص، وإدارة الكلية واقفالي علي الواحدة بسبب النقاب، هتضيع ٥ سنين ما بين امتياز وجيد جدا واسقط آخر سنة أو أدخل دور تاني؟؟؟

انهرت..

أخدوا أصحابي يلفوا مش لاقيين مكان يكتب لنا خلال ساعات،

امتحان الشفوي الصبح..

فجأة.. لقيت اتصال من صديقتي المقربة منى، قالت لي: تعالي أعرف مهندس شاب ابن حلال شاطر كمبيوتر، نروح له البيت لأنه متزوج قريب (ولسه ما في تليفون) يمكن يقبل..

رحت قابلتني زوجته الجميلة

الاتنين في سني أو أصغر سنة

متزوجين من شهور

رحبت .. ولكن للأسف.. الزوج غير موجود ومشغول في عمله، ولكن أخدت نسخة من الورق يحاول هو يشوف حد تاني يكتب

رجعت محبطة أبكي وأدعو الله

الساعات تمر..

خلاص.. الساعة ٤ الفجر، وأنا مسافرة بعد ساعة..

سبق السيف العزل ..

هاروح الامتحان يمكن يرضوا يدخلوني

إيه ده ؟!!!

الباب يرن الفجر

استيقظت أمي فزعة..

فتحنا لقينا شاب عيناه مثل الجمر من قلة النوم، يحمل أوراقي مكتوبة، ويريد أن يسألني في استهجاء بعض المصطلحات الطبية ولم يستطيع الوصول لي بالتليفون..

إنه هو نفس المهندس الشاب الذي زرت زوجته من ساعات .. عاد من عمله ليسهر لينهي لي بحثي عندما علم أن مستقبلي علي المحك..

لا يعرفني قبلا ولكن فقط يفعل ما رَآه واجب … لله فقط

جلست أنا وهو وأمي لمراجعة ما تمت كتابته ، ولكن أنا يجب أن أسافر حالا للامتحان، لن أستطيع أن أنتظر عودته بعد التصحيح،

فتبرعت أمي أن تستلم منه الورق وتسافر به إلي في الامتحان ،

مع أن أمي لا تحسن حتي معرفة الشارع الذي نسكن فيه من قلة خروجها

سافرت .. ويسر الله لي من يقبل بتأجيل تسليم البحث لثاني يوم ،

وفجأة.. وجدت من يبحث عني في طرقات الامتحان ليقول لي أن رجلا وسيدة أمام مدرج الامتحان يبحثون عنك!!!

لم يكن الموبايل موجود حينها ..

خرجت لأجد نفس الشاب مع أمي أحضرها بسيارته إلي كليتي لتسليمي البحث الذي قام حتي بتجليده وتصويره ثلاث نسخ كما طلبوا، ثم سافر بسيارته ومعه أمي حتي وصل لي ليفرج كربي.

نسيت أقول أنه لم يقبل أي مال مقابل ما فعله !!!

إنه المهندس أشرف قنديل.. أحد شباب الإخوان وقتها، وزوجته مهندسة هبة

مرت سنوات.. وتزوجت من زوجي الحبيب وأصبحت وأسرتهما من أقرب ما يكون بل كنت أنا الطبيبة التي ولد علي يدي أولادهما وكانت أمي -رحمة الله عليها- لا تنسي هذا الجميل ولهم عندها منزله خاصة جدا

لم أذكر هذه القصة بعد كل هذه السنوات ؟!!!

كنت أدخرها لهم ليوم القيامة لكن يبدو أن وقتها حان ..

هذا الشخص وهذه الأسرة الآن في محنة وضيق ..

المهندس أشرف يتدهور صحيا بشدة في سجون الظلمة ..

هذا القلب النابض بالعطاء والخير يكاد يتوقف من الإهمال الطبي ..

للأسف لا أملك إلا الدعاء ثم هذه الكلمات وما كانت لترد دينه عندي”.

تفاقم المرض

انتهت شهادة الطبيبة الشابة، إلا أن قصة المهندس أشرف ما زالت مستمرة؛ حيث أثبتت التحاليل التي أجراها في السجن أن نسبة الأورام في جسد “المهندس النبيل” مرتفعة جدا، وهي النتيجة التي سببت صدمة كبيرة لأسرته التي كانت تتمنى أن تكون أوجاعه مجرد أعراض لمرض بسيط يمكن علاجه بسهولة في ذلك القبو المظلم الذي لا يدخله الشمس.

وتضيف زوجته ” منذ تلك اللحظة و نحن نحاول حث مستشفى السجن على إرساله لأي مستشفى مناسب لعمل منظار و أشعة مقطعية للتشخيص الكامل للورم و للأسف لا توجد أي استجابة.. عرضنا التحاليل و التقارير على القاضي أثناء جلسة يوم السبت” 22 سبتمبر 2018″ و عرضها هو على مستشفى السجن، و أرسلنا تلغرافات بالحالة لجميع الهيئات المسؤولة، و لا يوجد أي رد فعل للأسف الشديد، و هو يعاني و يتألم و الوضع خطير و الكل يعلم أن الدقائق في هذه الحالة تفرق كثيرا و لا نعلم ماذا نفعل”.

Facebook Comments