بقلم: فجر عاطف صحصاح

 

اجتمعت همّة أصحاب الأيادي والخير على مساعدة تلك السيدة العجوز التي قرأوا عن حالها فرثوا له كثيرا؛ فقد اعتقل ابنها الوحيد والذي كان في الوقت نفسه عائلها والساعي على حاجياتها ومطالبها؛ فهي منذ أن أصيبت بالمرض الخبيث في الرئة وقد أصرّ العمل على الاستغناء عن جهدها ومعه انقطعت عن كونها صاحبة دخل تنفق منه على نفسها وتعول به ولدها، ولأن الألم كان يعصر رئتيها بالليل والنهار ومعه تكلفة العلاج تبلغ أرقاما صعبة لا تفي بها ميزاينة أسرة متوسطة الحال، ومن ثم فقد كان قرار زوجها أيضا الانفصال عنها؛ لإيقاف هذا السيل المتتابع في منزله من الصراخ والأنين، ومعه سيل آخر يقضي على ميزانيته بين عشية وضحاها..

سمع بالقصة أهل الخير وقرروا الذهاب في رثاء ومساعدة تلك السيدة العجوز التي لا يعتصر قلبها ألمي الوحدة والمرض فقط؛ بل زيد عليه مرارة الحرمان من الولد عقب اعتقاله بلا جريرة أو ذنب.. كان على تلك المرأة العجوز أن تركض خلف نجلها بين أروقة المحاكم والنيابات، وأن تواصل الليل بالنهار في متابعة المحامين وتفنيدهم للأدلة الملفقة في قضية غير ذات دليل أو برهان.. وبخلاف ذلك عليها أن تشمر عن يدين متورمتين من أثر المحاليل والحقن حتى تعمل على إعداد مستلزمات زيارة تسد بها رمق ابنها الوحيد الذي تتجاذبه الحيرة على أيهما يبكي؛ على حاله وما أصابه من غبن وتقييد للحرية بلا وجه حق، أم على أمه التي يعلم كم تعاني من ألم المرض والعوز من بعده.

شدّ أصحاب الخير رحالهم ومضوا بسيارتهم التي أخذت تتمايل وترتفع وتنخفض في طريق ضيقة وعرة غير ممهدة؛ فقد كان على الأم الانتقال إلى منزل متواضع تلملم فيه نفسها وتطلق منه صراخات الألم دون أن تزعج بها أحدا..

وهناك.. وفي العنوان المحدد لم يجدوا شيئا، فقد كانت المساكن المتراصة شديدة الضيق والتداخل حيث لم يتبين الزوار لأي وجهة عليهم أن يقصدوا، ولم يجدوا المنزل إلا عقب التريث والبحث وسط مساكن أشبه ما تكون بالكومات الترابية إثر يوم عاصف، لم تكن أكثر من بروزات على جانبي طريق متكسر تنبع من باطنه بعض النتوءات التي لا يُخيل لناظرها أنها منازل على الإطلاق، أو أن هناك بشرا يمضون حياتهم متقوقعين بداخلها..

عقب البحث المضني؛ وما بين كومتين إحداهما تشبه المقهى التي يجلس عليها البعض في حين أنها لا تعدو عن كونها تجمعا باهتا لمقاعد مقضوم أطرافها، ومناضد يكسوها غبار الأتربة وكأنه نديم لها منذ الأبد، أما الكومة الأخرى فقد كانت تدعي أنها محل للبقالة في حين أن جلّ ما يظهر منها ليس أكثر من بقايا أطعمة لا تداعب أي شهية؛ بل تحث على التعفف والزهد في الطعام.

