استطلاع رأى نشره إعلامي موالٍ للعسكر على صفحته منذ أيام- وأعتقد بأوامر منهم لجس نبض الشعب- يضع يدك على حقيقة الوضع الاقتصادي المتردي للمحروسة، ويؤكد استعداد هذا النظام لبيع ما تبقى منها من أجل دوام بقائهم فى السلطة. يطلب الإعلامي من المشاركين فى الاستطلاع الموافقة أو عدم الموافقة على تجنيس أربعة ملايين فلسطيني بالجنسية المصرية مقابل (80 مليار دولار) لحل مشكلات مصر الاقتصادية- حسب ما كتب- ورغم أن المصوتين قد لقنوه درسًا فى الوطنية إذ لم يوافق 97% من المشاركين على هذا المقترح المشبوه؛ فإن السؤال المطروح: وماذا بعد؟!

لقد بيعت من قبل تيران وصنافير، ومياه النيل، وغاز المتوسط؛ دُفعت لأجلها مئات المليارات فأين ذهب كل هذا؟ وأين (رز الخليج) الذى بلغ عشرات المليارات باعترافاتهم أنفسهم؟ بل أين ذهبت أموال القروض التى لا تُحصى والتى لا يعلم الشعب عنها شيئًا وإنما تظهر فقط أرقامًا مجمعة فى الدين العام الذى تخطى الثلاثة تريليونات جنيه للداخل ومائة مليار دولار للخارج؟ وأين متحصلات فواتير الوقود والكهرباء والغاز والمياه التى تضاعفت إلى نحو 300%؟ وأين حصيلة الجباية فيما يُعرف بالضريبة بأنواعها؟ وأين الإتاوات فيما يُعرف بالرسوم والتمغات والتبرعات والتى زادت إلى نحو 500% على الخدمات الحكومية كافة؟!

إننا إذ نطرح سؤال: وماذا بعد؟ إنما ندق جرس الإنذار ونحذر المصريين من كوارث مقبلة إن لم يحسموا أمرهم ويسرعوا بالتخلص من هذا النظام الفاشل الذى كلما مر علينا عام كان أسوأ من سابقه، وقد صاروا -حرفيًّا- كالمدمن المفلس الذى يسرق –دون تمييز- ما يصادفه للصرف على مزاجه، ولعل إعلان النظام -مؤخرًا- طرح (20 مليون متر) من الأراضى الفضاء للبيع ما يؤكد ذلك؛ إذ بدلا من استثمار هذه المتخللات فى تدشين مشاريع وطنية أو إقامة أنشطة شعبية لاحتواء الشباب أو استعمالها كمتنزهات لتخفيف حدة الزحام وتنقية البيئة فى أجواء القاهرة السامة وعواصم المحافظات الملوثة -فإنهم يبيعونها الآن وعلى عجل لتسديد فوائد الديون (المتلتلة) كما صرح بذلك وزير المالية؛ دون النظر -بالطبع- إلى مصلحة البلاد والعباد.

لا غرو إذًا أن تصل مصر إلى هذه الحالة من التردى الذى تتستر عليه -للأسف- القوى والحكومات الخارجية؛ إما لمصالح سياسية خاصة أو صهيونية، أو تم شراء سكوتهم بأموال الشعب فى صورة صفقات أسلحة أو تمكينهم من مشاريع أو مخصصات قومية مهمة. وإن نظرة سريعة لما جرى فى «الاستفتاء» الأخير تمكننا من الإجابة عن السؤال الذى طرحناه فى البداية؛ فقد تم -رسميًّا- إنفاق ثلاثة مليارات جنيه على هذه المهزلة ما بين أجور للقضاة (قيل إن كل قاض حصل على 18000 جنيه) والموظفين المساعدين ومديرى العملية الانتخابية، فضلاً عن تأمين عشرات الآلاف من اللجان على مدار ثلاثة أيام تعطلت أثناءها الخدمات الحكومية. أما ما تم صرفه بشكل غير رسمى فقد تخطى الرقم الرسمى بكثير؛ إذ تم إنفاق -كما أكد البعض- مبلغ (450 مليون جنيه) على بند (الكرتونة) فقط، فضلًا عن الدعاية التى غطت الشوارع العمومية واللجان بأسرها، بالإضافة إلى الرشاوى النقدية والعينية، غير استئجار البلطجية، والسيارات، والإضاءة، والصوت إلخ.

وهذا البذخ يدل على أن الأموال العامة صارت فى أيدى اللصوص، فهم فى عجلة من أمرهم لتبييضها قبل أن يأتيهم آت يؤاخذهم على ما فعلوا، ولا حديث هنا عن مسئولية أو وطنية أو انتماء، ولا جدوى من البحث عن حقيقة ترديدهم لشعار (تحيا مصر) إذ الأمر تخطى كل هذا بكثير بعدما صار النهب سافرًا؛ وبعدما صار اللص يحمل سرقته ويسير بها بين الناس وقد أمن ألا يعترضه معترض.

وبعد مرور ست سنوات على هذا الوباء صرنا خلالها (شبه دولة) لا زال هناك تراجع بصورة مخيفة، فى كل شىء، ولا زالت الضغوط متواصلة على المواطن بصورة غير مسبوقة، ولا زلنا نسمع السخف نفسه، والاستخفاف ذاته كأننا شعب الأدغال؛ فالنظام يتغنى بإنجازاته العظيمة، ومشاريعه التى لم يسبقه إليها أحد، ويتحدثون بلغة (الخير جاى) مثلما قالوا قد عبرت القناة فى يوم واحد عشرات السفن منها سفينة واحدة هى الأحدث والأضخم فى العالم وقد دفعت وحدها نحو مليون دولار. أين إذًا كل هذا فى حين أن (75%) من إجمالى الميزانية العامة من حصيلة الضرائب وما تبقى (25%) من دخول أخرى ثابتة مثل القناة وتحويلات المصريين؟ أين الإنتاج ومشاريعه؟ وأين مشروعات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة؟

الحقيقة ليس هناك إنتاج؛ لأنهم متفرغون لما هو أهم، متفرغون للقضاء على الإخوان، وطردهم من وظائفهم، ومصادرة أموالهم، وقصر المعذبين والقتلى فى مقار أمن الدولة والمخابرات على شباب الجماعة وشيوخها. وإذا كان ثمة إنتاج بسيط فهو يذهب لزيادة رواتب العسكريين ومعاشاتهم.. وإذا كان ثمة مؤسسات زراعية أو صناعية تربح ولديها فائض فهو متروك لمسئولى هذه المنشآت من دون الشعب، شريطة أن يمدحوا (الزعيم) وينافقوا النظام، وألا يسمحوا لأحد بالنقد أو إعادة البناء.

بلد كبير ذو مقومات عظيمة؛ سواحل بحرية ممتدة، صحراء شاسعة مليئة بالخيرات، إمكانات بشرية هائلة، قدرات زراعية وصناعية فائقة، به ثلث آثار العالم،  قدرة على إنشاء سياحة صحية وتعليمية ودينية.. لكن لا قيمة لكل هذا مع نظام فاشل، يعيش يومًا بيوم، لا تمر ساعة دون أن يقترض. كل هذا بسبب فساده وتبعيته ورعونته.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments