بقلم: د. فتحى أبو الورد

 

هالنى حجم المؤامرة، وشراسة المكر، وعظم الكيد، فى واقعة الانقلاب التركى الفاشل نهاية الأسبوع الماضى، بعد أن اتضحت معالمه، وتكشفت بعض خيوطه، وتبدت أشياء عن تفاصيله، وما خفى كان أعظم.

وذلك بدءا بالأعداد المشاركة، ومناصبهم فى أركان الدولة، وإمساكهم بمفاصل القوة، وتأثيرهم فى قلب موازين القوى، وتغلغلهم فى مراكز صنع القرار، وتسييرهم لحركة المجتمع والدولة معا فى الجيش والشرطة والقضاء والأوقاف والتعليم، فضلا عن مؤسساتهم الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية المستقلة، مما اصطلح عليه فى الحياة السياسية المعاصرة بالدولة العميقة، بعد سنوات تخطت العشر من الجهد والإصلاح والتغيير ممن تولوا زمام الحكم.

وانتهاء بوقوف كثير من الدول بنفوذها وإعلامها وراء هذا الانقلاب على إرادة الشعب، مخططة وداعمة ومدافعة عن عناصره المتآمرة، وجاهدة فى وأد التجربة الديمقراطية الوليدة، ومجهزة على الحريات التى طالما تغنت بها، والتى ضاقت بها فى آن واحد، حين جاءت بغير وعلى غير ما اشتهت: "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال".

ومع كل إلمامة جديدة بما كان يمثل تهديدا وخطورة وانقلابا على إرادة الشعب التركى أجدنى فى تلقائية وعفوية أردد قول الله تعالى: "ولكن الله سلم" أو كما نقول: قدر ولطف.

وكان هذْا تعقيبا قرآنىا على ما أراده الله تعالى فى غزوة بدر، قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ}.

قال الطبرى: إذ يريك الله عدوك وعدوهم "في منامك قليلا"، أى يريكهم في نومك قليلا فتخبرهم -أصحابك- بذلك, حتى قويت قلوبهم، واجترأوا على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرًا، لفشل أصحابك, فجبنوا وخافوا، ولم يقدروا على حرب القوم, ولتنازعوا في ذلك، ولكن الله سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا.

الحمد لله الذى أرانا حجم المؤامرة وعظم المكر بعد أن أفشلهما، فاتجهت الأرواح صوب السماء تظهر الضعف، وتخرج من الحول والقوة، وتستلهم المدد، وهرعت الأجساد صوب مكامن الخطر، وكمائن الشرر تدفع الباطل وترد المعتدى، فكان توفيق الله وتثبيته وتأييده ونصره.

ولو تكشفت خطة الأشرار وخيوط المؤامرة أمام أعين أهل الحق مع بداية حلول البلاء لكان لذلك آثار سلبية على نفوس المؤمنين وعقول المناصرين، أبرزها التردد والخوف والتراجع، بل التنازع والفشل كما قال الله تعالى: {ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر}.

وقد يخفى الله عنا الكثير مما لا نعرفه فى حينه لطفا بنا ورحمة مما نتبين خطورته فيما بعد، ولو عرفناه فى وقته لكانت له نتائج وخيمة.

كم من حادثة وقعت، وكان يمكن أن تكون أعظم "ولكن الله سلم".

وكم من واقعة ألمت بنا على المستوى الفردى أو المجتمعى، وكان لطف الله تعالى بنا، فدفعها عنا برحمته، لنردد "ولكن الله سلم"، "وكان فضل الله عليك عظيما".

وسبحان من ينصر أولياءه على أعدائه، ثم يقول: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17]، ثم يكتب ذلك حسنة لهم, يحمدهم عليها ويثني عليهم بها، وهو الذى تولى نصرهم.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments