لحماية السيسي من مصير البشير.. مثلث الشر يشرعن استيلاء العسكر على السلطة بالسودان

- ‎فيتقارير

في الوقت الذي يتجه فيه المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في السودان إلى الصدام مع قوى التغيير والثورة بشأن المطالبات بحكم مدني بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير، استقبل رئيس سلطة الانقلاب عبد الفتاح السيسي بالقاهرة رئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني، الفريق أول أبو بكر دمبلاب، أمس الإثنين، إلى جانب عقد قمة إفريقية مصغرة، اليوم الثلاثاء، كما يتبع زيارة المسئول الأمني السوداني للقاهرة، التي حضرها رئيس المخابرات عباس كامل، استضافة السيسي، بصفته رئيسا للاتحاد الإفريقي، قمة تشاورية مع رؤساء تشاد وجيبوتي ورواندا والكونغو والصومال وجنوب إفريقيا، وحضور رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقيه، وبعض المنظمات الإفريقية.

ويهدف السيسي- بحسب تصريحات لمساعد وزير الخارجية الأسبق عبد الله الأشعل، تعليقًا على لقاء السيسي رئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني- إلى مساعدة ومساندة ودعم الانقلاب العسكري بالسودان ضد الثوار المطالبين بحكم مدني وإزاحة العسكر، وحثْ الاتحاد الإفريقي على عدم معاقبة الانقلاب العسكري السوداني.

وقال الأشعل، في تصريحات صحفية اليوم الثلاثاء: إن إصرار السيسي على دعم عبد الفتاح برهان نابع من مخاوفه من أن نجاح ثوار السودان سيقتلع العسكر من السلطة، وقلقه من تبعات ذلك وتداعياته عليه وعلى نظامه في مصر، مؤكدا أن بقاء المجلس العسكري السوداني في الحكم يعتمد على ميزان القوى بين العسكر والثوار بالسودان، معتقدا أن ما يملكه السيسي من قوة لا تمكّنه من التأثير على الاتحاد الإفريقي لصالح عسكر السودان، خاصة أن الاتحاد أمهلهم أسبوعين، مؤكدًا أن دولة جنوب إفريقيا ستحبط مساعي السيسي.

الاعتراف الشرعي

فيما ينظر الخبير بالشئون الإفريقية، الدكتور بدر شافعي، إلى الهدف بالنسبة للمجلس العسكري السوداني وهو الحصول على الاعتراف الشرعي من دول الجوار، خاصة مصر؛ كونها دولة جوار من ناحية، وباعتبارها رئيس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي.

وقال شافعي: إن القاهرة ستستضيف قمة طارئة حول السودان، “الهدف منها من وجهة نظر المجلس السوداني عدم تعليق عضوية الخرطوم بالاتحاد، أو على الأقل تأجيل المدة المسموحة لعملية الانتقال، وهي 15 يوما والتي مضى منها أسبوع”.

ويؤيد “شافعي” ذلك بأن السيسي سيمارس كل ما يمكنه من ضغوط للحصول على مكاسب من “العسكري السوداني”، وبالوقت نفسه مساعدة برهان للاستمرار بالسلطة، مضيفًا أنه “سيسعى لدعمه من خلال المحور السعودي الإماراتي؛ لتصفية الإسلاميين الموجودين بمفاصل الدولة والمؤسسة العسكرية”.

وقال الأكاديمي المصري: إن السيسي والمحور السعودي الإماراتي حريصون أيضا على “بقاء العسكر بالسودان؛ كونه أداة مهمة لمنع انتصار الثورة الشعبية، وانتقال عدواها لدول الجوار ومنها مصر”.

وفي رده على التساؤل: هل يلعب السيسي بالسودان بمفرده بعيدًا عن الإمارات والسعودية؟ أم أنّ هناك تنسيقًا بينهم؟ أجاب شافعي بقوله: “هناك أهداف مشتركة، وأخرى خاصة بكل طرف، حسب مصالحه”.

وتابع: “مصر يهمها الأمن القومي لحدودها الجنوبية، وترغب بوجود نظام ضعيف لا يطالب بحلايب وشلاتين، ثم يأتي موضوع سد النهضة”، مضيفا: “أما بالنسبة للإمارات والسعودية، فما يهمهما تبعية السودان لهما بملف اليمن، وإبعاد الأتراك والقطريين عن البلاد، وعدم تمكين أحد من البحر الأحمر”.

المجلس العسكري السوداني

وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، قد أعلن عن «استعداده» لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية، إلا أن «الجمود» أصاب مفاوضات الانتقال إلى الحكم المدني في السودان، بحسب تصريحات مصادر في المعارضة لـ«مدى مصر».

