بقلم: وائل قنديل

 

ذهب شيخ الأزهر إلى لقاء عبد الفتاح السيسي، فخرج حاملاً سيفه، للبدء في معركة تصحيح صورة الإسلام. إذن، فقد حمّرها السيسي مجدّدا، فانتهت كل الأزمات، كما حدث مع الصعود الجنوني للدولار، الذي توقّف بـ"تحميرة" واحدة من الزعيم المُلهَم، كما روّج إعلامه. تقول صحف السيسي عن لقاء شيخ الأزهر إنه "فور انتهاء اللقاء مباشرة، دعا الطيب جميع قيادات الأزهر لاجتماع عاجل، برئاسته فى مقرّ المشيخة، لبحث تنفيذ تكليفات الرئيس، وتوحيد جهود جميع المؤسسات الدينية في خدمة الدعوة الإسلامية، ونشر المفاهيم الصحيحة. حضر الاجتماع الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، والدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية".

لا تُتعب نفسك في السؤال: ما أهمية وجود شيخ للأزهر، إذا كانت كل المشكلات لا تأخذ طريقها إلى الحل إلا بعد أن يتدخّل الجنرال، محمّراً عينه، أحياناً، ومسبلاً إياها في أحيان أخرى.. ولا تعبأ كثيراً بالتوقف عند شكلياتٍ بسيطة، تظهر شيخ الأزهر في هيئة سكرتير الزعيم، وحامل الرسائل والتوجيهات، وناقل التعليمات لمن يعنيه أمر التنفيذ.

ففي زمن عسكرة الدعوة والفقه، من الطبيعي أن يكون القول الفصل في صحيح الدين للجنرال، هو رائد التفسير، وزعيم الفتوى، والمرشد الأعلى والمرجع الأول، حتى وإن كان، كما يعلم شيخ الأزهر، عاجزاً عن قراءة جملةٍ واحدة، على نحو سليم. خرج شيخ الأزهر في سرورٍ وحبور، لأن الجنرال استقبله، هو، مع اشتداد أزمة خطبة الجمعة، المعلبة، التي تضمن الهيمنة على منابر المساجد، وقتل روح الاجتهاد والتجديد في الفهم، من أجل اعتبارات الأمن القومي.

ولو كان السيسي قد أمر بنقل الإشراف على خطبة الجمعة إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، لهلل شيخ الأزهر وكبّر، واعتبره قراراً حكيماً، ينتصر لصحيح الدين، ويؤسّس لعصرٍ من التنوير تحتاجه الأمة. أو ليست الهيئة الهندسية هي الرائدة في الطب والاقتصاد والرياضة والزراعة والفن والثقافة، فلم لا تكون المرجع في الفتوى والخطابة والفقه وإحياء علوم الدين؟ قلنا، من البداية، إنها مرحلة حكم مصر بالخرافة، بدأت منذ ما قبل الثلاثين من يونيو 2013، حيث نشطت جرّافات الوعي وحفارات الضمير في شقّ قنوات للكذب والوهم، مرّت فيها كل أنواع الأكاذيب، بمشاركة جيشٍ هائل من مثقفين، زعموا طويلاً أنهم فرسان الاستنارة، فلما أفلت شمس 30 يونيو، تبيّن أنهم مقاتلون في جيوش الخرافة.

تجدهم ناشطين في استنساخ ستينيات عبد الناصر بركاكة، يستخدمون الأغنيات الوطنية في غير مواضعها، ويتصنعون "ناصرا" صغيرا، من دون وعيٍ بأن علم الهندسة الوراثية لم يأخذ طريقه إلى عالم السياسة بعد، وبالتالي، لا يصلح ما كتب، وتحول أغنيات فيما بعد، عن "مصر القاهر والظافر"، للاستعمال في مرحلة "مصر البيضة والحجر". غير أن العجيب في الأمر، أن رصيد نظام عبد الفتاح السيسي من الكذب والوهم والدجل قد نفد، لكن رصيد المحيطين به من القابلية للابتلاع والهضم والامتصاص لا ينفد.

وكلما انكشفت كذبةٌ وسقط وهمٌ، يُسارع من يفترض فيهم أنهم حرّاس الوعي، إلى تغطية ما تعرّى، وترميم ما انكسر، وإقامة ما سقط وتهدّم، يستوي في ذلك شيخ الأزهر مع إعلامي درجة عاشرة، أو مثقفٍ يبيع البضاعة الفاسدة ذاتها، منذ ستينيات عبد الناصر، وحتى أيام عبدالفتاح، من دون كل أو ملل.

يعرف عبدالفتاح السيسي ونظامه، منذ البداية، أن عدوه الاستراتيجي هو الوعي، وأن معركته الكبرى ضد كل من يحاول الاقتراب من مملكة الخرافة التي أقام عليها حكمه. غير أن المفارقة، هنا، أن أكثر جنوده وأحسنهم أداءً وبلاءً، في المعركة هم علماء حقيقيون، ارتضوا أن يبيعوا علمهم في سوق الوهم والخرافة، فالأرباح هنا أكبر، ومعدلات الأمان والنجاة أعلى، داخل دائرة السلطان، فيوظف صاحب "نوبل" في الكيمياء، أحمد زويل، كل خبراته العلمية في خدمة نظامٍ جاهل، جهول. ويرهن شيخ الأزهر وعلماؤه كل ما لديهم في بورصة الدجل.

ويبيع عبد الرحمن الأبنودي قصائده على عتبات القصر، قبل أن يرحل. وغيرهم كثيرون من موتى، اختاروا أن ينسفوا كل ما بنوه من مجدٍ عند الناس، قبل أن يرحلوا، وأحياء قرّروا أن يصنعوا نهاياتٍ مخزية، بأيديهم. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments