أحكام الإعدام الجماعية أصبحت سبة في تاريخ القضاء المصري، بعد أن تحول قضاة الانقلاب، لمجموعة من الموظفين الموكلين بإصدار الأحكام الانتقامية من قبل النظام الفاشي بقيادة عبد الفتاح السيسي؛ الأمر الذي أساء لتاريخ القضاء المصري، وجعله مادة للسخرية والنقد على صفحات الجرائد المحلية والأجنبية.

ومن بين الانتقادات والإساءات لتاريخ القضاء المصري ما صدر في صحيفة “الجارديان” البريطانية، تجاه المحاكمات الجماعية التي صدرت بإعدام المئات لمجرد احتجاجاهم على الانقلاب العسكري، وقالت إنه “عار على مصر”»، ودعت الحكومات الغربية لتفسير دعمهم المفتوح وغير المبرر لنظام الانقلاب وكيف يقوم نظام استبدادي بتدمير أمة عربية.

وقالت “الجارديان”: في مصر الناجون من المذابح يسجنون لخمس سنوات قبل المحكمة وتتم محاكمتهم جماعياً بدون دفاع حقيقي، وهو الأمر المميز والصارخ في محاكمات 739 متهماً الذين يزعم النظام أنهم كانوا ضمن المحتجين الذين خرجوا ضد الانقلاب الذي دفع الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2013″.

وأضافت أن الأحكام، كانت مفرطة أكثر مما كان يتوقع المتهمون، خاصة أن 75 منهم صدرت ضدهم أحكام بالإعدام لأنهم كانوا على الجانب الخاسر في الاحتجاجات.

قضاء الانقلاب

في فيلم “ضد الحكومة” للمخرج الراحل عاطف الطيب، وقف المحامي الذي جسد شخصيته الفنان أحمد زكي في دور مصطفي خلف، أمام القاضي في مرافعته الأخيرة ليقول “أنا ومعي المستقبل كله نلوذ بكم، فأغيثونا” ليرسخ في وجدان المتفرج أن منصة القضاء هي الملاذ الأخير الذى لم تطوله بعد أيدي الفساد، إلا أن المخرج لم يجل بخاطره ان هذا الملاذ الأخير سيصبح الخنجر المسموم في ظهر المصريين الذي يطعنهم من الخلف، وتنتهي هذه الصورة الوردية التى رسمها بعد ان تحطمت مع وقائع الفساد المتتالية التى تظهر على السطح، وتكشف أن الجهاز القضائي مثل أي جهاز إداري في الدولة طاله الفساد.

وظهر على سطح القضاء نماذج من الفساد لم يتخيل عاقل أن تحدث في مصر، حتى تحول بعض القضاة لتجار مخدرات وسماسرة أراضي، ومحللين انتخابات، ومصدر تشريع للخيانة في بيع الأرض والعرض، كما حدث في تيران وصنافير.

نماذج من الفساد

كان أحدث نماذج الفساد في القضاء تحت مظلة الانقلاب العسكري، قضية أمين مجلس الدولة وائل شلبي الذي لقي حتفه في محبسه بعد اعترافه بتورطه في واحدة من أكبر قضايا الفساد القضائي.

وبدأت فصول القضية بضبط الرقابة الإدارية لمدير مشتريات مجلس الدولة جمال اللبان، في يناير 2016، وبتفتيش منزله وجدت مبالغ كبيرة، قدرت بـ24 مليون جنيه وأربعة ملايين دولار أمريكي، ومليوني يورو.

وبعد فتح القضية والتحقيق مع اللبان، جاءت أقدام وائل شلبي، خاصة وأن مدير المشتريات لا يمكن أن يبرم أي صفقة للمجلس دون موافقة الأمين العام للمجلس، وهو ما تسبب في تشكيل مجلس الدولة للجنة لمراجعة كافة الصفقات التى تم إبراهما خلال السنوات الخمس الأخيرة لمعرفة مدى مطابقتها للقانون، في الوقت الذى كانت النيابة تعمل على تفريغ مكالمات اللبان ليتم إثبات تورط شلبي في عدد من المشروعات والصفقات التى تتناولها القضية.

ونفذت الرقابة الإدارية إذن نيابة أمن الدولة العليا بضبط وإحضار المستشار وائل شلبي، على خلفية قضية الرشوة، وفي نفس اليوم كان شلبي على موعد مع الموت داخل محبسه حيث قالت الرواية الرسمية للسلطات، إن شلبي انتحر مستخدماً كوفية كان يرتديها، وهي الرواية التى لم تلق قبولا لدى الكثير من المتابعين.

مزاعم الرشاوى الجنسية

شريف حافظ رئيس محكمة جنح مستأنف محرم بك.. القاضي الذى ذاع صيته بعد حكمه بتخفيف حكم حبس الفتيات المعتقلات في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”حركة 7 الصبح”؛ تعرض لتشويه سمعة منظم وصل إلى تسريب معلومات للصحف عن وجود 22 تسجيلاً جنسيًا له، وهو الأمر الذى ثبت بعد ذلك عدم صحته.

كان حافظ قد خفف حكم قضية فتيات “7 الصبح” إلى الحبس سنة مع إيقاف التنفيذ في ديسمبر 2013، وجاء ضمّن منطوق حكمه بـ«المحكمة تود أن ترسل رسالة للقاصي والداني أن القضاء المصري كان وسيظل دائمًا بعيدًا عن كل الأهواء ولا يخشى في الحق لومة لائم ولا يدور في حساباته إلا يوم الحساب الأكبر الذي ستتساوى فيه كل الرؤوس.