واتجه اللواء عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري، إلى مبنى التلفزيون في وقت متأخر من ليلة أمس، ليعلن استعداد الجيش لتسليم «مقاليد الحكم»، اعتبارًا من اليوم التالي، شريطة أن تتوصل القوى السياسية إلى توافق فيما بينها، وأن يطرحوا حكومة يمكنهم الاتفاق عليها.

وفقًا لقواعد الاتحاد الإفريقي، فإن الإقالة القسرية لرئيس دولة من جانب هيئة عسكرية تعد انقلابًا، خاصةً إذا استمر ممثلو القوات المسلحة في إدارة شئون الدولة، ومن ثم تُعلق عضويتها في الاتحاد الإفريقي مؤقتًا، كما حدث مع مصر في 2013.

إلا أن سلطات الانقلاب في مصر، التي تترأس الاتحاد الإفريقي حاليًا، تحاول منذ الإطاحة بالبشير منع الاتحاد من اعتبار تدخل الجيش انقلابًا عسكريًا.

وتقول شبكة “الجزيرة”، نقلا عن معارضين سودانيين، إنه بدلا من تسليم المجلس العسكري السوداني حكم البلاد إلى حكومة مدنية، تسعى مصر في الوقت الراهن إلى تحقيق نتيجة مختلفة؛ إذ ترى القاهرة أن دور المجلس العسكري يجب أن يستمر في إدارة شئون الدولة «لفترة مقبلة».

وتقول المصادر، إن مساعي القاهرة هي جزء من محاولة لدعم العلاقات الثنائية الخاصة، تزامنًا مع سرعة تغيُّر المشهد السياسي في الخرطوم، وذلك تحت غطاء دورها كرئيس للاتحاد الإفريقي، وفي محاولة للتخفيف من الأضرار المحتملة الناجمة عن الرهان العلني على استمرار البشير في الحكم على مدى الشهور الأخيرة.

السيسي يشرعن الانقلاب

ونقل موقع “مدى مصر”، عن مصدر حكومي مصري، أن مصر خططت لاستضافة اجتماع للاتحاد الإفريقي في القاهرة، غدًا الثلاثاء، لمناقشة الوضع في السودان، وأعدت القاهرة هذه الخطة ووافق عليها المجلس العسكري السوداني.

ومن المقرر أن يحضر اجتماع القاهرة 13 عضوًا من الاتحاد الإفريقي، أغلبهم من الدول المحيطة بالسودان، ومن مجموعة دول ترويكا الاتحاد الإفريقي، وفقًا للمصدر الحكومي المصري، الذي أضاف أن البرهان «ربما» يحضر ذلك الاجتماع.

ووفقًا للمصدر، تخطط مصر لمطالبة أعضاء الاتحاد الإفريقي المجتمعين في القاهرة يوم الثلاثاء بالاعتراف بدور الجيش السوداني في تلبية مطالب الشعب السوداني والحفاظ على وحدة الشعب السوداني وسلامة أراضيه. بالإضافة إلى تعهده بالسماح للشعب السوداني بتحديد المسار والمدى الزمني لعملية الانتقال الديمقراطي، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة.

ويقول المصدر، إن بعض دول الاتحاد الإفريقي تتقبل فكرة عدم انتقال السلطة فورًا إلى حكومة مدنية في السودان، وتتفق مع الموقف المصري، شريطة أن يتنازل المجلس العسكري عن السلطة في النهاية دون عرقلة استقرار البلاد.

وأثناء الترتيب لاجتماع الثلاثاء، ظهرت تقارير في نهاية الأسبوع الماضي، تفيد بأن السيسي ربما يسافر مباشرة إلى الخرطوم للانضمام إلى وفد مصري يزور العاصمة السودانية.

وأكد مصدر سوداني أن السيسي كان مقررا له زيارة الخرطوم، إلا أن الزيارة أُلغيت بناءً على توصية من مصدر مخابراتي مصري في الخرطوم، والذي قدّر أن الوضع في العاصمة السودانية لا يزال شديد السيولة.

مشاورات هاتفية

وقال المصدر: «جرت مشاورات هاتفية مُكثفة بين القاهرة والخرطوم خلال الأيام القليلة الماضية، ونحن لا نرغب في تفاقم الوضع الحساس هناك. ما نريد القيام به هو التواصل مع السودان وإبلاغ الشعب السوداني برغبتنا في أن نقف إلى جواره على نحو يساعد على تعزيز أمن واستقرار هذا البلد، وهو أمر على قدر كبير من الأهمية بالنسبة لمصر، لأسباب واضحة؛ هي الأمن الحدودي والمائي».

واتفق المسئولون المصريون حول تباين وجهات النظر داخل الأوساط الحاكمة المصرية بشأن فرص بقاء البشير في السلطة، لكنهم قالوا إن التقدير النهائي للموقف تمحور حول قدرة الرئيس السوداني على الصمود في مواجهة المظاهرات.

