الحكم الذي قضت به ما تسمى بمحكمة جنح مستأنف الشرابية، بحبس سبعة عمال في شركة النصر العامة للمقاولات (حسن محمد علام وهي شركة حكومية) للمقاولات، 30 يومًا، جاء صادما وشاذا في مبناه ومحتواه، ويؤكد انحياز القضاء للنظام العسكري وحيتانه المقربين من رجال الأعمال على حساب الشعب وتطلعاته نحو الحرية والكرامة والعدالة.

استند حكم الجنح الشاذ إلى اتهام العمال بالتجمهر، وتحريض العاملين، ومنعهم من الانصراف، وامتناعهم عن أداء أعمالهم للإضرار بالشركة، متجاهلا أن العمال ما دفعهم إلى ذلك إلا عصف إدارة الشركة بحقوقهم والامتناع عن صرف أجورهم، فلم يجدوا ما يوفرون به لأولادهم من طعام وشراب وكساء وسكن.

وكانت مليشيا العسكر قد داهمت منازل العمال واعتقلتهم تعسفيا وساقتهم إلى قسم شرطة الوايلي بمحافظة القاهرة وذلك على خلفية احتجاج العاملين بالشركة اعتراضًا على امتناع الشركة عن دفع أجورهم، والعمال المُعتَقَلون هم: مصطفى عبد الله محمد، ومحمد السيد محمود، وأحمد عبد الله محمد، وأحمد لبيب راشد، وربيع مسعود عباس، وعادل محمد أحمد عمران، وطلال عاطف السيد.

كان العمال قد نظموا إضرابًا عن العمل يوم 18 ينايرالماضي في العاصمة الإدارية الجديدة بشرق القاهرة في ظل تهديد أمني واضح لهم، وكانت مطالب العمال هي صرف رواتبهم المتأخرة لمدة ثلاثة أشهر، بعدها قدمت إدارة شركة حسن علام العامة للمقاولات، محضرا ضد العاملين بالشركة، بعدما أعلنوا الاعتصام بمدخل الشركة، اعتراضًا على تأخير الرواتب.

وطالب العمال بتعيين جميع العمالة المؤقتة دون استثناء، وعدم فسخ العقد دون تنبيه أو إنذار أو مكافأة، وحل مجلس الإدارة بالكامل، وتطهير النقابة بالشركة وتطهير صندوق الزمالة.

وبينما تتنصل إدارة الشركة من الوفاء بمستحقات العمال المالية، يؤكد هؤلاء أن الشركة حققت أرباحا العام المنصرم، بنحو 85 مليون جنيه، ومع ذلك لم تصرف الأرباح السنوية والبدلات الشهرية والمرتبات.

وشركة النصر العامة للمقاولات من عمالقة شركات المقاولات في مصر، تولت تنفيذ المشروعات العملاقة ذات الأولوية القومية بمصر منذ تأسيسها عام 1936، كما شاركت الشركة في إقامة العديد من المشروعات الحيوية في عدة دول عربية مثل ليبيا، الكويت، العراق، الإمارات المتحدة والسودان، حيث قامت بتنفيذ العديد من مشروعات الطرق والمرافق والمباني. وأصبحت الشركة القومية للتشييد والتعمير وهي شركة قابضة حكومية هي المالك الوحيد لأسهم الشركة، وبدءا من 1/12/1996 تم تعيين إدارة جديدة للشركة لتحمل مسؤوليات المرحلة الجديدة.

العصف بحقوق العمال

ويواجه عمال مصرأزمات عديدة ، بالتزامن مع الاحتفال بعيدهم في غرة مايو من كل عام، أبرزها القمع المتزايد وتدني الأجور وسوء الأحوال المعيشية وتسريح عشرات الآلاف من العمالة، بسبب استمرار ظاهرة غلق المصانع وخطة حكومية لتقليص أعداد موظفي الحكومة باتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وشهدت الاحتجاجات تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، بسبب القمع المتزايد، حسب منظمات حقوقية وعمالية أكدت أن السلطات المصرية تهدد العمال بقانون التظاهر الصادر عام 2013، وزجت بالعديد منهم في السجون، بالإضافة إلى تعرّض آخرين للفصل التعسفي من العمل كعقاب لهم على ممارسة الاحتجاج.

ووفقًا للشبكة العربية لحقوق الإنسان، تميز عام 2018 بإلقاء القبض على نقابيين وقيادات عمالية في العديد من القطاعات، حيث تم اعتقال نقابيين ناشطين في التعليم والتمريض ومصانع الغزل وغيرها. ورغم عمليات القمع المتصاعدة من قبل الأجهزة الأمنية ضد العمال، واصلت الحركة النقابية تحركاتها، إذ رصد مركز “هردو” لدعم التعبير الرقمي (منظمة مجتمع مدني مصرية)، في تقرير حديث، 25 تحركًا احتجاجيًا، خلال شهر فبرايرالماضي، وهو نفس عدد الاحتجاجات التي تم رصدها خلال يناير الماضي.

وانطلق الاحتجاج العمالي الأول في 2019 من شركة كفر الدوار للغزل والنسيج بمحافظة البحيرة، باعتصام 600 عامل، احتجاجًا على تأخر صرف راتب شهر ديسمبر 2018. وما فاقم من معيشة العمال تدهور الأوضاع الاقتصادية التي أدت إلى إغلاق آلاف المصانع. وحسب تقارير سابقة لاتحاد الصناعات المصرية، وصلت أعداد المصانع المغلقة إلى ما بين 4500 و5000 مصنع، فيما يرى اتحاد المستثمرين أن العدد أكبر من ذلك، ما أدى إلى تشريد الآلاف من العمال.

ورغم إعلان رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي رفع الحد الأدنى لأجور جميع العاملين في الدولة من 1200 إلى 2000 جنيه (من 69.44 إلى 115.74 دولارا)، يرى مراقبون أن هذه الزيادة لن تنعكس إيجاباً على العمال بسبب موجة غلاء مرتقبة، مع كشف الحكومة عن رفع جديد لأسعار الوقود والكهرباء وزيادة الضرائب.

ومن الأزمات الخانقة التي تواجه العمال، اتجاه الدولة إلى الاستغناء عن أعداد هائلة من الموظفين وانتقالهم إلى خانة العاطلين عن العمل، منذ صدور قانون الخدمة المدنية عام 2016، بالإضافة إلى ضغوط صندوق النقد الدولي لحصول مصر على باقي قرض قيمته 12 مليار دولار، مقابل عدد من الشروط، منها تخفيض عدد موظفي الدولة.

وكانت الحكومة قد أحالت بالفعل نحو 800 ألف موظف إلى التقاعد، خلال العام المالي 2016/ 2017، وفق ما كشفت عنه بيانات صادرة عن جهاز الإحصاء، في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي 2017. وأظهرت البيانات الرسمية أن عدد العاملين في القطاع الحكومي تراجع إلى 5 ملايين موظف بنهاية العام المالي 2016/ 2017، مقابل 5.8 ملايين موظف في عام 2015/ 2016، بنسبة انخفاض 13%.

Facebook Comments