وكانت هذه الكلمة هي التي أدت لتآمر قضاة الانقلاب عليه، بأوامر من نظام السيسي، بعد أن تم الإعلان في يونيو 2016 عن رفع الحصانة القضائية عن حافظ وإحالته لمجلس تأديب لاتهامه بالتزوير في محضر قضائي مقابل رشوة جنسية، وهو الاتهام الذي لم يثبت عليه، ليتم الحكم ببراءته في يوليو 2016.

واستند الدفاع عن حافظ على خصومة معلنة بينه وبين المحامي العام الأول لنيابات الإسكندرية سعيد عبد المحسن، يرجح أن تكون السبب في تحريك الدعوى، بسبب رفض حافظ تدخل عبد المحسن لتأييد حكم الحبس الأول على فتيات «7 الصبح».

عبدالهادي وحظر النشر

ألقى القبض على المستشار رامي عبد الهادي رئيس محكمة جنح مدينة نصر من إحدى القرى السياحية 2015 بعد اتهامه بتلقي رشوة جنسية مقابل إنهاء قضية منظورة أمامه.

وبدأت وقائع القضية بعد تقديم سيدة سورية بلاغاً إلى الرقابة الإدارية تتهم فيه عبد الهادي بطلب رشوة جنسية منها مقابل إنهاء قضية ينظرها، وأرفقت ببلاغها نسخة من المكالمات الهاتفية المسجلة بينها وبينه.

ورغم نفي عبد الهادي ما ورد من اتهام له، وقوله إنها “شائعة إخوانية”، إلا أن مجلس القضاء الأعلى وافق على رفع الحصانة القضائية عنه، ليتم إلقاء القبض عليه ويتوصل إلى تسوية مع النيابة التى واجهته بالمكالمات تقضي بتقديم استقالته مقابل حفظ القضية وعدم حبسه.

وهو ما تم بعد تدخل وزير العدل الانقلابى السابق أحمد الزند، كما تم إصدار قرار بحظر النشر في القضية، ليتقدم بأوراقه إلى نقابة المحامين في يناير 2017.

قاضي الحشيش

في نوفمبر 2016، كان المستشار طارق محمد زكي مصطفى رئيس محكمة جنح مستأنف ديرب نجم بالشرقية على موعد مع الكلب الذي قلب حياته رأساً على عقب،بعد اكتشافه كمية من الحشيش بلغت 693 «فرش» بوزن 173 كيلو و250 جراما، وذلك داخل نفق الشهيد أحمد حمدي بمحافظة السويس.

وبحسب المحضر الخاص بالقضية تم إيقاف سيارة القاضي التى ضمت معه طالبة وسائقًا بأحد الأكمنة غرب نفق أحمد حمدي، تم تفتيش السيارة وقائياً بواسطة أحد كلاب الشرطة، الذى حاول تمزيق حقيبة جلدية، وجد بها كمية من الحشيش دفعت قوة الشرطة لتفتيش السيارة ليتم العثور على باقي الكمية.

وطبقاً لأقوال الطالبة المتهمة في القضية، فإن القاضي اتفق على نقل المخدرات لصالح أحد الأشخاص قرب رأس سدر بجنوب سيناء، إلا أن القاضي نفى ذلك واتهم السائق والطالبة بحيازة المضبوطات، وحجزت القضية للحكم في أول أبريل القادم.

التعيينات

رغم أن تعيين أبناء القضاة محل سخط من قبل الكثيرين أبرزهم أوائل خريجي كليات الحقوق، إلا أن وزير العدل السابق أحمد الزند قال في تصريحات سابقة أثناء توليه منصب رئيس نادي القضاة: “من يهاجم أبناء القضاة هم الحاقدون والكارهون ممن يرفض تعيينهم، وسيخيب آمالهم، وسيظل تعيين أبناء القضاة سنة بسنة ولن تكون قوة فى مصر تستطيع أن توقف هذا الزحف المقدس إلى قضائها”.

كانت جريدة الشروق قد كشفت في تقرير سابق لها عن استحواذ أبناء القضاة على نسبة 35 % من تعيينات النيابة في يوليو 2015، حيث كشفت الجريدة أن 168 من أبناء القضاة ضمن 485 شملهم القرار الجمهوري رقم 202 لسنة 2014، دون احتساب الأصهار وأبناء العمومة.

المرتبات

مرتبات القضاة طبقاً لآخر تقرير نشر عنها في 2014 تترواح بين 20 -28 ألف جنيه للقضاة العاديين.

وتبدأ مرتبات قضاة النيابة الإدارية من 12 ألف جنيه، بينما تبدأ مرتبات قضاة مجلس الدولة من 16 ألف جنيه، بالإضافة إلى بدلات الانتداب وفقاً لقانون السلطة القضائية.

ورغم وجود قانون ينص على حد أقصى للأجور يقدر بـ 42 ألف جنيه، إلا أن القانون لم يطبق على القضاة بعد صدور فتوى من قسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة بعدم جواز تطبيق الحد الأقصى للأجور على القضاة.

فضلا عن الامتيازات الموازية من مرتبات وبدلات جعلت قطاعًا كبيرًا من القضاة مطية سهلة للنظام الحاكم، كما أعطت لهم سلطة واسعة يمكن استخدامها في أي شيء حتى وإن كان الحصول على خدمات جنسية جبرية، أو نقل مخدرات مقابل الأموال دون الخوف من الأكمنة.

Facebook Comments