في ظل قمع غير مسبوق تشهده مصر وسط سيطرة عسكرية على كل شيء، يسعى الانقلاب لصياغة الهوية والعقلية المصرية على مقاس العسكر؛ اعتمادًا على سياسة قمع اقتصادي واجتماعي وفي كافة مناحي الحياة.

فى هذا الإطار، تفتّق ذهن العسكر عن فكرة تقليص الأعمال الفنية الرمضانية التي ينتظرها كثير من المشاهدين، الذين بات قدرهم أن يعيشوا الدراما التي تُنتجها أقلام العسكر، بعدما سيطروا على شركات إنتاج الدراما والقنوات العارِضة أيضًا، وهو ما دفع الكثير من الفنانين والإعلاميين المؤيدين للانقلاب إلى التعبير عن غضبهم الشديد من سياسة العسكرة، ومنهم الفنان عادل إمام.

وتشهد «الدراما الرمضانية» هذا العام أعمالًا تخدم سياسة النظام العسكري؛ كأنّ «السيناريست عبد الفتاح السيسي» خطّها بيده، خاصة الترويج لمزاعمه بـ«الحرب على الإرهاب» و«انتشار الفكر المتطرف»، ثمّ تشويه النزعة الدينية. وتهدف هذه الأعمال إلى مواجهة المنظمات الحقوقية العالمية التي توجه انتقاداتها بسبب تردي الأوضاع الإنسانية في مصر نتيجة هجمات الجيش والشرطة وحملات التهجير والاعتقال والقتل والتدمير والتصفية والترويع للآمنين.

وتروّج الدراما الرمضانية التي يعدها العسكر لفكرة عبد الفتاح السيسي، منذ يوليو 2013، بأنّ المعارضة «إرهاب»، وضباط الشرطة والجيش «حماة الوطن منهم».

كود أخلاقي

وفي سياق السيطرة العسكرية، انتقد فنانون ونقاد وسياسيون فرض رقابة صارمة من نظام زعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي على الأعمال الدرامية التي ستقدم في موسم رمضان المقبل، مؤكدين أن جميع هذه الأعمال “موجهة” بشكل يقتل الإبداع.

كانت لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى للإعلام قد أصدرت بيانا، الثلاثاء الماضي، طالبت فيه صناع الدراما في رمضان المقبل بالالتزام بـ”الكود الأخلاقي والمعايير المهنية والآداب العامة”.

المؤسسة العسكرية

وتتضمن تلك المعايير عدم اللجوء إلى الألفاظ البذيئة التي تشوه أخلاقيات المجتمع، والبعد عن تمجيد الجريمة أو الظواهر الاجتماعية السلبية، وتجنب مشاهد التدخين وتعاطي المخدرات والتوقف عن تجاهل ودهس القانون.

وتُلزم المعايير صناعَ الدراما بالتوقف عن تناول موضوعات تكرس الخرافة والتطرف الديني وتُغيب التفكير العلمي، مقابل تناول موضوعات تمجد رجال المؤسسة العسكرية والشرطة، وتعمق مشاعر الانتماء الوطني.

وتعليقا على هذا الموضوع، قال الناقد الفني طارق الشناوي: إن مصر ستدفع خلال السنوات المقبلة ثمن ما يحدث الآن في سوق الدراما، متوقعا أن تخسر البلاد أحد أهم عناصر قوتها الناعمة في المنطقة العربية.

حرية الإبداع

وكان جمعٌ كبيرٌ من الفنانين والنقاد قد شنوا هجومًا كبيرًا على الرقابة التي تفرضها السلطات العسكرية على الأعمال الفنية التي ستقدم في رمضان المقبل في البلاد، وأكدوا خلال المؤتمر الختامي لمشروع “مرايات”، أن حرية الإبداع تتنافى مع الرقابة على الأعمال الفنية وفرض الوصاية على المبدعين.

وقال السيناريست محمد سليمان عبد الملك: إن الدراما المصرية عام 2019 فيها جميع أنواع القيود، مضيفا “كل ما يمكن أن نطلق عليه قيودًا موجودٌ في الدراما المصرية عام 2019، وما سيقدم ليس الأفضل إطلاقًا”.

وتابع أن هامش الحريات في الأعمال الفنية كان أكبر ومتاحًا خلال الأعوام السابقة، وأبدى تخوفه إزاء تأسيس “المجلس الأعلى للإعلام” ولجنة الدراما التابعة له.

وأوضح عبد الملك، في تصريحات صحفية، أن دراما رمضان 2019 تحمل جميع أنواع القيود، مؤكدًا أن تأسيس “المجلس الأعلى للإعلام” لجنة دراما تابعة له في عام 2017 سيزيد من الرقابة على الإبداع.

سيطرة شبه مطلقة

بينما أكدت المطربة فيروز كراوية، مديرة مشروع “مرايات” (المعني برصد وتحليل الأعمال الدرامية التي عرضت في موسمي رمضان 2017 و2018)، أن الدولة تتجه إلى استعادة السيطرة الرسمية شبه المطلقة على الإعلام والإنتاج التلفزيوني، عبْر شركات مؤسسة بغرض الاستحواذ على معظم القنوات الفضائية المصرية، وهو ما يعد مؤشرًا مقلقًا فيما يتعلق بحرية التعبير.

وقالت مديرة مشروع “مرايات”، وهو مشروع يسعى إلى تحسين صورة النساء في القطاع السمعي والبصري في الأعمال الفنية، إنهم أجروا دراسة على الأعمال الدرامية في رمضان خلال العامين الماضيين، وتوصلوا من خلال هذه الدراسة إلى أنه بداية من مايو 2017 حجبت الدولة المصرية نحو 497 منصة وموقعًا إلكترونيًّا، منها ما يعمل على المستوى المحلي وأخرى على المستويين الإقليمي والدولي، ومنها أيضا منصات لمنظمات نسوية وحقوقية محلية.

كما تتجه الدولة إلى استعادة السيطرة الرسمية شبه المطلقة على الإعلام والإنتاج التلفزيوني، عبْر شركات مؤسسة بغرض الاستحواذ على معظم القنوات الفضائية، وهو ما يعد مؤشرًا مقلقًا فيما يتعلق بحرية التعبير كأحد روافد التنوع والجدل المفتوح داخل المجتمع، ما يقلل فرص المجتمع في إحداث تغييرات على مستوى البنية الثقافية وديناميكية العلاقات الاجتماعية؛ إذ يصعب على المجتمعات المغلقة والمحرومة من التداول الحر للأفكار تبني رؤى تقدمية أو إيجابية عن التنوع في الأدوار الجنسية والأفكار من نوعية المساواة في الحقوق الممنوحة للرجال والنساء، وكذلك دعم المشاركة الحيوية للجنسين في الحياة العامة.

وأوضحت أنه لا يزال جهاز الرقابة على المصنفات الفنية يلعب دورًا مركزيًّا في تحديد صلاحية الأعمال للعرض التلفزيوني من عدمه، فضلًا عن تشكيل لجنة الدراما عام 2017 والتي تعمل تحت رعاية المجلس الأعلى للإعلام.

Facebook Comments