تمتلئ ملفات المعتقلين في سجون الانقلاب بالكثير من المآسي التي تراكمت منذ قرابة الأربع سنوات حين وقعت كارثة الانقلاب العسكري على الشرعية والأخلاق والضمير والقانون.
ومن بين آلاف القصص والمآسي نستعرض حكاية الأب الذي لم يجد صورة لابنه لنشرها توضيحا لأزمته في المعتقل، وهو الشاب الطيب حافظ القرآن الذي يتمتع بالسيرة الحسنة بين جيرانه حتى هؤلاء الذين يؤيدون السفاح والانقلاب.
الابن هو “عبد الرحمن” الذي كان في نهائي الهندسة” حين تم اعتقاله عام 2013، وبعد 3 سنوات في السجن تم إخلاء سبيله، ثم أعيد اعتقاله مجددا، خلال سفره للخارج، وتم تلفيق قضية جديدة له هي “القضية 64 عسكرية لسنة 2017” بدعوى المشاركة في محاولة اغتيال النائب العام المساعد، عى الرغم من أن تلك المحاولة تمت خلال وجود “عبد الرحمن” بمقر “أمن الدولة” ثم نقل إلى “العقرب شديد الحراسة 2”.
وتحت عنوان “عندك صورة لابني؟” نشر الأب “علي” قصته مع أحد جيرانه، الذي كان مختلطا بابنه المعتقل “عبد الرحمن”، والذي كان يستعين به الرجل لتحفيظ أبنائه القرآن الكريم. حيث يقول الأب: “سألني جاري الطيب وهو رتبة كبيرة على المعاش: هل قمت بزيارة “عبدالرحمن” الذي معك تصريح بزيارته من القاضي العسكري نفسه؟
قلت له: لم توافق إدارة السجن على الزيارة.
سكت قليلا.. ثم هَمْهَم إذن ما تقوله قنوات المُعارضة صحيح!
سَرَحت منه عندما قال ذلك فهو قائد عسكري ولا يدري ما حدث بعد أن ترك الخدمة.. فابني عبد الرحمن الحافظ لكتاب الله، المُحترم، المؤدب، الخَلوق، المتفوق.. كان صديقا له، منذ أن كان ابني في الإعدادية وكان يقوم بإصلاح أجهزة الكمبيوتر له ولأسرته ومعارفه.
ويضيف الأب: “هذا السجن هو اختبار وتقنية حديثة التطور الطبيعي لجوانتانامو وأبو غريب ومن قبلهما هيروشيما ونجازاكي، تقنية يُمارسها القوي الذي معه السلاح والمال والإعلام والبطش ضد إنسان آَخر وقع عليه هذا الاختبار.. إنه اختبار لمدى صمود إنسان ضعيف بريء أمام جبروت أخيه الإنسان الظالم الغاشم.. وهي قضية كل مؤشراتها تقول إن هذا الاختبار سيذهب إلى مداه.. لا طعام ولا شراب لا لبس ثقيل في الشتاء، لا نوم، لا زيارات”.
ويستطرد الأب: “بعد حفلات التعذيب والتكدير بحق المعتقلين يتم تعذيب الأهالي وحرمانهم من أبسط الحقوق التي كفلتها تلك الدساتير الملفوفة لخدمة الكبار فقط فيتنسم الأهالي يوم العَرض علي المحكمة أمل رؤية فلذات أكبادهم، لكنه يوم من أسوأ الأيام التي تمر على الأهالي، وبالتالي في حياة المعتقل”.
ويشرح قائلا: “تتم مطاردة الأهالي من جوار المحاكم مثل الفئران، لا فرق بين أمهات وشيوخ وبنات ومرضى، لا رحمة بل منتهي التجبر والغِل، يبدأ الأمر بالبنادق المصًوبة نحوهم، ثم أصوات القادة الجهورية بالشتم والركل والطرد، حالات من البكاء والصريخ حتى يغشى على بعض النساء، لا أحد يستطيع أن يفعل شيئا، الأهالي في ذهول يكتمون غيظهم، حتى كلمة “حسبنا الله ونعم الوكيل” يخافون أن يقولوها في وجه هذا الرجل الذي سيبطش بهم، في كل مرة أقول لن يذهب الأهالي للمحكمة بعد كل هذا الذل، ولكن هل يترك الناس أكبادهم؟!
ويضيف: “إنها قضية يجب أن يتحدث عنها الجميع، إنها قضية إنسانية مجردة بغض النظر عن المواقف السياسية، بغض النظر عن الانشغال بالكهرباء أو لقمة العيش أو الدولار أو الانتخابات والتسريبات والمساجلات والغثاء، فإنها إزهاق النفوس بكل جبروت وبكل ظلم”.
ويقول: “لقد فقدنا نحن الأهالي الإحساس بالحياة، بعض الأخوة يُعاتبني ويقول لي لا تتكلم هكذا حتى لا يشمت فيك شامت قلت له بل أريد لمن يكره لنا الخير أن يري مُعاناتنا، لن أقول الأيام دُوَل، والدهر يَقصم ظهور الجميع لا محالة فهي طبيعة الحياة، بل أقول له تمتع بما يحدث لنا، فأنا لا أكره لك الخير أن كنت أحس بك أصلا، الأمر اليوم يُشبه يوم القيامة لا أحد يحس بأحد”.
ويقول الأب: “أَفقت على صوت الرجل الطيب وهو يقول: “إن عندي لابنك شهادة احتفظت بها علي المركز الأول وهو في الإعدادية في حفظ القرآن الكريم”، قلت له بل شهادات من النوادي والكشافة والمدارس والمساجد والجمعيات عن مدى حبه لهذا البلد، وخدمته له، قال: أعرف فقد كان يؤمنا في الصلاة ويخطب فينا الجمعة وهو في الثانوية الأزهرية”.
قال: هل عندك صورة حديثه له ؟ قلت لا..!
قال: عندي له صورة وضعتها علي الكمبيوتر وهو يتسلم الشهادة وليس عندي صورة حديثة له. وعدته أن سأبحث له عن صورة.. كان الوعد يقطع شراييني وكانت دموعه تواسيني”.