وأبلغت سلطات الانقلاب رؤيتها السياسية تلك لجهات إقليمية فاعلة أخرى، من بينها الإمارات العربية المتحدة.

ويقول مصدر حكومي في الإمارات: «في القاهرة، طلبوا بعض الوقت لمساعدة البشير لكي يقف على قدميه مجددًا، ومن الواضح أن هذا لم يحدث»، مضيفًا أن أبو ظبي كانت ترى من البداية أن الرئيس السوداني السابق سوف يسقط.

السعودية والإمارات

وقالت مصادر، إن الرئيس الحالي للمجلس العسكري السوداني «ربما» يتمتع بعلاقات أقوى قليلًا مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، نظرًا لدوره في إدارة القوات السودانية في اليمن كجزء من التحالف السعودي الإماراتي المشترك لمحاربة الحوثيين الذين تدعمهم إيران. ومع ذلك، يقول إن البرهان خدم سابقًا في سفارة بلاده بالقاهرة «وهو معروف لكثير من كبار المسئولين في القاهرة، ما سهّل الاتصالات معه منذ الإطاحة بالبشير».

وأضافت أن مصر لديها خطوط اتصال جيدة مع الأوساط «التقليدية» للمعارضة السودانية، وتحاول عقد اجتماعات مكثفة مع بعض قادة المعارضة الجديدة.

وتابعت المصادر أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت قبل أن تعود العلاقات المصرية السودانية إلى مسارها الصحيح مرة أخرى، لكن الأمر لن يستغرق وقتًا طويلًا حتى تصل الأمور إلى نصابها. مضيفًا: «أعتقد أنه بغض النظر عمن يحكم السودان، فلن يرغب أحد في إقامة علاقات سيئة مع مصر بسبب فترة تعاونها القصيرة مع البشير».

وقال مصدر إماراتي، إن المساعدات الاقتصادية التي قدمتها أبو ظبي والرياض إلى الخرطوم بقيمة ثلاثة مليارات دولار تهدف إلى «تجنيب» السلطات الحاكمة الجديدة «الوقوع تحت ضغط قطر».

جزيرة سواكن

كان عبد الفتاح البرهان قد أعلن، أمس، نتيجة ضغوط إماراتية، عن أنه يتعين على القوات التركية إخلاء جزيرة سواكن، حيث اتفقت تركيا والسودان في ديسمبر 2017 على بناء رصيف لصيانة السفن المدنية والعسكرية.

ووفقًا لمسئول سوداني تحدث لـ«مدى مصر» عبر الهاتف من الخرطوم، فإن معظم هذه التحركات تستند إلى افتراض أن البرهان سيتولى المسئولية لمدة عام أو عامين على الأقل. وأضاف أن الواقع ربما يتغير إذا استمرت المظاهرات في المطالبة باستبدال المجلس العسكري الحالي بمجلس مدني.

ومنذ الأحد الماضي، تبادل المجلس العسكري والمعارضة التهديدات، حيث قال تجمع المهنيين المنظم الرئيسي للاحتجاجات إنه سيعلق المحادثات مع المجلس.

وقال محمد الأمين عبد العزيز، من تجمع المهنيين، للحشود خارج وزارة الدفاع، الأحد: “قررنا التصعيد مع المجلس العسكري وعدم الاعتراف بشرعية المجلس العسكري ومواصلة الاعتصام وتصعيد الاحتجاجات في الشوارع”.

وتصر قوى التغيير على تسليم السلطة للمدنيين سريعا، معلنة أن حراكها الشعبي يمر بمنعطف خطير؛ بسبب ما وصفته بإعادة إنتاج النظام بالوجوه والأجسام البائدة نفسها، على حد تعبيرها.

وقالت القوى، في بيان، إن اللجنة السياسية في المجلس العسكري برئاسة الفريق عمر زين العابدين وعضوية الطيب بابكر تقف بصورة واضحة ضد وصول الثورة لغاياتها وأهدافها، وذلك عبر طرحها لعملية انتقالية يشارك فيها رموز النظام السابق ومن ساهموا معه في تشريد وتعذيب السودانيين وانهيار الدولة.

وفي 11 أبريل الجاري، عزل الجيش البشير من الرئاسة بعد ثلاثة عقود من حكمه على وقع احتجاجات شعبية متواصلة منذ نهاية العام الماضي.

وشكل الجيش مجلسًا عسكريًّا انتقاليًّا، وحدد مدة حكمه بعامين، وسط محاولات للتوصل إلى تفاهم مع أحزاب وقوى المعارضة بشأن إدارة المرحلة المقبلة.