ومن وسط الكومتين بدت ملامح منزل متهدم، امتداده في باطن الأرض يُحتم عليك أن تنزل أولا إلى حفرة عميقة قبل أن تبدأ في الصعود إليه، وعبر قوالب الدرج المتكسرة أمسك الصاعدون أنفسهم جيدا خشية أن يهوا، واستمروا في الصعود وقد عجزوا أن يجدوا السيدة العجوز في أي من الأدوار التي صعدوها، وذلك حتى وصلوا إلى سطح المنزل، وهناك بدت غرفة خشبية شديدة البساطة تنحفر وسط تلة من الركام والبقايا، وكأن الحي بأكمله قد اتفق على أن يقذف بنفاياته فوق سطح هذا المنزل المتهالك.
*****

طرق الزوار الباب وانتظروا كثيرا فلم يأتهم من يفتح؛ بل جاءهم صوت ضعيف وكأنه صدى خافت ينبع من هوة جسد خائر القوى لم يستطع سوى أن يطلق بعض الزفرات والشهقات؛ فأصدر صوتا فهم منه الأضياف أنّ عليهم الدخول مباشرة بلا استئذان، فالباب غير موصد لربما لعجز اليد التي دفعته على إتمام غلقه، أو ربما تركته راضية في انتظار مستشبر من  فاقد حيلة للأمل القريب.

وما إن تجاوز الأضياف عتبة الباب؛ حتى نظروا إلى وجه السيدة المتوسدة في فراش المرض، وكان ما أدهشهم جميعا في وقت واحد، أن هذا لا يُعقل أن يكون وجها لامرأة تفتك بها العلة الخبيثة، فضلا عن مكابدة الوحدة والعوز وفراق ابن غيبته السجون ظلما وجورا؛ كان وجه السيدة التي طالعوه يشع ضوءا مبهجا لا يمكن لعين الناظر أن تتجاهله، كما أن ابتسامتها لا تعكس سوى نفس غاية في الطمأنينة والهدوء وراحة البال؛ تسرب الشك لنفس الزوار وارتابوا في العنوان الذي قصدوه، وعلى الفور أخرجوا من حقائبهم الورقة التي تحمل اسم السيدة وعنوانها ليتأكدوا من كل ما فيها، فباغتوها بالسؤال تلو السؤال ليستوثقوا عن الحال الرثة التي جاءوا من أجلها، وعندما تأكدوا أنهم لم يخطئوا العنوان، بادروها بالسؤال عن سر نضارة وجهها وتهللها وكأنها فارقت للتو أياما هنيئة قضتها بصحبة عيد سعيد..!

اتسعت ابتسامة السيدة التي ما زالت تجلس في فراش مرضها، ثم استأذنتهم في النظر إلي الورقة التي تحملها أياديهم ويسأولوا عما بها، وعندما طالعتها وجدت صفحة سوداء شديدة القتامة تحكي عن مرض وفراق وأنين وغبن وفقر وشدة وحاجة، فما كان منها إلا أن قلبت الورقة؛ فبدت صفحة بيضاء ناصعة انعكس عليها شيء من صفاء نفسها ونقاء سريرتها؛ ثم بدأت تسرد لهم ما خفي عليهم من سطور القصة….!

قالت السيدة: عشت طيلة عمري أماً لولد واحد كان هو كل أملي ومبلغ أحلامي ومصب تعبي وكدري، لم أبخل عليه بالوقت أو بالمال أو بأيام العمر ولياليه؛ وبعد أن كبر وبلغ مبلغ الشباب بدأ حاله في تغير مستمر ومن سيء إلى أسوأ، ترك الصلاة ولم يفلح رجائي أو توسلي له أن يعود إليها ولو حتى يوم الجمعة، تركها غير عابئ وكأنه رأى الحياة الدنيا هي كل ما في الكون.. فغفل عن حياته الحقيقية ولم يعمل ليرث مكانا في الجنة، بل زهد في نعيم العابدين وسار في طريق مقطوع الأمل والخير.

انقطعت روحه عن ينبوع مدادها الأصلي، وصارت ظمأي حائرة لا ترويها الكلمات ولا تطمئنها صداقة الصديق أو لهو العابثين والماجنين، بات قلقا مضطربا يخسر كل من حوله دون اكتراث، يمر عمره  الشاب من بين يديه وهو غير مكترث بما يضيعه كل يوم ويفقده.. حتى كاد من فرط قسوته أن يفقد قلب أمه نفسها، فقد كان قاب قوسين من غضبي عليه وهممت أن أخيره بين أن يعود إلى رشده، أو أن أشدّ على قلبي فأنسيه أنه أنجب ولدا مثله..!!

تابعت الأم: شاب كهذا لم يكن هَم الوطن يمثل له شيئا ذي بال، ولكنه الفضول والشغف للتعرف على هذه الحياة غير العادية، وهؤلاء النفر من البشر الذين يصدحون بصلاتهم ليل نهار، ويحافظون على صيامهم رغم أشعة الشمس الحارقة، لا ترهبهم تهديدات بالقتل أو الحرق، يتحدثون بقوة، ويقفون بثبات أمام أعتى السلاح وليس في أيديهم سوى مصاحفهم ، وليس في فمهم سوى ترتيل الذكر والقرآن.

وهناك.. وفي "رابعة" ووسط هذا المعسكر الرباني ذهب إليهم زائرا مستطلعا شغفا بالتعرف وكأنه سائح من كوكب آخر، يبحث لروحه عن ري يفتقده في كل ما حوله، أمضي هناك يوما واحدا فقط، ولكنه عاد بقلب آخر غير الذي كان.. اشتدت فترات صمته وتأمله، أخذ يسأل ويحاول أن يفهم، بدا له اهتمام بأفكار وأحلام لم تكن تخطر له على بال، كنت أرقب أن شيئا ما بداخله يتحرك، أمضي أياما يعاني أعراض انسحاب للنفس الأمارة التي كانت تسكن جسده، ولكنه انسحاب بطيء وعراك مرير هذا الذي عايشه، وعلى حين غرة ..

وما إن جاء وقت المجرزة الدامية إلا وقد حُسمت المعركة في نفس هذا الشاب؛ الذي عدت من يومها أردد أنه ابني وفلذة كبدي، أحيت رائحة الدماء -التي كانت تزكم الأنوف- النفس الأصيلة الخيرة التي ربيته عليها في الصغر، وعاد إليّ ولدي بقلب يشعر ويتألم ويتلوي من مرارة الظلم الواقع علي غيره، عاد إنسانا يعرف أن أمله أبعد من الحياة، وأن الدنيا قاطرة تعبر بنا إلي حيث المرفأ الآمن.

خرج مثل غيره في تظاهرة وكأنها كانت له يوم ميلاد جديد، خرج رافضا للظلم والقتل حتى قبل أن يبدأ في المحافظة على الصلاة، ومن هناك تم اعتقاله بعد أن أكدت جوارحه ومجامع قلبه ونفسه أنه عاد عن طريق العبث واللهو بعد أن عرف أن هناك مثله من لقي ربه كي يحيا هو كريما عزيز النفس خصب الأمل..

أما عن غياهب السجن والاعتقال، فقد كانت هي المدرسة التي احتضنت هذا الوليد بعد أن بُعث قلبه من جديد، تعلم هناك كيف يصلي، حفظ القرآن وأجاد تلاوته، يلتقط يديّ في كل زيارة ليقبلها ويطلب مني أن أسامحه وأن أقبله ولدا بارا مطيعا من جديد، فعرفه قلبي وقبله ابنا جديدا يفرح به ويهش حين لقائه ويفخر به وبانجازه الذي يحكيه في كل زيارة.
*****

غادر الأضياف المنزل بلطف، بعد أن رأوا كيف تحاملت السيدة علي نفسها تاركة فراش مرضها؛ حتى تسجد شكرا لله تعالى.
 
وفي طريق العودة لم تعد كافة مظاهر الفقر والألم كما كانت في أعين الزوار من قبل؛ فقد أضفي حديث السيدة شيئا كثيرا من الصلابة والقوة في أعينهم فرأوا في الأشياء جميعها غطاء لجوهر لا يصل إلي مداه إلا صاحب بصيرة تصل به إلى زاوية الرؤية الحقة؛ والتي أجادت السيدة ضبطها فعرفت كنه الأمر فاطمئن قلبها وهدأت سريرتها..!!

 ———————————-
* المقالات تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "بوابة الحرية والعدالة"

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments